منتدى يلم شمل شيعة تبسة الجزائرية
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ان الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا
السبت مايو 09, 2015 1:53 pm من طرف أبن العرب

» التوحيد واقسامه
الجمعة مايو 01, 2015 1:29 pm من طرف أبن العرب

» قولوا لا إله إلا الله تفلحوا
الجمعة مايو 01, 2015 1:08 pm من طرف أبن العرب

» برنامج الأذان الشيعي للكمبيوتر -رائع-
الجمعة نوفمبر 21, 2014 1:31 am من طرف أبو حسين

» الرد علي الشبهات تارافضيه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:53 pm من طرف الشناوي احمد

» هل ولد علي بن ابي طالب رضي الله عنه في الكعبه يا رافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:50 pm من طرف الشناوي احمد

» لماذا يكفر من ينكر الامامه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:48 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الرافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:46 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الشيعه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:44 pm من طرف الشناوي احمد

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
pubarab

شاطر | 
 

 المجلس الرابع - كتاب ليالي بيشار مدمر عقيدة السلفيين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علي العاملي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 297
تاريخ التسجيل : 12/04/2011

مُساهمةموضوع: المجلس الرابع - كتاب ليالي بيشار مدمر عقيدة السلفيين    الخميس يونيو 02, 2011 2:52 pm

المجلس الرابع

ليلة الاثنين26/ رجب / 1345 هجرية‏

في أول المغرب دخل ثلاثة من أهل السنة من غير العلماء، وكانوا من ‏الحاضرين في المجالس السابقة، وقالوا: جئنا قبل الآخرين لنقول لسماحتكم: ‏إن حديث الناس في كل مكان، في الدوائر الحكومية والمتاجر، وحتى في ‏الحوانيت، يدور حول مناظرتكم وحواركم مع علمائنا، وإن الصحف التي ‏تنشر هذا الحوار مهما كثرت نسخها فهي مع ذلك تنفذ في أول ساعة من ‏نشرها.‏

ويشاهد في كل نقطة وزاوية من البلد شخص بيده صحيفة يقرأ حديثكم ‏بصوت عال وحوله جمع غفير من الناس يستمعون إليه وهم يتابعون ‏حواركم وحديثكم بكل لهفة واشتياق.‏

اعلم يا سيد! إن مجتمعنا متعطش لفهم هذه الحقائق التي طالما أخفاها ‏علماؤنا! فنرجوك يا مولانا أن تكشف أستار الظلام وتزيل الأوهام أكثر ‏فأكثر ، لتنور أفكار الناس لا سيما العوام، فيعرفوا حقائق الإسلام.‏ الصفحة 228


ونرجوك أن تبسط لنا المواضيع المطروحة وتبينها من غير تكلف، ببيان ‏وكلام سهل نفهمه نحن العوام والسوقة.‏

فإن الناس إذا عرفوا عقائدكم وفهموا مذهبكم سيتقبلوه ويعتنقوه، وسيتمسكون ‏بعقائدكم لأنها مبينة على أساس القرآن والأحاديث الصحيحة المروية في ‏كتبنا وهي أقرب إلى الفطرة والعقل.‏

والله يا سيد إن كلامك بعث الوعي في مجتمعنا، فكأنهم كانوا نياما فانتبهوا ‏وكانوا عميا فأبصروا.‏

نحن وأهل بلدنا كنا نسمع منذ الطفولة من علمائنا ومشايخنا بأن الشيعة ‏مشركون وكفار وأنهم من أهل النار!‏

ولكن بفضل حديثكم في الليالي الماضية عرفنا أن شيعة أهل البيت هم ‏المسلمون حقا، فهم أتباع النبي وأهل بيته، وعرفنا أن ما كان يقوله مشايخنا ‏و علماؤنا عن الشيعة كله كذب وافتراء، فالشيعة إخواننا في الدين.‏

قلت: إني أشكركم على حسن فهمكم واتباعكم للحق بعدما عرفتموه، ‏وأشكركم على هذا الكلام النابع من قلوبكم الصافية ونفوسكم الزاكية.‏

ثم استأذنت منهم لأصلي العشاء، وبينما أنا في الصلاة إذ دخل سائر الأخوة ‏من العلماء وغيرهم، فأنهيت الصلاة والدعاء، وأقبلت نحوهم وسلمت عليهم ‏ورحبت بهم.‏

فقال النوّاب: لقد قرّرت في الليلة الماضية أن تحدّثنا عن مقام أئمّتكم ‏واعتقادكم في حقّهم، لاَنّا نحبّ أن نعرف ما هو الاختلاف بيننا وبينكم حول ‏الأئمة عليهم السلام.‏ الصفحة 229


قلت: لا مانع لدي من ذلك إذا سمح العلماء الاَعلام والحاضرون الكرام.‏

الحافظ ـ وهو منخطف اللون ـ: لا مانع لدينا أيضاً.‏

معنى الإمام في اللغة

قلت: إنّ العلماء في المجلس يعرفون إنّ لكلمة الإمام معانٍ عديدة في اللغة، ‏منها: المقتدى.‏

فإمام الجماعة هو الذي تقتدي به جماعة المصلّين وتتابعه في أفعال الصلاة ‏كالقيام والقعود والركوع والسجود.‏

وأئمّة المذاهب الأربعة هم فقهاء بيّنوا لاَتباعهم أحكام الإسلام ومسائل الدين، ‏وهم اجتهدوا فيها واستنبطوها من القرآن والسنّة الشريفة بالقياس ‏والاستحسانات العقلية، فلذلك لمّا نطالع كتبهم نرى في آرائهم وأقوالهم، في ‏الأصول والفروع، اختلافاً كثيراً.‏

ويوجد مثل الأئمة الأربعة في كلّ دين ومذهب، وحتى في مذهب الشيعة، ‏وهم العلماء الفقهاء الذين يرجع إليهم الناس في أمور دينهم، ويعملون ‏بأقوالهم ويقلّدونهم في الأحكام الشرعية والمسائل الدينية، ومقام هؤلاء ‏المراجع عندنا كمقام الأئمة الأربعة عندكم، وهم في هذا العصر الذي غاب ‏فيها عن الأنظار الإمام المعصوم المنصوص عليه من النبي صلى الله عليه ‏وآله. يستنبطون الأحكام الشرعية ويستخرجون المسائل الدينية على أساس ‏القرآن والسنّة والإجماع والعقل، فيفتون بها، وللعوّام أن يتّبعوهم ويقلّدونهم، ‏وفي اصطلاح مذهبنا نسمّيهم: مراجع الدين، ‏ الصفحة 230


والواحد منهم: المرجع الديني.‏

سدّ باب الاِجتهاد عند العامّة

كان الأئمة الأربعة حسب زعمكم فقهاء أصحاب رأي وفتوى في المسائل ‏الدينية ومستندهم: الكتاب والسنّة والقياس. فهنا سؤال يطرح نفسه وهو:‏

إنّ الفقهاء وأصحاب الرأي والفتوى عددهم أكثر من أربعة، وأكثر من ‏أربعين، وأكثر من أربعمائة، وأكثر... وكانوا قبل الأئمة الأربعة وبعدهم، ‏وكثير منهم كانوا معاصرين للاَئمّة الأربعة، فلماذا انحصرت المذاهب في ‏أربعة؟!‏

ولماذا اعترفتم بأربعة من الفقهاء وفضّلتموهم على غيرهم وجعلتموهم ‏أئمّة؟! من أين جاء هذا الحصر؟! ولماذا هذا الجمود؟!‏

نحن وأنتم نعتقد أنّ الإسلام قد نسخ الأديان التي جاءت قبله، ولا يأتي دين ‏بعده، فهو دين الناس إلى يوم القيامة، قال تعالى: {وَمن يبتغ غير الاسلام ‏ديناً فلن يقبل منه ...} (1).‏

فكيف يمكن لهذا الدين الحنيف أن يساير الزمن والعلم في الاختراعات ‏والاكتشافات والصناعات المتطوِّرة، ولكلّ منها مسائل مستحدثة تتطلّب ‏إجابات علمية؟!‏

فإذا أغفلنا باب الاجتهاد ولم نسمح للفقهاء أن يبدوا رأيهم ‏


____________


1- سورة آل عمران: الآية 85.‏ الصفحة 231


ويظهروا نظرهم ـ كما فعلتم أنتم بعد الأئمة الأربعة ـ فمن يجيب على ‏المسائل المستحدثة؟!‏

وكم ظهر بينكم بعد الأئمة الأربعة فقهاء أفقه منهم، ولكنّكم ما أخذتم بأقوالهم ‏وما عملتم بآرائهم! فلماذا ترجّحون أولئك الأربعة على غيرهم من الفقهاء ‏والعلماء، لا سيّما على الأَفقه والأعلم منهم؟! أليس هذا ترجيح بلا مرجّح، ‏وهو قبيح عند العقلاء؟!‏

انفتاح باب الاِجتهاد عند الشيعة

ولكن في مذهبنا نعتقد: أنّ في مثل هذا الزمان وبما أنّ الإمام المعصوم ‏غائب عن الأبصار، فباب الاِجتهاد مفتوح غير مغلق، والرأي غير محتكر، ‏بل كلّ صاحب رأي حرّ في إظهار رأيه، شريطة أن يكون مستنداً إلى ‏الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل، وعلى العوام أن يرجعوا إليهم في أخذ ‏الأحكام ومسائل الإسلام.‏

والإمام الثاني عشر، وهو المهدي المنتظر، آخر أئمّتنا المعصومين عليهم ‏السلام، أمر بذلك قبل أن يغيب عن الأبصار... فقال: من كان من الفقهاء ‏حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه ـ أي ربّه ـ ‏فللعوامّ أن يقلّدوه.‏

لذلك يجب عند الشيعة، على كلّ من بلغ سنّ الرشد والبلوغ الشرعي ، ولم ‏يكن مجتهداً فقيهاً، يجب عليه أن يقلّد أحد الفقهاء الأحياء الحاوين لتلك ‏الشرائط التي اشترطها الإمام المعصوم عليه السلام، ولا يجوز عندنا تقليد ‏الفقيه الميّت ابتداءً، والعجيب أنّكم تتّهمون الشيعة بأنّهم يعبدون الأموات ‏لزيارتهم القبور!!‏ الصفحة 232


ليت شعري هل زيارة القبور عبادة الأموات،أم عبادة الأموات هي اعتقادكم ‏بأنّ كلّ من لم يتّبع الأئمة الأربعة في الأحكام، ولم يلتزم برأي الأشعري أو ‏المعتزلي في أصول الدين، فهو غير مسلم، يجوز قتله ونهب ماله وسبي ‏حريمه حتى إذا كان يتبع أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته ‏الهادية (ع)؟!!‏

مع العلم أنّ أئمّة المذاهب الأربعة، وأبا الحسن الاَشعري والمعتزلي، ما ‏كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يدركوا صحبته، فبأيّ ‏دليل تحصرون الإسلام في رأي هؤلاء الستّة؟ أليس هذا العمل منكم بدعة ‏في الدين؟!‏

الحافظ: لقد ثبت عندنا أنّ الأئمة الأربعة حازوا درجة الاِجتهاد، وتوصّلوا ‏إلى الفقه وإبداء الرأي في الأحكام، وهم كانوا على زهد وعدالة وتقوى، ‏فلزم علينا وعلى جميع المسلمين متابعتهم والأخذ بقولهم؟

قلت: إن الأمور التي ذكرتها لا تصير سبباً لانحصار الدين في أقوالهم ‏وآرائهم وإلزام المسلمين بالأخذ منهم فقط إلى يوم القيامة، لاَنّ هذه الصفات ‏متوفّرة في علماء وفقهاء آخرين منكم أيضاً.‏

ولو قلتم بانحصار هذه الصفات في الأئمة الأربعة فقد أسأتم الظنّ في سائر ‏علمائكم الأعلام، بل أهنتموهم وهتكتم حرمتهم ولا سيّما أصحاب الصحاح ‏منهم!!‏

ثمّ إنّ إلزام المسلمين وإجبارهم على أيّ شيء يجب أن يكون مستنداً إلى ‏نصّ من القرآن الحكيم أو حديث النبي الكريم صلى الله عليه وآله، وأنتم ‏تجبرون المسلمين وتلزمونهم على أخذ أحكام دينهم من أحد الأئمة الأربعة ‏من غير استناد إلى الله ورسوله، فعملكم هذا لا يكون إلاّ تحكّماً وزورا.‏ الصفحة 233


السياسة تحصر المذاهب في أربعة

لقد سبق زعمكم أنّ التشيّع مذهب سياسي، ولا أساس له في الدين، ونحن ‏أثبتنا وهن هذا الكلام وبطلانه، بنقل الكثير من الأحاديث النبويّة الشريفة ‏التي يذكر النبي صلى الله عليه وآله فيها شيعة عليّ عليه السلام بالفوز ‏والفلاح ويعدهم الجنّة.‏

وأثبتنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو مؤسّس مذهب الشيعة ، وهو ‏واضع أساسه، وهو الذي سمّى موالي الإمام عليّ عليه السلام وأتباعه ‏بالشيعة، حتى صار هذا الاسم علماً لهم في حياته صلى الله عليه وآله، ‏واستندنا في كلّ ذلك على الروايات المعتبرة المرويّة في كتبكم، المقبولة ‏لديكم، والتي تعتمدون عليها كلّكم.‏

والآن أقول لكم بصراحة: إن مذاهبكم الأربعة هي مذاهب سياسية ليس لها ‏أساس في الدين، وهذا ثابت لأهل التقوى واليقين.‏

فإن كنتم لا تعلمون أساس التزامكم بالمذاهب الأربعة وانحصار الإسلام ‏الحنيف فيها كما تزعمون فراجعوا التاريخ وطالعوه بدقّة وتحقيق حتى ‏تعرفوا إنّما وجدت المذاهب الأربعة بدواعٍ سياسية، وكان الهدف منها ابتعاد ‏المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام وغلق مدرستهم العلمية!‏

هذا ما كان يبتغيه السلطان الظالم الغاصب الذي تسمّوه: " الخليفة " لاَنّ ‏الخلفاء كانوا يرون أهل البيت عليهم السلام منافسين لهم في الحكم والسلطة، ‏فهم يحكمون الناس بالقوّة والقهر والسوط والسيف، ولكنّ الناس يميلون إلى ‏أهل البيت عليهم السلام بالرغبة والمحبّة قربة ‏ الصفحة 234


إلى الله تعالى فيطيعونهم ويأخذون بأقوالهم ويتّبعونهم في مسائل الحلال ‏والحرام، وكلّ أحكام الإسلام.‏

فأهل البيت عليهم السلام هم أصحاب السلطة الشرعية والحكومة الروحية ‏المهيمنة على النفوس والقلوب عند الناس، فلأجل القضاء على هذه الحالة ـ ‏التي جعلت الخلفاء في حذر وخوف دائم، وسلبت منهم النوم والراحة ـ ‏بادروا إلى تأسيس المذاهب الأربعة، واعترفت السلطات الحكومية والجهات ‏السياسية بها دون غيرها، وأعطتها الطابع الرسمي، وحاربت سواها بكلّ ‏قوّة وقسوة.‏

وأصدرت قرارات رسمية تأمر الناس بالأخذ بقول أحد الأئمة الأربعة ، ‏وأمرت القضاة أن يحكموا على رأي أحدهم ويتركوا أقوال الفقهاء الآخرين، ‏هكذا انحصر الإسلام بالمذاهب الأربعة، وإلى هذا اليوم أنتم أيضاً تسيرون ‏على تلك القرارات الظالمة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!‏

والعجيب أنّكم ترفضون كلّ مسلم مؤمن يعمل بالأحكام الدينية على غير ‏رأي الأئمة الأربعة، حتى إذا كان يعمل برأي الإمام عليّ بن أبي طالب ‏والعترة الهادية عليهم السلام كمذهب الشيعة الأمامية.‏

فإنّ الشيعة سائرون على منهج أهل البيت والخطّ الذي رسمه النبي صلى الله ‏عليه وآله، فيأخذون دينهم من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي ‏تربّى في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو باب علمه، وقد أمر ‏النبي صلى الله عليه وآله المسلمين بمتابعته والأخذ منه، والأئمّة الأربعة بعد ‏لم يُخلقوا، فقد جاؤا بعد رسول الله بعهد طويل، مائة عام أو أكثر، مع ذلك ‏تزعمون أنّكم على حقّ والشيعة على باطل!!‏ الصفحة 235


أمَا قال النبي صلى الله عليه وآله: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، ‏وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً(1)؟!‏

فانظروا وفكّروا.. من المتمسّك بالثقلين، نحن أم أنتم؟!‏

أما قال النبي صلى الله عليه وآله: إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، ‏من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى ـ وفي رواية: هلك(2) فمن ‏المتخلّف عنهم، نحن أم أنتم.‏

هل الأئمة الأربعة من أهل البيت عليهم السلام؟! أم الإمام علي عليه السلام، ‏والحسن والحسين عليهما السلام ريحانتا النبي صلى الله عليه وآله وسبطاه ‏وسيّدا شباب أهل الجنة؟!‏

أما قال النبي صلى الله عليه وآله فيهما: فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا ‏عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم(3)؟!‏

ثم يقول ابن حجر في " تنبيه " له على الحديث: سمّى رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله)‏ القرآن وعترته.. ثقلين، لاَنّ الثقل: كلّ نفيس خطير ‏مصون وهذان كذلك، إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم ‏العليّة والأحكام الشرعيّة، ولذا حثّ ‏(صلى الله عليه وآله)‏ على الاقتداء ‏والتمسّك بهم والتعلّم منهم.‏

وقيل سُمِّيا ثقلين: لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثمّ الذين وقع الحث عليهم ‏منهم، إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون ‏الكتاب إلى ورود الحوض، ويؤيّده الخبر السابق: ‏


____________


1- ذكرنا فيما سبق مصادره من كتب العامة بالتفصيل.‏

2- ذكرنا مصادره فيما سبق وانظر: الصواعق المحرقة: 91، تحت الآية السادسة.‏

3- الصواعق المحرقة: 89، تحت الآية الرابعة.‏ الصفحة 236


ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.‏

وتَميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لاَنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم ‏تطهيراً، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها.. ‏إلى آخر ما قاله ابن حجر.‏

وما لي لا أتعجّب منه ومن أمثاله وما أكثرهم في علمائكم! فإنّه مع إذعانه ‏وإقراره بأنّ أهل البيت عليهم السلام يجب أن يقدَّموا على مَن سواهم، ‏ويجب أن تأخذ الأمة منهم أحكام دينها ومسائلها الشرعية، لكنّه قدّم أبا ‏الحسن الاَشعري عليهم وأخذ منه أصول دينه، وقدّم الأئمة الأربعة، وأخذ ‏أحكام الشريعة المقدّسة منهم لا من أهل البيت عليهم السلام!!‏

وهذا نابع من العناد والتعصّب واللجاج، أعاذنا الله تعالى منها.‏

مطاعن الأئمة الأربعة

ثمّ أسألك أيّها الحافظ، إذا كان الواقع كما زعمت أنّ الأئمة الأربعة كانوا ‏على زهد وعدالة وتقوى، فكيف كفّر بعضهم بعضاً، ورمى بعضهم الآخر ‏بالفسق؟!!‏

الحافظ ـ وقد تغيّر لونه ولاح الغضب في وجهه وصاح ـ: لا نسمح لكم ‏أن تتهجّموا على أئمّتنا وعلمائنا إلى هذا الحدّ، أنا أعلن أنّ كلامك هذا كذب ‏وافتراء على أئمّة المسلمين، وهو من أباطيل علمائكم، أمّا علماؤنا فكلّهم ‏أجمعوا على وجوب احترام الأئمة الأربعة وتعظيمهم، ولم يكتبوا فيهم سوى ‏ما يحكي جلالة شأنهم وعظيم مقامهم.‏ الصفحة 237


قلت: يظهر أنّ جنابك لا تطالع حتى كتبكم المعتبرة، أو تتجاهل عن مثل ‏هذه المواضيع فيها، وإلاّ فإنّ كبار علمائكم كتبوا في ردّ الأئمة الأربعة، ‏وفَسَّقَ بعضهم الآخر بل كفّر بعضهم بعضهم الآخر!!‏

الحافظ: نحن لا نقبل كلامك، بل هو مجرّد ادّعاء، ولو كنت صادقاً في ما ‏تزعم فاذكر لنا أسماء العلماء وكتبهم وما كتبوا حتى نعرف ذلك!‏

قلت: أصحاب أبي حنيفة وابن حزم وغيرهم يطعنون في الإمامين مالك ‏والشافعي.‏

وأصحاب الشافعي، مثل: إمام الحرمين، والإمام الغزالي وغيرهما يطعنون ‏في أبي حنيفة ومالك.‏

فما تقول أنت أيّها الحافظ، عن الإمام الشافعي وأبي حامد الغزالي وجا الله ‏الزمخشري؟!‏

الحافظ: إنّهم من كبار علمائنا وفقهائنا، وكلّهم ثقات عدول يُعتمد عليهم ‏ويُصلّى خلفهم.‏

قلت: جاء في كتبكم عن الإمام الشافعي أنّه قال: ما وُلد في الإسلام أشأم من ‏أبي حنيفة.‏

وقال أيضاً: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ‏ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنّة!‏

وقال الإمام الغزالي في كتابه " المنخول في علم الأصول ": فأمّا أبو حنيفة ‏فقد قلّب الشريعة ظهراً لبطن، وشوّش مسلكها، وغيّر نظامها. و أردف ‏جميع قواعد الشريعة بأصلٍ هَدَم به شرع محمد المصطفى صلى الله عليه ‏وآله،... ومن فعل شيئاً من هذا مستحلاً كفر، ومن فعله غير ‏ الصفحة 238


مستحلّ فسق.‏

ويستمر بالطعن في أبي حنيفة بالتفصيل إلى أن قال: إنّ أبا حنيفة النعمان ‏بن ثابت الكوفي، يلحن في الكلام ولا يعرف اللغة والنحو ولا يعرف ‏الاَحاديث، ولذا كان يعمل بالقياس في الفقه، وأوّل من قاس إبليس.‏

انتهى كلام الغزالي.‏

وأمّا جار الله الزمخشري صاحب تفسير " الكشّاف " وهو يُعدُّ من ثقات ‏علمائكم وأشهر المفسّرين عندكم، قال في كتابه " ربيع الاَبرار ": قال يوسف ‏بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة حديث ‏أو أكثر!‏

وحكي عن يوسف أيضاً: أنّ أبا حنيفة كان يقول: لو أدركني رسول الله ‏صلى الله عليه وآله لأخذ بكثير من قولي!!‏

وقال ابن الجوزي في " المنتظم " اتّفق الكلّ على الطعن فيه ـ أي : في أبي ‏حنيفة ـ والطعن من ثلاث جهات:‏

1 ـ قال بعض: إنّه ضعيف العقيدة، متزلزل فيها.‏

2 ـ وقال بعض: إنّه ضعيف في ضبط الرواية وحفظها.‏

3ـ وقال آخرون: إنّه صاحب رأي وقياس، وإنّ رأيه غالباً مخالف ‏للأحاديث الصحاح. انتهى كلام ابن الجوزي.‏

والكلام من هذا النوع كثير في كتبكم حول الاَئمّة الاَربعة، وأنا لا اُحب أن ‏أخوض هذا البحث، وما أردت أن أتكلّم بما تكلّمت، ولكنّك أحرجتني بكلامك ‏حيث قلت: إنّ علماء الشيعة يكذبون على ‏ الصفحة 239


علمائنا وأئمتنا فأردت أن أثبت لك وللحاضرين أن كلام علماء الشيعة ‏مستدلّ وصحيح ولا يصدر إلاّ عن الواقع والحقيقة، ولكن كلامك أيّها ‏الحافظ عار من الصحة والواقع، وإذا أردت أن تعرف المطاعن كلّها حول ‏الأئمة الأربعة، فراجع كتاب " المنخول في علم الأصول " للغزالي، وكتاب " ‏النكت الشريفة " للشافعي، وكتاب " ربيع الأبرار " للزمخشري، وكتاب " ‏المنتظم " لابن الجوزي.. حتى تشاهد كيف يطعن بعضهم البعض إلى حدّ ‏التكفير والتفسيق!!‏

ولكن لو تراجع كتب الشيعة الإمامية حول الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ‏لرأيت إجماع العلماء والفقهاء والمحدّثين والمؤرخين على تقديسهم وعظم ‏شأنهم وجلال مقامهم وعصمتهم (سلام الله عليهم).‏

لأننا نعتقد أنّ الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام كلّهم خريجوا جامعة واحدة، ‏وهم أخذوا علمهم من منبع ومنهل واحد، وهو منبع الوحي ومنهل الرسالة ، ‏فلم يفتوا إلاّ على أساس كتاب الله تعالى والسنّة الصحيحة التي ورثوها من ‏جدّهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلين صلى الله عليه وآله عن طريق الإمام ‏عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين عليهم ‏السلام، وحاشا أئمّتنا عليهم السلام أن يفتوا على أساس الرأي والقياس، ولذا ‏لا تجد أي اختلاف في ما بيّنوه، لأنّهم كلّهم ينقلون عن ذلك المنبع الصافي ‏الزلال: " روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري ".‏ الصفحة 240


مقام الإمام عند الشيعة الإمامية

الإمام في اصطلاح الشيعة يختلف عن الإمام في اصطلاحكم، فإن الإمام ‏عندكم بمعناه اللغوي وهو: المقتدى، كإمام الجمعة والجماعة.‏

ولكن الإمام عندنا ـ كما هو ثابت في علم الكلام ـ هو صاحب الرئاسة ‏العامة الإلهية خلافة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمور الدين ‏والدنيا، إذ يجب على الأمة كافة اتباعه، ولذا نعتقد بأن الإمامة من أصول ‏الدين.‏

الشيخ عبد السلام: الإمامة عند علمائنا لا تعد من أصول الدين، بل أثبتوا ‏أنها من فروع الدين، وهم فندوا قول الشيعة بالأدلة القطعية، فقولكم: إن ‏الإمامة من أصول الدين كلام بلا دليل.‏

قلت: كثير من علمائكم وافقونا في هذه العقيدة وأثبتوا صحتها، وردوا كلام ‏القائلين بأن الإمامة من فروع الدين.‏

منهم: القاضي البيضاوي، وهو من أشهر مفسريكم، قال في كتابه " منهاج ‏الأصول ": إن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب ‏الكفر والبدعة.‏

ومنهم: العلامة القوشجي، وهو من أشهر الكلاميين عندكم، قال في كتابه " ‏شرح التجريد " في مبحث الإمامة: وهي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ‏خلافة عن النبي (صلى الله عليه وآله).‏

ومنهم: القاضي روزبهان، وهو من علمائكم الذي اشتهر ‏ الصفحة 241


بالتعصب ضد الشيعة قال: الإمامة عند الأشاعرة هي: خلافة الرسول في ‏إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة.‏

ثم إذا كانت الإمامة من فروع الدين لما كان رسول الله (صلى الله عليه ‏وآله) يؤكد على أهميتها بقوله المروي في كتبكم المعتبرة، مثل: " الجمع بين ‏الصحيحين " للحميدي و " شرح العقائد النسفية " لسعد التفتازاني.‏

قال (صلى الله عليه وآله): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة ‏جاهلية.‏

من الواضح أن عدم المعرفة بفرع من فروع الدين لا يوجب التزلزل في ‏أصل الدين حتى يخرج صاحبه من الدنيا بالجاهلية قبل الإسلام. ولذا صرح ‏البيضاوي : بأن مخالفة الإمامة توجب الكفر والبدعة.‏

فالإمامة في معتقدنا، مرتبة عظيمة هامة، نازلة منزلة النبوة، والإمام قائم ‏مقام النبي (صلى الله عليه وآله)، وبهذا يظهر الفرق بين أئمتنا الاثنى عشر ‏من أهل البيت عليهم السلام وبين الأئمة عندكم، فأنتم تطلقون كلمة الإمام ‏على علمائكم، كالإمام الأعظم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام ‏أحمد، والإمام الفخر الرازي، والإمام الغزالي وغيرهم، وهو عندكم كإمام ‏الجمعة والجماعة، والإمام بهذا المعنى يخرج عن الحد والحصر.‏

ولكن الإمام بالمعنى الذي نقوله نحن فهو في كل زمان واحد لا أكثر، وهو ‏أفضل أهل زمانه في جميع الصفات الحميدة، فهو الأعلم والأتقى والأشجع ‏والأورع والمعصوم بفضل الله ولطفه من الخطأ والسهو، فيكون حجة الله ‏في الأرض، ولا تخلو الأرض من حجة لله ‏ الصفحة 242


عز وجل، يعين بالنص، كما وردت نصوص من النبي الأكرم (صلى الله ‏عليه وآله) في إمامة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام، وأمر أمته ‏بطاعتهم والأخذ منهم.‏

والأئمة الاثنا عشر عليهم السلام بعد جدهم خاتم النبيين وسيد الخلق أجمعين ‏يكونون أعلى رتبة وأرفع درجة من جميع الخلق حتى الأنبياء العظام عليهم ‏تحيات وصلوات الملك العلام.‏

الحافظ: الله أكبر! قبل هذا كنت تذم الغلاة وتطردهم من مذهب الشيعة، ‏والآن ثبت أنكم أيضا مغالون في حق أئمتكم إذ تجعلونهم أعلى وأرفع من ‏الأنبياء العظام، والقرآن يصرح بأن مقام النبوة أعلى المراتب التي يمنحها ‏الله سبحانه لأحد من عباده المكرمين، فكلامكم مخالف للقرآن الكريم والعقل ‏السليم.‏

قلت: مهلا... لا تتسرع في ردنا، ولا تعجل في تخطئة كلامنا، ولا تقل بأن ‏كلامنا يخالف القرآن الحكيم، بل لنا دليل على صحة كلامنا واعتقادنا من ‏القرآن الكريم، واعلم بأننا أبناء الدليل، حيثما مال نميل.‏

الحافظ: بينوا دليلكم حتى نعرفه! فإن كلامكم غريب جدا!‏

قلت: إن الله سبحانه بعد أن يذكر امتحان أبي الأنبياء إبراهيم الخليل (ع) ‏وابتلاءه في نفسه وأمواله وولده، وبعد نجاحه وفوزه في كل تلك ‏الامتحانات، أراد الله تعالى أن يمنحه مقاما أعلى من النبوة والرسالة والخلة ‏والعزم، لأنه كان آنذاك نبيا رسولا من أولي العزم، وصاحب الخلة، فرفعه ‏إلى مقام الإمامة وجعله إمام للناس، فقال سبحانه: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه ‏بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك ‏ الصفحة 243


للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(1). فظهر أن ‏الإمامة أعلى مرتبة من النبوة والرسالة والعزم والخلة.‏

الحافظ: فعلى هذا، إن الإمام علي (كرم الله وجهه) يكون مقامه عندكم أعلى ‏من مقام سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأي غلو أعظم من هذا؟!‏

قلت: ليس كذلك! وإنما بين النبوة العامة والنبوة الخاصة فرق كبير، ‏والإمامة أعلى مرتبة من النبوة العامة ودون النبوة الخاصة، والأخيرة هي ‏درجة خاتم الأنبياء وسيد الخلق أجمعين، محمد المصطفى، حبيبنا وحبيب ‏إله العالمين (صلى الله عليه وآله).‏

النواب: أرجو المعذرة من التدخل في البحث، فإني حريص على اكتساب ‏المعلومات وفهم هذه المسائل، ولذا حينما تخطر مسألة في بالي أطرحها ‏فورا لأني أخاف أن أنساها، فسؤالي عن الآية الكريمة التي تقول: {لا ‏نفرق بين أحد منهم}(2) ـ أي: الرسل ـ فالأنبياء كلهم في رتبة واحدة ‏ومقام الجميع عند الله على حد سواء، فكيف قسمتم النبوة إلى قسمين عامة ‏وخاصة؟! أرجو التوضيح.‏

قلت: هذه الآية صحيحة في محلها، أي لا نفرق بين أحد من الرسل بأنهم ‏مبعوثون من عند الله عز وجل إلى الناس، وكلهم يدعون إلى الله سبحانه ‏وحده لا شريك له، وإلى المعاد والقيامة، ويدعون إلى المعروف والحسنات، ‏وينهون عن المنكرات والسيئات.‏


____________


1- سورة البقرة، الآية 124.‏

2- سورة البقرة، الآية 136 وسورة آل عمران، الآية 84.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
علي العاملي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 297
تاريخ التسجيل : 12/04/2011

مُساهمةموضوع: تكملة المجلس الرابع    الخميس يونيو 02, 2011 2:54 pm

مراتب الأنبياء

هل إن النبي المبعوث إلى ألف نفر يساوي مقامه مقام النبي الذي أرسل إلى ‏مائة ألف؟! وهل هذا يساوي مقامه مقام النبي الذي بعثه الله و أرسله إلى ‏الناس كافة؟!‏

وكذلك.. هل إن معلم الدورة الابتدائية يساوي مقامه العلمي مقام أستاذ الكلية ‏أو الجامعة؟! لا..‏

والحال إنه يصح أن نقول لأستاذ الجامعة معلم أيضا، وكلاهما يعملان في ‏وزارة واحدة وهي: وزارة التربية والتعليم ومسؤوليتها أن يأخذا بيد الطلاب ‏ويصعدا بهم سلم العلم والثقافة، ولكن أين هذا من ذاك!‏

وكذلك الأنبياء والرسل متساوون من جهة أنهم مبعوثون ومرسلون من عند ‏الله عز وجل إلى خلقه، لا نفرق بين أحد منهم.. ولكن من حيث العلم ‏والفضل غير متساوين، فقد قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على ‏بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات}(1).‏

قال الزمخشري في الكشاف في تفسيرها: إن المراد من: (ورفع بعضهم ‏درجات) هو نبينا محمد الذي فضله الله على جميع الأنبياء بخصائص كثيرة، ‏أهمها أنه خاتم النبيين.‏

النواب: أشكركم على هذا التوضيح التام، ورفع الشبهة والوهم، وقد بقي ‏عندي سؤال آخر، أستأذنكم واسـتأذن الحاضرين ‏


____________


1- سورة البقرة، الآية 253‏ الصفحة 245


لأطرحه: وهو: أرجوكم أن توضحوا معنى: النبوة الخاصة وميزتها ولو ‏باختصار، والرجاء أن يكون بيانكم على حد فهمنا ومستوانا.‏

قلت: إن ميزات النبوة الخاصة كثيرة والمجلس لم ينعقد لبيان هذا ‏الموضوع، فإذا أدخل هذا البحث ضمن بحوثنا اشغلنا عن مبحث الإمامة ‏الذي هو محور النقاش والحوار. ولكن من باب: " ما لا يدرك كله لا يترك ‏كله " أبين لكم باختصار:‏

النبوة الخاصة

الإنسان الكامل هو صاحب النفس المتكاملة بالتزكية، لقوله تعالى : {قد ‏أفلح من زكاها}(1) وتزكية النفس إنما تحصل عن طريق التعقل، والعقل ‏يدعو إلى العلم والعمل، فهما الجناحان اللذان يحلق بهما الإنسان ويسمو بهما ‏إلى قمة الكمال الممكن.‏

كما روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: " خلق الإنسان ذا نفس ‏ناطقة، إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل ‏مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد وصار موجودا بما هو ‏إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ".‏

فكما أن الطائر يرتفع في الفضاء ويحلق في الجو على قدر قوة جناحيه ‏بالنسبة إلى جثته، كذلك الإنسان يرتفع في سماء المعنوية والكمالات الروحية ‏بمقدار علمه وعمله الصالح المبتني على أساس العقل السليم.‏

فكل إنسان إذا بلغ مرتبة الكمال فقد بلغ مرتبة النبوة، وإذا ‏


____________


1- سورة الشمس، الآية 9.‏ الصفحة 246


اختاره الله سبحانه وبعثه إلى الناس، صار نبيا رسولا.‏

وللنبوة والكمال مراتب، كما هو ثابت في أبحاث النبوة في كتب الكلامية، و ‏أعلى تلك المراتب هي المرتبة التي حين وصل إليها حبيب الله محمد (صلى ‏الله عليه وآله) ختمت به النبوة، وليس فوق الخاتمية مرتبة ممكنة للإنسان، ‏وأعلى منها مرتبة الرب جل جلاله وعم نواله.‏

فمقام خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) فوق جميع المراتب المتصورة ‏والمقررة لممكن الوجود، ودون مرتبة واجب الوجود.‏

ومرتبة الإمام فوق مراتب النبوة ودون مرتبة الخاتمية بدرجة، ولما كان ‏الإمام علي عليه السلام واصلا إلى مرتبة النبوة واتحدت نفسه مع نفس خاتم ‏النبيين (صلى الله عليه وآله) حتى صار كنفس واحدة، منحه الله تعالى مرتبة ‏الإمامة وجعله أفضل من الأنبياء الماضين.‏

وصلنا إلى هنا فارتفع صوت المؤذن يدعو إلى صلاة العشاء وبعد إقامة ‏الصلاة، عاد الجميع إلى المجلس وتناولوا الشاي والحلوى.‏

فقال الحافظ: إنك تصعّب الموضوع أكثر فأكثر، وقبل أن تجيب على ‏الإشكال الأول، نجد في كلامك إشكالا آخر!‏

قلت: الموضوع واضح وسهل، فلا أدري ما هو الصعب في نظركم؟! وما ‏هو الإشكال في كلامي؟! اطرحوه حتى أجيب عنه!!‏

الحافظ: في كلامكم الأخير أجد بعض الكلمات التي لا تخلو من إشكال:‏

1ـ قولكم: إن عليا كرم الله وجهه وصل مرتبة النبوة.‏

2ـ قولكم: إن عليا اتحدت نفسه مع نفس النبي حتى صارا كنفس واحدة.‏ الصفحة 247


3ـ قولكم: إن عليا أفضل من جميع الأنبياء غير خاتم النبيين (صلى الله ‏عليه وآله).‏

فهذه الجمل غريبة جدا، ولا أدري ما هو دليلكم عليها؟!‏

قلت: ربما يكون كلامي غريبا ومشكلا وصعبا بالنسبة لكم!‏

لأنكم لا تريدون أن تتعمقوا في الحقائق ولا تريدون أن تدرسوا القضايا هذه ‏دراسة تحقيق وتفهم.‏

وأما بالنسبة للعلماء المحققين والمنصفين، فإن كلامي ليس بغريب ولا ‏مشكل، بل هو واضح ومقبول.‏

وإليك الجواب عن الإشكالات التي طرحتها.‏

إثبات مرتبة النبوة لعلي عليه السلام:‏

إن الدليل على أن الإمام علي عليه السلام وصل مرتبة النبوة وكان أهلا ‏لهذا المقام العظيم، هو حديث المنزلة المروي عن النبي (صلى الله عليه ‏وآله) في كتبكم المعتبرة أنه قال:‏

" يا علي! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ‏بعدي ".‏

وتارة كان (صلى الله عليه وآله) يخاطب الناس فيقول: " علي مني بمنزلة ‏هارون من موسى " إلى آخره.‏

الحافظ: لا نعلم صحة هذا الحديث، وعلى فرض صحته فهو خبر واحد ولا ‏يعتد به ولا يعتمد عليه.‏

قلت: يظهر أنك قليل الاطلاع حتى على كتبكم والأخبار والأحاديث المروية ‏فيها، أو إنك تتجاهل الحقائق وتتناسى الأحاديث ‏ الصفحة 248


المروية عن طرقكم حتى وصل بعضها حد التواتر، مثل هذا الحديث ‏وأتعجب من قولك: إنه خبر واحد.. فكلامك هذا إما عن سهو أو عناد!‏

إسناد حديث المنزلة

ولكي تعرف ويعرف الحاضرون صحة حديث المنزلة عندنا وعندكم، فإني ‏أذكر بعض أسانيده الحاضرة في ذهني وحافظتي بمقدار ما يسمح لي المقام، ‏حتى يعترف الكل أن هذا الحديث الشريف لم ينقل عن طرق واحد، بل من ‏طرق متعددة، رواه كبار علمائكم ومحدثيكم، وهو من الأحاديث المتواترة:‏

1ـ البخاري في الصحيح / 3 من كتاب المغازي في باب غزوة تبوك، ومن ‏كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي عليه السلام.‏

2ـ مسلم بن الحجاج في صحيحه 2/236/237/ ط. مصر 1290، وفي كتاب ‏فضل الصحابة / باب فضائل علي عليه السلام.‏

3ـ الإمام أحمد بن حنبل في المسند 1/98 و 118 و 119 في وجه تسمية ‏الحسنين عليهما السلام.‏

فبعد ذكر هذه الأسانيد والمدارك المعتبرة من أعلام علمائكم، وهي قليل من ‏كثير، هل أذعنت بصحة حديث المنزلة؟ وهل تعترف بأنك كنت مشتبها في ‏قولك: إنه خبر واحد لا يعتد!‏

الحافظ: لم يثبت التواتر بثلاثة مصادر، بل يحتاج إلى ذكر مصادر أكثر ‏حتى نقول وصل حد التواتر.‏ الصفحة 249


قلت:‏

أولا: كل مصدر من هذه المصادر التي ذكرتها يعادل عندكم بألف.‏

ثانيا: صرح بعض المحققين من علمائكم بتواتر حديث المنزلة، مثل العلامة ‏جلال الدين السيوطي في كتبه: " الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة " ‏و " إزالة الخفاء " و " قرة العينين " ففي هذه الكتب عد حديث المنزلة من ‏الأحاديث المتواترة.‏

وإذا لم يزل في قلبك وتريد أن تطمئن فراجع كتاب: " كفاية الطالب " تأليف ‏محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، وهو من أعلام علمائكم، في الباب ‏السبعين منه، فإنه بعدما يروي الحديث عن عدة طرق يقول: هذا حديث ‏متفق على صحته، رواه الأئمة الأعلام.. إلى آخره.‏

فاكتفى بهذا المقدار، وأظن أن الإبهام ارتفع والحافظ اقتنع.‏

الحافظ: أنا لست بلجوج ولا معاند، ولكن أدعوك إلى مطالعة كلام العالم ‏الفقيه أبي الحسن الآمدي، الذي هو من المتكلمين المتبحرين، فإنه يرد حديث ‏المنزلة ويضعفه.‏

قلت أتعجب منك! إذ أنك عالم وتدعي التحقيق والإنصاف، ثم تعدل عن ‏كبار علمائكم الموثقين بما فيهم أئمة أهل الحديث المجمع على صحة ما ‏رووا كالبخاري ومسلم، ثم تأخذ بقول الآمدي سيئ العقيدة والتارك للصلاة!!‏

الشيخ عبد السلام: الإنسان حر في بيان عقيدته، فلا يجوز لأحد أن يتهم ‏أحدا أظهر عقيدته في شيء يخالف المشهور، ثم يُقَبح من ‏ الصفحة 250


مثلكم أن تتهجموا بسوء الكلام على فقيه، بل يجب أن تردوه بالمنطق ‏والدليل، وخاصة جنابك، حيث تجسد أخلاق أهل البيت رضي الله عنهم.‏

قلت:‏

أولا: إن كنتم تلتزمون بحرية العقيدة، فلماذا ترمون الشيعة بالكفر والشرك ‏وتجوزون قتلهم ونهب أموالهم؟!‏

لذا فهم يخفون عقائدهم الحقة إذا عاشوا في بلادكم وبين أظهركم خشية ‏القتل!‏

أم إنكم تقصدون حرية الآمدي فحسب، وذلك في نصبه العداء ومخالفته ‏لأهل البيت عليهم السلام؟!!‏

ثانيا.. أنا لم أتهجم على الآمدي بسوء الكلام، بل نقلت قول علمائكم الأعلام ‏فيه.‏

الشيخ عبد السلام: أين ذكر علماؤنا الآمدي بسوء العقيدة وترك الصلاة؟!‏

شرح أحوال الآمدي

ذكر ابن حجر في كتاب " لسان الميزان ": السيف الآمدي، المتكلم علي بن ‏أبي علي، صاحب التصانيف، وقد نفي من دمشق لسوء اعتقاده، وصح أنه ‏كان يترك الصلاة!!‏

وذكر الذهبي ـ وهو من أعلامكم ـ في كتاب " ميزان الاعتدال " نفس ‏الترجمة للآمدي وزاد: " أنه كان من المبتدعة ".‏

وإذا نظرتم في حال الآمدي بنظر التحقيق لعرفتم أنه لو لم يكن ‏ الصفحة 251


عديم الأيمان ومبتدعا لما خالف جميع الصحابة حتى عمر بن الخطاب ـ ‏الذي هو أحد رواة حديث المنزلة ـ ولما خالف كل المحدثين الثقات وأعلام ‏الرواة.‏

وأتعجب من أنكم تطعنون في الشيعة، لنهم لا يقبلون بعض الأحاديث ‏المروية في الصحيحين عندكم، وهي عندنا غير صحيحة السند!‏

ولكن الآمدي حينما يرد حديثا أجمع عليه علماء الفريقين، وصححه ورواه ‏جميع أصحاب الصحاح الستة! كيف تقبلون كلامه وتأخذون برأيه؟! وهو ‏واحد خارج عن الإجماع، وعلى الأصل الذي عندكم!‏

ولو لم يكن للآمدي أي عيب ونقص سوى إنه رد حديثا جاء في الصحيحين، ‏وبرده كذب الفاروق وكذب البخاري ومسلم وسائر أصحاب الصحاح، لكفى ‏في طعنه وفسقه عندكم.‏

الحافظ: قلتم إن أحد رواة حديث المنزلة، الخليفة عمر بن الخطاب (رض) ‏فهل يمكن أن تبينوا سندكم على هذا النقل؟

قلت: روى جماعة من علمائكم ومحدثيكم حديث المنزلة عن عمر بن ‏الخطاب، منهم:‏

1ـ نصر بن محمد السمرقندي الحنفي، في كتاب " المجالس ".‏

2ـ محمد بن عبدالرحمن الذهبي في " الرياض النضرة ".‏

3ـ المولى علي المتقي الهندي، في " كنز العمال ".‏

4ـ العلامة ابن الصباغ المالكي، في " الفصول المهمة ".‏

5ـ محب الدين الطبري، في " ذخائر العقبى ".‏

6ـ الشيخ سليمان الحنفي، في " ينابيع المودة ".‏ الصفحة 252


7ـ موفق بن أحمد الخوارزمي، في " المناقب ".‏

هؤلاء كلهم رووا عن ابن عباس حبر الأمة ـ واللفظ للأخير ـ بسنده ‏المتصل ـ بحذف سلسلة السند للاختصار ـ قال:‏

حدثني أمير المؤمنين الرشيد، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عباس، ‏قال: سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام..‏

فقال عمر: أما علي فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول فيه ثلاث ‏خصال وددت لو أن لي واحدة منهم، كان أحب إلي مما طلعت عليه ‏الشمس.‏

كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي (صلى ‏الله عليه وآله) بيده على منكب علي فقال: يا علي! أنت أول المؤمنين إيمانا، ‏وأول المسلمين إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى.‏

أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عمر مع تغيير يسير في اللفظ.‏

وأخرجه المتقي الهندي الحنفي في كنز العمال: 6/ 395 وفيه زيادة لم تكن ‏في غيره، وهذا نصه:‏

مسند عمر، عن ابن عباس [ قال] قال عمر بن الخطاب: كفوا عن ذكر علي ‏بن أبي طالب! فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في علي ‏ثلاث خصال، لئن يكون لي واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس:‏

كنت أنا وأبو بكر وأبوعبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله (صلى ‏الله عليه وآله) والنبي متكئ على علي بن ‏ الصفحة 253


أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: أنت يا علي أول المؤمنين ‏إيمانا، وأولهم إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكذب من زعم ‏أنه يحبني ويبغضك.‏

وأخرجه الإسكافي في كتابه " نقض الرسالة العثمانية " للجاحظ: ص 21/ط ‏مصر وفيه زيادات نافعة، فليراجع.‏

وبعد هذا هل يجوز في مذهبكم الرد على الخليفة عمر وهو الفاروق ‏عندكم؟! وإذا لا يجوز ذلك فكيف تأخذون بقول الآمدي المعلوم الحال؟!‏

حكم الخبر الواحد عند العامة

وبقيت جملة أخرى من كلامكم، لابد لي من جوابها، زعمتم: أن حديث ‏المنزلة خبر واحد، ثم قلتم: إن الخبر الواحد لا اعتبار به ولا اعتماد عليه.‏

أقول إذا يصدر هذا الكلام من أحد الشيعة فإنه يقبل منه، لأنه على الأصل ‏والمبنى المقبول عندنا.‏

ولكن صدور هذا الكلام من مثلكم يثير التعجب والتساؤل، لأن في مذهبكم ‏خبر الواحد مقبول وحجيته ثابتة، حتى أن بعض علمائكم حكم بتكفير وفسق ‏المنكر له، فقد قال ملك العلماء شهاب الدين في كتابه " هداية السعداء " في ‏فصل المضمرات من كتب الشهادات.‏

ومن أنكر الخبر الواحد والقياس، وقال: إنه ليس بحجة، فإنه يصير كافرا! ‏ولو قال: هذا الخبر الواحد غير صحيح، وهذا القياس غير ثابت، لا يصير ‏كافرا ولكن يصير فاسقا!‏ الصفحة 254


الحافظ: لقد سررت جدا من حسن بيانكم وسعة اطلاعكم عن كتبنا، وقد ‏وجدتكم على خلاف ما كنت أسمع من قبل بأن علماء الشيعة لا يلمسون ‏كتبنا ويعتقدون بنجاستها، فكيف بمطالعتها؟!‏

قلت: هذه أقاويل وأباطيل أعداء الإسلام، فانهم يريدون أن يفرقوا بين ‏المسلمين، وفي المثل: " يعكروا الماء ليصطادوا سمكا "، وهو من باب " ‏فرق تسد ".‏

يريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم علينا، ولكنا يجب أن نكون واعين في هذه ‏الأمور ويجب أن نعرف خطط أعدائنا المستعمرين فنبينها لعامة الناس حتى ‏لا يقعوا في شباكهم، ويتبصروا في تشخيص مصالحهم ومضارهم، فيخبوا ‏آمال الأعداء بمخالفتهم.‏

يجب أن نوجه أتباعنا المسلمين إلى مفاهيم القرآن الكريم حيث يقول: {إن ‏جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ‏نادمين}(1).‏

على أثر غفلتنا عن القرآن، وابتعادنا عن تعاليمه الحقة، يتمكن عدو ‏المسلمين أن يتصرف في أفكارنا، فنصدق أكاذيبه ونعتقد بأباطيله! منها ما ‏كنت تسمعه، كما قلت: بأن علماء الشيعة لا يلمسون كتبكم... إلى آخره.‏

نحن نأخذ كتب المرتدين والكفار والمشركين بكلتي يديدنا ونطالعها حتى ‏نعرف ما يقولون، فنأخذ صحيحها ونطرح سقيمها، ونرد شبهاتها الموجهة ‏إلينا، فكيف بكتبكم وأنتم إخواننا في الدين؟!‏

فاعلموا.. أننا على خلاف ما قيل لكم، بل نحترم كتبكم ‏


____________


1- سورة الحجرات، الآية 6.‏ الصفحة 255


ونطالعها بدقة وإمعان، ونستفيد من أقوال علمائكم وأقوال محققيكم، ونستفيد ‏من الأحاديث والروايات الصحيحة المروية في مسانيدكم وصحاحكم، وإن ‏كثيرا من الكتب التي تدرس في حوزاتنا العلمية تكون من تأليف وتصنيف ‏علمائكم.‏

منتهى الأمر بعض رواتكم المقبولين عندكم، غير موثقين ولا معتبرين ‏عندنا، مثل: أنس وأبي هريرة وسمرة وغيرهم، وهذا لا يخصنا الآن، فإن ‏بعض علمائكم أيضا لا يقبلونهم، منهم: أبو حنيفة، فإنه لا يقبل هؤلاء الثلاثة ‏ونظراءهم!‏

وكتبكم عندنا معتبرة ونستفيد منها، وأنا شخصا أكثر مطالعاتي حول النبي ‏‏(صلى الله عليه وآله) وسيرته المباركة وتاريخ الأئمة من آله صلوات الله ‏عليهم تكون من كتبكم، وأستند إليها في خطبي ومحاضراتي، وأنقل منها ‏أكثر مما أنقل من كتبنا.‏

وإن مكتبتي الخاصة تحتوي على أكثر من مائتي مجلد مطبوع ومخطوط ‏من كتبكم المشهورة في التفسير والتاريخ والفقه والحديث والكلام والرجال ‏و....‏

ولكنا نطالع كتبكم مطالعة تحقيق وتمحيص فكما أن النقاد والصرافين ‏يميزون بين الدراهم والدنانير، والصحيحة من المغشوشة، فكذلك نحن حينما ‏نطالع أي كتاب لا نحسب محتوياته ومضامينه من المسلمات، بل نتفكر فيها ‏ونميز بين الأحاديث والروايات والمواضيع، فنأخذ الصحيحة ونترك ‏السقيمة، ولا تؤثر فينا شبهات وتشكيكات الفخر الرازي، ولا مغالطات ابن ‏حجر، أو إشكالات روزبهان، او تكذيبات الآمدي وأمثالهم.‏ الصفحة 256


واعلم أن مطالعتي لكتبكم، والنظر في الأحاديث المروية والمقبولة عندكم، ‏كانت السبب في معرفتي لأئمة أهل البيت (ع) أكثر، ويقيني بعلو مقامهم ‏وعظم شأنهم.‏

الحافظ: لقد ابتعدنا عن موضوع البحث، فالرجاء بينوا وجه الاستدلال ‏بحديث المنزلة، على أن عليا كرم الله وجهه كان في رتبة النبوة؟!‏

قلت: يثبت بهذا الحديث الشريف ثلاث خصائص للإمام علي (عليه السلام)‏:‏

1ـ مقام النبوة بأنه لو كان نبي بعده لكان عليا ولكنه (صلى الله عليه وآله) ‏خاتم النبيين.‏

2ـ مقام وزارة النبي (صلى الله عليه وآله) وخلافته.‏

3ـ أفضلية الإمام علي (عليه السلام) على جميع الصحابة.‏

ودليل ذلك... أن النبي (صلى الله عليه وآله) جعل الإمام عليا (ع) منه ‏بمنزلة هارون من موسى، وكان هارون نبيا، وكان وزير موسى وخليفته ‏في قومه، وكان أفضل بني إسرائيل بعد أخيه موسى.‏

النواب: هل كان هارون نبيا؟!‏

قلت: نعم.‏

النواب: عجبا! إني ما سمعت بهذا من قبل! فهل ذكر الله نبوته في القرآن ‏الحكيم؟!‏

قلت: نعم، في سورة النساء، الآية 163، قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما ‏أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ‏والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا).‏ الصفحة 257


وفي سورة مريم، الآية 53 قوله تعالى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون ‏نبيا).‏

الحافظ: إذا على هذا فمحمد وعلي كلاهما نبيان مبعوثان من عند الله إلى ‏الخلق!‏

قلت: أنا لا أقول هكذا، وأنت تعلم أن عدد الأنبياء كثير جدا، وهو محل ‏اختلاف بين العلماء، حتى قال بعضهم: إن عددهم مائة وعشرون ألفا أو ‏اكثر، لكن كان أكثرهم يتبعون الأنبياء أولي العزم من الرسل وهم: نوح ‏وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم سيدنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه ‏عليهم أجمعين، وهارون كان نبيا غير مستقل وإنما كان تابعا لأخيه موسى ‏ويعمل على شريعة أخيه.‏

كذلك الإمام علي عليه السلام، كان تاليا لرتبة أخيه وابن عمه رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله) واصلا مقام النبوة ولكن غير مستقل بالأمر، بل كان ‏تابعا لشريعة سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله).‏

وكان غرض النبي (صلى الله عليه وآله) من هذا الحديث الشريف أن يعرّف ‏عليا عليه السلام لأمته في هذا المقام، ويثبت له تلك الرتبة الرفيعة والدرجة ‏العلية، وهذه خصيصة عالية من خصائص الإمام علي عليه السلام.‏

وذكر ابن الحديد في " شرح نهج البلاغة " حديث المنزلة وعلّق عليه قائلا:‏

ويدل على أنه وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نص الكتاب ‏والسنة، قول الله تعالى: {اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * ‏أشدد به أزري * و أشركه في أمري}(1).‏


____________


1- سورة طه، الآية 29 ـ 32.‏ الصفحة 258


وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في الخبر المجمع على روايته بين سائر ‏فرق الإسلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".‏

فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى.‏

فإذا هو وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشاد أزره، ولولا أنه خاتم ‏النبيين لكان شريكا في أمره(1).‏

وذكر العلامة محمد بن طلحة الشافعي حديث المنزلة عن النبي (صلى الله ‏عليه وآله) في كتابه مطالب السؤول: 1/ 54 ط دار الكتاب، وعلق عليه ‏فقال: فتلخيص منزلة هارون من موسى أنه كان أخاه ووزيره، وعضده، ‏وشريكه في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله) عليا منه بهذه المنزلة، وأثبتها له، إلا النبوة، فإنه ‏‏(صلى الله عليه وآله) استثناها في آخر الحديث بقوله: " لا نبي بعدي " فبقي ‏ما عدا النبوة المستثناة ثابتا لعلي عليه السلام من كونه أخاه ووزيره وعضده ‏وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك.‏

وهذه من المعارج الشراف ومدارج الإزلاف، فقد دل الحديث بمنطوقه ‏ومفهومه على ثبوت هذه المزية العلية لعلي عليه السلام، وهو حديث متفق ‏على صحته.‏

انتهى كلامه.‏

وذكر مثل هذا الكلام العلامة ابن الصباغ المالكي في كتابه " الفصول ‏المهمة " وكذلك كثير من علمائكم الكبار وقد ذكروا الحديث وعلقوا عليه ‏تعليقات مفيدة، ولكن الوقت لا يسمح أن أذكر لكم كل مقالات علمائكم ‏وتعليقاتهم المؤيدة لكلامنا حول حديث المنزلة.‏


____________


1- شرح نهج البلاغة: 13 / 211/ ط دار إحياء الكتب العربية.‏ الصفحة 259


الحافظ: ولكني أظن أن الاستثناء في الحديث ينفي مرتبة نبوة علي كرم الله ‏وجهه، وإن قولكم: إن سيدنا محمدا (صلى الله عليه وآله) لو لم يكن خاتم ‏النبيين وكان الله يبعث بعده نبيا لكان ذلك علي بن أبى طالب! من غلوكم ‏ولم يقل به قائل.‏

قلت: إن الحق واضح، ولكنك يا للأسف تتبع أسلافك في إنكار الحق بعد ‏ظهوره، نعوذ بالله من التعصب والعناد!‏

ثم اعلم أن هذا القول لا يكون من الشيعة فحسب حتى ترمينا بالغلو ، وإنما ‏كثير من علمائكم ذهب هذا المذهب أيضا.‏

الحافظ: لا أعرف أحد من علمائنا ذهب هذا المذهب، وان كنتم تعرفون أحدا ‏فاذكروا اسمه!‏

قلت: أحد علمائكم الذي أخذ بهذا القول هو: ملا علي بن سلطان محمد ‏الهروي القاري، صاحب التصانيف والتآليف الكثيرة.‏

قال في كتابه " المرقاة في شرح المشكاة " عند ذكره حديث المنزلة قال: ‏وفيه إيماء إلى انه لو كان بعده (صلى الله عليه وآله) نبيا لكان عليا.‏

ومنهم: العلامة الشهير والعالم النحرير جلال الدين السيوطي، في آخر كتابه ‏‏" بغية الوعاظ في طبقات الحفاظ " ذكر مسندا عن جابر بن عبد الله ‏الأنصاري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي بن أبي طالب ‏عليه السلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا ‏نبي بعدي ولو كان لكنتَه.‏

ومنهم: المير سيد علي الهمداني، الفقيه الشافعي، ذكر في الحديث الثاني من ‏المودة السادسة في كتابه " مودة القربى " عن أنس بن ‏ الصفحة 260


مالك، أنه روى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله اصطفاني ‏على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيا ، واخترت ابن عمي وصيي، يشد ‏عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي، ووزيري، ولو ‏كان بعدي نبيا لكان علي نبيا، ولكن لا نبوة بعدي.‏

فثبت أن الشيعة لا تنفرد بهذا المقال، بل هناك كثير من علمائكم قالوا به ‏أيضا.‏

بل قال به النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا كما يظهر من الأخبار المروية ‏في كتبكم ، وقد مرت.‏

فحديث المنزلة يضمن جميع مراتب هارون بالنسبة لموسى لعلي بن أبي ‏طالب بالنسبة لمحمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) إلا النبوة بعده (صلى ‏الله عليه وآله) التي استثناها فقال (صلى الله عليه وآله): " إلا أنه لا نبوة ‏بعدي ".‏

وأجلى المراتب الثابتة لهارون هي خلافته لقوله تعالى: {وقال موسى ‏لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}(1) ومنها ‏تثبت خلافة علي عليه السلام بعد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله).‏

الحافظ: لقد ذكرت الآيات القرآنية أن هارون شريك موسى في أمر النبوة، ‏فكيف جعلوه خليفة له؟! والحال أن مرتبة الشريك أعلى من مرتبة الخليفة، ‏فإذا جعلوا الشريك خليفة فقد أنزلوا من مقامه، لأن مقام النبوة أعلى من مقام ‏الخلافة.‏

قلت: لو تدبرت في حديثنا السابق وفهمته، ما طرحت هذا الأشكال ! فقد بينا ‏أن نبوة موسى هي الأصل ونبوة هارون تابعة لنبوة أخيه، كما يقال: إن ‏فلانا عضو على البدل، فكأنه خليفته.‏


____________


1- سورة الأعراف، الآية 142.‏ الصفحة 261


ثم إن هارون كان شريك أخيه في تبليغ الرسالة السماوية، هذا ما يظهر من ‏الآيات التي تحكي كلام موسى ودعاءه في قوله تعالى: {قال رب اشرح ‏لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * ‏واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * واشركه في ‏أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا}(1).‏

ولكن علي بن أبي طالب هو الرجل الوحيد الذي كان شريكا لرسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله) في جميع صفاته الخاصة ومراحل الكمال إلا النبوة ‏الخاصة.‏

الحافظ: ما زلنا نزداد تعجبا وحيرة منكم، لأنكم تغالون في علي كرم الله ‏وجهه غلوا يأباه العقل السليم! أليس قولكم هذا إن عليا كان يشارك النبي ‏‏(صلى الله عليه وآله) في جميع صفاته الخاصة مغالاة صريحة في حق علي ‏كرم الله وجهه؟!‏

قلت: إن كلامي هذا ليس غلوا ولا يأباه العقل، بل هو الحق الصريح ويحكم ‏به العقل السليم الصحيح، فإن خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) يجب أن ‏يكون ـ على القاعدة العقلية ـ مثله في جميع صفاته الكمالية حتى يصح أن ‏يكون بديله وقائما مقامه وممثله.‏

لذلك، فإن كثير من علمائكم الكبار ذهبوا مذهبنا وقالوا مقالنا.‏


____________


1- سورة طه، الآية 25 - ـ34.‏ الصفحة 262


منهم: الإمام الثعلبي في تفسيره، والعالم الفاضل السيد أحمد شهاب الدين في ‏كتاب " توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل " قال: ولا يخفى أن مولانا ‏أمير المؤمنين قد شابه النبي في كثير، بل أكثر الخصال الرضية والفعال ‏الزكية وعاداته وعباداته وأحواله العلية، وقد صح ذلك له بالأخبار الصحيحة ‏والآثار الصريحة ، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان، ولا يفتقر إلى ‏إيضاح حجة وبيان، وقد عد بعض العلماء بعض الخصال لأمير المؤمنين ‏علي التي هو فيها نظير سيدنا النبي الأمي، فهو نظيره في النسب، ونظيره ‏في الطهارة بدليل قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ‏البيت ويطهركم تطهيرا}(1).‏

ونظيره في آية ولي الأمة، بدليل قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ‏آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(2).‏

ونظيره في الأداء والتبليغ، بدليل الوحي الوارد عليه يوم إعطاء سورة براءة ‏لغيره، فنزل جبرئيل قال: لا يؤديها إلا أنت أو من هو منك، فاستعادها منه ‏فأداها علي رضي الله تعالى عنه في الموسم.‏

ونظيره في كونه مولى الأمة بدليل قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنت ‏مولاه فهذا علي مولاه ".‏

ونظيره في مماثلة نفسيهما، وأن نفسه قامت مقام نفسه (صلى الله عليه ‏وآله)، والله تعالى أجرى نفس علي مجرى نفس النبي (صلى الله عليه وآله) ‏فقال: {فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ‏وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ‏


____________


1- سورة الاحزاب، الآية 33.‏

2- سورة المائدة، الآية 55.‏ الصفحة 263


وأنفسنا وأنفسكم}(1).‏

ونظيره في فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏وجواز دخوله المسجد جنبا كحال رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ‏السواء.‏

لما وصل الحديث إلى هذا الموضوع، وإذا بهمهمة قامت بين الحاضرين من ‏أهل السنة والجماعة. فسألت عن سبب ذلك، فأجاب النواب قائلا:‏

في خطبة يوم الجمعة في المسجد، نسب الحافظ هذه الفضيلة لسيدنا أبي بكر ‏‏(رض)، والآن جنابكم تنسبوه للإمام علي رضي الله عنه، لذلك تحير ‏الحاضرون من هذا التناقض!‏

قلت ـ مخاطبا للحافظ ـ: أ صحيح أنك نسبت هذه الفضيلة للخليفة أبي ‏بكر؟!‏

الحافظ: نعم.. لقد ورد عن الصحابي الجليل والثقة العدل أبي هريرة ‏‏(رض): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بسد أبواب بيوت ‏الأصحاب التي تنفتح في المسجد إلا باب بيت أبي بكر (رض) وقال (صلى ‏الله عليه وآله): أبو بكر مني وأنا منه.‏

قلت: لا يخفي على كل من طالع التاريخ بدقة وتحقيق، أن بني أمية سعوا ‏في خلق الفضائل والمناقب للصحابة الذين كانوا مناوئين لعلي بن أبي طالب ‏‏(ع)، ولا سيما المناقب التي تعد من خصائص أمير المؤمنين علي (عليه ‏السلام) فنسبوها للآخرين.‏

فكان معاوية يدعو أبا هريرة والمغيرة وعمرو بن العاص ‏


____________


1- سورة آل عمران، الآية 61.‏ الصفحة 264


ونظراءهم، فيشبع بطونهم بألوان الطعام، ويغريهم بالأموال والحطام، ‏ويأمرهم بنقل الروايات المجعولة والأخبار المعلولة لأهل الشام، وكان ‏المناوئون البكريون والعمريون والعثمانيون ينشرون تلك الأكاذيب بين ‏الأنام.‏

ولكن ظهر أمام هؤلاء المفترين الوضاعين، جماعة من علمائكم المحققين، ‏وفضحوا بعض تلك الأخبار المجعولة وكشفوا الستار عنها.‏

منهم: العلامة الكبير والعالم النحرير، ابن أبي الحديد، قال : فلما رأت ‏البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه ‏الأحاديث، نحو: " لو كنت متخذا خليلا " فإنهم وضعوه في مقابلة حديث ‏الإخاء، ونحو " سد الأبواب " فإنه كان لعلي (عليه السلام) فقلبته البكرية إلى ‏أبي بكر...(1).‏

والعجب منك أيها الحافظ إذ تنقل هذا الخبر المجعول لأصحابك وتترك ‏الخبر الصحيح المتواتر والمجمع عليه، وقد أثبته كبار علمائكم وأصحاب ‏الصحاح كلهم رووا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بسد جميع ‏الأبواب التي كانت تنفتح على مسجده إلا باب بيته وباب بيت الإمام علي ‏‏(عليه السلام)‏.‏

النواب: لقد صار هذا الخبر موضع اختلاف، فالحافظ يقول: إنه من مناقب ‏أبي بكر (رض)، وأنتم تقولون: إنه من فضائل سيدنا علي كرم الله وجهه ‏ومن خصائصه دون الصحابة، فهل عندكم مدارك وأسناد معتبرة عندنا أي: ‏تكون المشهورة؟!‏

قلت: نعم.‏

____________


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11/49 ط دار إحياء التراث العربي.‏ الصفحة 265


روى الإمام أحمد في مسنده 1/175 و 2/26 و 4/369.‏

والنسائي في سننه، وأيضا في خصائصه: 13 و14.‏

والحاكم في المستدرك 3/117 و 125.‏

وسبط ابن الجوزي في التذكرة 24 و 25.‏

وابن الأثير الجزري في أسنى المطالب 12.‏

وابن حجر في الصواعق المحرقة 76.‏

وابن حجر العسقلاني في فتح الباري 7/205.‏

وابن كثير في تاريخه 7/342.‏

والمتقي الهندي في كنز العمال 6/408.‏

والهيثمي في مجمع الزائد 9/115.‏

ومحب الدين الطبري في الرياض 2/192.‏

والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 4/153.‏

والسيوطي في تاريخ الخلفاء 116، وفي بعض كتبه الأخرى.‏

مثل: جمع الجوامع والخصائص الكبرى واللآلي المصنوعة ج 1.‏

ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب.‏

والحمويني في فرائد السمطين.‏

وابن المغازلي في المناقب.‏

والمناوي في كنوز الدقايق.‏

وشهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري 6/81.‏

والقندوزي في ينابيع، أفراد الباب 17 لهذا الحديث.‏

والحلبي في السيرة الحلبية 3/374.‏ الصفحة 266


ومحمد بن طلحة في مطالب السؤول 17.‏

هؤلاء وغيرهم من كبار علمائكم ومحدثيكم رووا عن كبار الصحابة ‏المعتبرين عندكم، كالخليفة الثاني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ‏وزيد بن أرقم، وبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وأبي حازم، ‏والأشجعي، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وغيرهم، ‏قالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بسد جميع الأبواب التي كانت ‏تفتح من بيوت الصحابة في المسجد إلا باب بيت علي بن أبي طالب (ع).‏

وبين بعض علمائكم المحققين توضيحات كاملة وكافية لتوجيه وهداية ‏المغتربين والمغررين بالدعايات الأموية فضلوا عن الحق وعن الصراط ‏المستقيم.‏

لقد خصص العلامة محمد بن يوسف الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " ‏بابا، وهو الخمسون خصصه في هذا الموضوع، وبعد أن يروي الأخبار ‏وينقل الروايات المعتبرة والمقبولة بسنده يقول: هذا حديث حسن عال.‏

ثم يقول: وإنما أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، بسد الأبواب وذلك لأن ‏أبواب مساكنهم كانت شارعة إلى المسجد فنهى الله تعالى عن دخول ‏المساجد مع وجود الحيض والجنابة، فعم النبي (صلى الله عليه وآله) بالنهي ‏عن الدخول في المسجد والمكث فيه للجنب والحائض وخص عليا بالإباحة ‏في هذا الموضع.‏

وما ذاك دليل على إباحته المكروه له، وإنما خص بذلك لعلم المصطفى ‏‏(صلى الله عليه وآله) بأنه يتحرى من النجاسة هو وزوجته فاطمة وأولاده ‏ الصفحة 267


صلوات الله عليهم، وقد نطق القرآن بتطهيرهم في قوله عز وجل: {إنما ‏يريد ليذهب أهل ويطهركم تطهيرا}(1) إلى آخره ما رواه وعلقه العلامة ‏الكنجي.‏

فمع هذا التوضيح من العلامة الكنجي الشافعي فليقايس جناب الحافظ مع ‏الخبر الذي نقله إلى المصلين في يوم الجمعة عن أبي هريرة، ثم لينظر هل ‏يكون عنده دليل على طهارة أبو بكر؟! مع غض النظر عن كل الاسناد ‏والمدارك التي ذكرتها في تأييد الخبر وصحته في الإمام علي بن أبي طالب ‏‏(ع) لا غيره.‏

فلينظر الحافظ هل يكون عنده دليل طهارة أبي بكر حتى يسمح له فتح بابه ‏في المسجد وتردده فيه؟!‏

فلما لم يدع أحد من المسلمين طهارة أبي بكر، لم يكن خبر فتح بابه على ‏المسجد صحيحا، بل هو كذب افتراه الجعالون، وقد تذكرت الآن حديثا ‏بالمناسبة، رواه كبار علمائكم عن الخليفة عمر بن الخطاب.‏

ورواه الحاكم في المستدرك 3/125، والحافظ سليمان القندوزي في " ينابيع ‏المودة " باب 56 ص 210، نقلا عن " ذخائر العقبي " ومسند الإمام أحمد، ‏ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب: 261، وابن حجر في الصواعق ‏المحرقة: 76، وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، وغير هؤلاء، كلهم ‏رووا ـ باختلاف يسير في الألفاظ ـ أن عمر بن الخطاب قال:‏

" لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منها أحب ‏إلي من خمر النعم:‏

زوجه النبي (صلى الله عليه وآله) بنته.‏


____________


1- سورة الأحزاب، الآية 33.‏ الصفحة 268


وسد الأبواب إلا بابه، وسكناه المسجد مع رسول الله، يحل له فيه ما يحل ‏له.‏

وأعطاه الراية يوم خيبر ".‏

فاكتفي بهذا المقدار في هذا الإطار، وأظن أن الحق قد انكشف والسحاب قد ‏انقشع، وظهر الواقع لحضرة النواب وجناب الحافظ وجميع الحاضرين.‏

والآن نرجع إلى محور حديثنا من قبل، وهو كلام السيد شهاب الدين ، حول ‏الإمام علي (عليه السلام)‏:‏

فبعد مقايسته لبعض خصال الإمام علي (عليه السلام) المشابهة لخصال ‏النبي (صلى الله عليه وآله)، يقول في آخر حديثه: ومن تتبع أحواله في ‏الفضائل المخصوصة، وتفحص أحواله الشمائل المنصوصة، يعلم أنه كرم ‏الله تعالى وجهه بلغ الغاية في اقتفاء آثار سيدنا المصطفى، وأتى النهاية في ‏اقتباس أنواره حيث لم يجد فيه غيره مقتضى.‏

هذا نموذج من مقالات واعترافات كبار علمائكم في حق الإمام علي (عليه ‏السلام) ومقاماته العالية وفضائله السامية، نقلتها لكم حتى تعرفوا، أني لم ‏أغال في حق الإمام علي (عليه السلام)‏، ولم أدع شيئا بغير مستند في حقه.‏

بل كل ما أقوله إنما هو عن دليل وبرهان، وتدقيق وإتقان.‏

وعلماء الشيعة كلهم كذلك، كل ما نقلوه من فضائل الإمام علي عليه السلام ‏ومناقبه إنما هي مستندة إلى كتب كبار علمائكم ومحققيكم.‏

ولكن من دواعي الأسف أن بعض علمائكم، وخاصة في زماننا، إذا واجهوا ‏عوام الناس والجهلاء من أتباعهم، ينكرون تلك ‏ الصفحة 269


الفضائل والمناقب المروية في الكتب المعتبرة عندهم في حق الإمام علي ‏عليه السلام، بل يكذب بعضهم بكل صلافة الشيعة وغيرهم إذا نقلوا تلك ‏الأخبار والروايات المعتبرة.‏

وحاصل الكلام، فقد ثبت أن علي بن أبي طالب هو نظير رسول الله (صلى ‏الله عليه وآله) وشريكه، كما كان هارون بالنسبة لموسى بن عمران (ع) ‏ولما وجد موسى أخاه هارون أولى وأفضل من جميع بني إسرائيل، وهو ‏اللائق بهذا المقام، سأل ربه عز وجل فيه وقال: {واجعل لي وزيرا من ‏أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * واشركه في أمري....} (1).‏

وكذلك محمد المصطفى، خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لما وجد أخاه ‏علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل أمته، وأرجحهم علما وعقلا، فهو ‏أليقهم بأمر الخلافة، وأولاهم بمقام الإمامة، سأل ربه سبحانه وتعالى فيه ما ‏سأله النبي موسى (ع) في حق أخيه.‏

النواب: هل وردت روايات في هذا الباب؟

قلت: أما الشيعة فقد أجمعوا على هذا الموضوع من غير إنكار، وأما ‏علماؤكم فقد نقلوا أيضا في كتبهم المعتبرة روايات صحيحة وأحاديث ‏صريحة في ذلك ، منهم:‏

ابن المغازلي الفقيه الشافعي، في " مناقبه ".‏

وجلال الدين السيوطي، في تفسيره " الدر المنثور ".‏

والإمام الثعلبي، في تفسيره " كشف البيان ".‏

وسبط ابن الجوزي، في كتابه " تذكرة الخواص " في ذيل آية ‏


____________


1- سورة طه، الآيات 29ـ 32.‏ الصفحة 270


الولاية، وروى في صفحة 14، عن أبي ذر الغفاري وأسماء بنت عميس ـ ‏إحدى زوجات أبي بكر، قالا:‏

صلينا يوما الظهر في المسجد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا ‏برجل قام يسأل الناس شيئا فما أعطاه أحد، وكان علي عليه السلام في ‏الركوع فأشار إليه بإصبعه ، فأخرج السائل خاتمه من إصبعه، فرأى النبي ‏‏(صلى الله عليه وآله) ذلك، فنظر نحو السماء وقال: اللهم إن أخي موسى ‏سألك فقال: (قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة ‏من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * ‏أشدد به أزري * واشركه في أمري) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: (سنشد ‏عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما).‏

اللهم وأنا محمد صفيك ونبيك، فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل ‏لي وزيرا من أهلي، عليا اشدد به أزري.‏

فوالله ما انتهى النبي (صلى الله عليه وآله) من الدعاء، إلا ونزل جبرئيل ‏بالآية الكريمة: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ‏ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(1).‏

والعلامة محمد بن طلحة نقل هذا الخبر مع اختلاف يسير في الألفاظ ، في ‏كتابه " مطالب السؤول 19 ".‏

وهناك خبر آخر، نقله الحافظ أبو نعيم في " منقبة المطهرين " والشيخ علي ‏الجعفري في " كنز البراهين " والإمام أحمد بن حنبل في " المسند " والسيد ‏شهاب الدين في " توضيح الدلائل " والسيوطي في " الدر المنثور " وآخرون ‏من كبار علمائكم، لا يسع الوقت لذكر أسمائهم ‏


____________


1- سورة المائدة، الآية 55.‏ الصفحة 271


لكثرتهم، فقد ذكروا في كتبهم بطرق مختلفة عن : أسماء بنت عميس ‏وغيرها من الصحابة، ورووا عن ابن عباس ـ حبر الأمة ـ أنه قال:‏

أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيدي وبيد علي بن أبي طالب، فصلى ‏أربع ركعات ، ثم رفع يده نحو السماء وقال: اللهم سألك موسى بن عمران، ‏وأنا محمد أسألك: أن تشرح لي صدري، وتيسر لي أمري، وتحلل عقدة من ‏لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا، أشدد به أزري، ‏وأشركه في أمري.‏

فقال ابن عباس: سمعت صوتا يقول: يا أحمد! قد أوتيت ما سألت.‏

وقال ابن عباس: فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيد علي ورفعها نحو ‏السماء، وقال: يا علي! ارفع يدك واسأل ربك ليعطيك شيئا.‏

فرفع علي يده وقال: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي عندك ودا.‏

فنزل جبرئيل بالآية الكريمة: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل ‏لهم الرحمن ودا}(1).‏

فتعجب الأصحاب من هذا الموضوع، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): مما ‏تعجبون؟! إن القرآن أربعة أرباع، فربع فينا أهل البيت خاصة، وربع ‏حلال، وربع حرام، وربع فرائض وأحكام، والله أنزل في علي عليه السلام ‏كرائم القرآن.‏


____________


1- سورة مريم الآية 96.‏ الصفحة 272


الشيخ عبد السلام: على فرض صحة كلامكم، فإن حديث المنزلة لا يخص ‏علي بن أبي طالب، بل ورد في حق الشيخين أبي بكر وعمر (رض).‏

فقد روى قزعة بن سويد، عن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله): أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.‏

قلت: لو كنتم تعرفون رأي علمائكم في رواة هذا الحديث لما تمسكتم به!‏

فإن قزعة كالآمدي، كذاب جعال، وإن كبار علمائكم الرجاليين، ردوا عليه ‏وقالوا، إن رواياته غير مقبولة.‏

منهم: العلامة الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال " قال في ترجمة قزعة بن ‏سويد: نقل هذا الحديث ـ منزلة الشيخين ـ عمار بن هارون وأنكره فقال : ‏هذا كذب.‏

لذا فنحن نتعجب منكم إذ تتركون الحديث المجمع عليه، والمروي في كتب ‏الفريقين، وهو مؤيد بأحاديث صحيحة أخرى، وتتمسكون بحديث ضعيف، ‏مردود عند الفرقين، وغير مقبول عند كبار علمائكم الأعلام!!‏

ولما وصلنا إلى هنا نظر بعض الحضور إلى الساعة وقالوا: لقد طال بنا ‏الحديث، ومضى من الليل نصفه، فلنترك الحوار حول الموضوع إلى الليلة ‏القابلة.‏

فوافق جميع الحاضرين، وتوادعوا، وذهبوا إلى بيوتهم.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابو الحسن المالكي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 1168
تاريخ التسجيل : 27/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: المجلس الرابع - كتاب ليالي بيشار مدمر عقيدة السلفيين    الخميس يونيو 02, 2011 9:54 pm

اثبتنا لك ان صاحب الكتاب كذاب والدليل السؤال اللذي هربت منه هنا

http://chiitetebessa.bbactif.com/t2420-topic
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المجلس الرابع - كتاب ليالي بيشار مدمر عقيدة السلفيين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شيعة تبسة :: قسم الواحة الاسلامية السمحة :: منتدى الحوار العقائدي-
انتقل الى: