منتدى يلم شمل شيعة تبسة الجزائرية
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ان الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا
السبت مايو 09, 2015 1:53 pm من طرف أبن العرب

» التوحيد واقسامه
الجمعة مايو 01, 2015 1:29 pm من طرف أبن العرب

» قولوا لا إله إلا الله تفلحوا
الجمعة مايو 01, 2015 1:08 pm من طرف أبن العرب

» برنامج الأذان الشيعي للكمبيوتر -رائع-
الجمعة نوفمبر 21, 2014 1:31 am من طرف أبو حسين

» الرد علي الشبهات تارافضيه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:53 pm من طرف الشناوي احمد

» هل ولد علي بن ابي طالب رضي الله عنه في الكعبه يا رافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:50 pm من طرف الشناوي احمد

» لماذا يكفر من ينكر الامامه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:48 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الرافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:46 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الشيعه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:44 pm من طرف الشناوي احمد

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
pubarab

شاطر | 
 

 ]نظام الخلافة في الفكر الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عباس
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 1086
تاريخ التسجيل : 06/01/2011

مُساهمةموضوع: ]نظام الخلافة في الفكر الإسلامي   الإثنين أغسطس 13, 2012 7:35 pm

[size=24خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 24هـ-644م.



• تمهيد.

• عهد أبي بكر لعمر رضي الله عنهما.

• تفنيد اعتراضات الشيعة على إمامة عمر.

• موقف أهل السنة والشيعة من خلافة عمر.

• تفنيد ورد شيخ الإسلام ابن تيمية على:

الطعون الموجهة إلى خلافة عمر.







خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 24هـ-644م.
تمهيد:

بحثنا في الفصل السابق كيف أثبت أهل السنة صحة إمامة أبي بكر، وسنحاول في هذا الفصل أن نبحث موقفهم في الدفاع عن إمامة عمر بن الخطاب، لأن الشيعة في طعنهم في صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باستثناء علي بن أبي طالب - جمعوا بين الصحابيين فقدحوا في إمامتهما معًا. وكذلك فعل الراوندية - وهم الذين تبرؤوا من أبي بكر وعمر، ورأوا أن أحق الناس بالإمامة بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس بن عبد المطلب وأجازوا بيعة علي لأن العباس أجازها بقوله: (هلم إليّ أبايعك فلا يختلف عليك اثنان)[1].



لهذا اتجهت أبحاث مفكري أهل السنة إلى إثبات إمامة الصاحبين للتسوية بينهما (ولأنه لا خلاف أن أبا بكر إذا صلح للإمامة وثبتت إمامته أن عمر مثله)[2].



ولكن ما السبب في انتقال الخلافة إلى عمر بن الخطاب بالعهد بواسطة الصاحب الأول؟ وكيف أقر متكلمو أهل السنة ومن اتبع منهجهم في الاستدلال على هذه الوسيلة كأحد الطرق التي ثبتت لها الإمامة مستندين على انعقاد إجماع الصحابة على صحتها؟ هذا ما سنحاول عرضه خلال هذا الفصل.



عهد أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما -:

تولى أبو بكر الخلافة عن طريق البيعة بعد المجادلات التي دارت في اجتماع السقيفة، فلما أحس بدنو أجله دعى الصحابة وأفضى إليهم بما يجول في خاطره، قال: (قد حضرتُ من قضاء الله ما ترون، وأنه لابد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، ويقسم فيأكم)[3] إن الصديق تذكر ما حدث في اجتماع السقيفة وخشي على المسلمين إذا تركهم دون ولي من أن يفرط عقد الجماعة بصورة أخطر مما تمت عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الاختلاف حينئذ كان محصورًا بين المهاجرين والأنصار، ولكن المسلمين في عهده انتشروا يجاهدون في العراق والشام، ويواجهون فارس والروم.



فإذا استخلف (وجمع كلمة المسلمين على من استخلفه فقد اتقى ما يخشى)[4].



وبمثل هذه الكلمات التي عبر بها أبو بكر عما يدور في نفسه، اعتمد أهل السنة فيما بعد أسس نظرياتهم في ضرورة تولي الإمام أمر المسلمين، أو بعبارة أخرى نظرية وجوب الإمامة سمعًا، استدلالًا بالأمر الواقع أيام الخلافة الراشدة فإن عبارة أبي بكر تتضمن أبرز المهام التي تناط بالإمام وهي:

أولًا: أداء الصلاة، وهي الركن الجوهري في الإسلام، وقد بينا كيف كانت إمامة الصلاة هي أحد الاستدلالات التي أثبت بها أهل السنة صحة خلافة أبي بكر. ولا بأس من أن نسجل هنا حرص الصاحب الثاني على أدائها حتى ساعاته الأخيرة. إذ استجاب لنداء الصلاة وهو يقول: (نعم، لا حظ لامرئ في الإسلام إن أضاع الصلاة) فصلى والجرح يثغب دمًا[5].



ثانيًا: قتال الأعداء والذود عن ديار المسلمين.



ثالثًا: تقسيم الغنائم تفاديًا للمنازعات والخصومات.



وقد ظلت هذه المهام إجمالًا هي التي رسم حدودها أهل السنة قياسًا على الأسس التي وضعت إبان الخلافة الأولى. يقول إمام الحرمين: (الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف)[6].



تفنيد اعتراضات الشيعة على إمامة عمر:

وقد طعن الشيعة في إمامة عمر بسبب عهد أبي بكر له. ولكن الباقلاني يتصدى لهذا الطعن فيوضح أن العهد تم بمحضر من الصحابة والمسلمين، فأقروه جميعًا وصوبوا رأيه، ولو كان ذلك خطأ في الدين لراجعوه فيه، والدليل على ذلك أن المراجعة انصرفت إلى صفة من يعهد إليه بقول القائل (أتولى علينا فظًا غليظًا؟)، ولم تكن منصبة على صحة العهد نفسه. فهم يجمعون على صحة العهد من الإمام إلى غيره، فالعهد ليس إذًا خطأ في الدين لأن الأمة لن تجتمع في عصر الصحابة - ولا في غيره من العصور - على خطأ. ولهذا فإن عهد أبي بكر صحيح وهو يجري مجرى العقد لعمر بن الخطاب، ولأن الإمام العدل - وهو شخص واحد ضمن الرعية - يصح له أن يبتدئ العقد لمن يصلح للإمامة، فكيف يحرم من هذا الحق لكونه إمامًا؟



أما الاعتراض الثاني الذي يضعه الشيعة فهو تحريمهم للعهد من الإمام لغيره لموضع التهمة من العاهد وتجويز ميله إلى العهود إليه وإيثاره لولايته. ولكن إمام المسلمين - وهو أبو بكر - كان ظاهر العدالة مشهورًا لها ولم تدل أفعاله على خيانة للأمة، بل كان منصفًا لها أيام ولايته، فلا يقبل أن يسلط عليهم بعد موته ظالمًا أو جاهلًا بأمورهم، بل إن اتهام المسلمين لإمامهم الذي عرفوه بالصلاح والتقوى بمثل هذا الاتهام يعود عليهم بالذنب الذي يوجب عليهم التوبة والاستغفار.



أما الدليل الذي يراه الباقلاني على إثبات إمامة عمر بن الخطاب، فهو أن أبا بكر عهد إليه أمام جلة الصحابة، فقبلوا رأيه بعد أن خطت خطبته التي وصف فيها عمر بصفاته كلها وخلاصتها: أنه شديد في غير عنف، لين في غير ضعف، وإذا كان طلحة قد احتج على توليته بقوله لأبي بكر: (تولي علينا فظًا غليظًا، ماذا تقول لربك إذا لقيته؟)، فقد حدث أن اعترف بعد ذلك بفضله وقال لعمر: (لقد استقامت العرب عليك وفتح الله على يديك)، ثم اشترك مع عثمان وعبد الرحمن في طلب العهد من أبي بكر لعمر لأنه أهل لها)[7].



وبهذا صار عمر بن الخطاب إمامًا للمسلمين بعهد أبي بكر إليه لأنه وقع برضا الجماعة (وإجماعهم على ذلك يكشف عن صحة الطريق الذي صار به إمامًا)[8].



ولقد قاس مفكرو أهل السنة على ذلك فجعلوا من تولية العهد مسلكًا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه لأن أبا بكر خليفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما عهد إلى عمر، أقره الصحابة على ذلك[9].



ويستند ابن خلدون (808 هـ- 1405م) في مشروعية العهد على دعامتين:

الأولى: بما أن حقيقة الإمامة هي النظر في مصالح العامة لأمور الدين والدنيا، فإن الإمام على هذا هو الولي الأمين الذي يتولى شئون المسلمين أثناء حياته وبعد مماته أيضًا، فهو إذا أقام لهم من يتولى أمورهم بعد وفاته قبلوا هذا الاختيار عن رضى واطمئنان لأنهم يثقون في اختياره كما وثقوا به إمامًا أثناء حياته.



الثانية: أجمعت الأمة على جواز هذا العهد وانعقاده كما تم بواسطة أبي بكر لعمر بمحضر من الصحابة فأجازوه وأوجبوا على أنفسهم طاعة عمر، وكما عهد عمر في الشورى إلى الستة ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وانعقد الأمر في النهاية إلى عثمان بن عفان وأوجبت المسلمون طاعته (والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكره أحد منهم فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته والإجماع حجة)[10].



ويتوسع ابن خلدون بعد ذلك في طريقة العهد؛ فيجيز أن يعهد الإمام إلى أبيه أو ابنه إذ لا ينبغي في هذه الحالة أن يتهم بأنه يفضل ذوي القربى بما أنه مأمون على رعاية شئونهم أثناء حياته، فبالتالي لا يحتمل الخروج عن الحدود التي ألزم بها نفسه أثناء حياته.



ويظهر بوضوح من خلال هذه الفكرة أن فيلسوفنا خاضع للظروف السياسية إبان عصره.



أما السير أرنولد فإنه ذهب إلى أن طريقة العهد لا تخلو من المخاطرة؛ إذ لا يمكن الاطمئنان إلى حسن نتيجتها؛ ويحتمل الخطأ في الاختيار[11] ولكن الحقيقة أن بحث ما دار من مساجلات في الرأي بين أبي بكر والصحابة تبعد احتمال الخطأ إلى حد انعدامه، فالمسلمون جميعًا يعرفون عمر خير المعرفة ويثقون في اختيار أبي بكر كما أسلفنا، لأنهم على بينة من نواياه. وعذر السير أرنولد في اتجاهه أنه لم يستطع تقدير عامل الدين وقوة تأثير المثل العليا في نفوس المسلمين في ذلك الوقت، فقد (كان الوازع دينيًا، فعند عل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره، ووصلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه)[12].



ويمكن الرد أيضًا على اعتراض السير أرنولد بأن أصوات المعارضة ارتفعت في وجه أبي بكر تصف عمر بن الخطاب بالغلظة، فقد أعلنوا ما يرونه في وجه الحليفة دون خشية أو محاباة لكي يعيد النظر في العهد إذا أثبتوا له أنه على خطأ، ولكنهم (لم يحابوا الصديق في عهد عمر مع شدته، ومن شأن الناس أن يراعوا من يرشح للولاية فيحابونه خوفًا منه أن ينتقم منهم إذا ولي، ورجاء له، وهذا موجود، فهؤلاء لم يحابوا عمرًا ولا أبا بكر مع ولايتهما)[13].



ومع قيام أبي بكر باختيار عمر، فقد ظل يراود نفسه محاولًا التثبت من صحة اختياره. ولا نجد صعوبة في استنتاج هذا المعنى من بعض فقرات كتاب العهد نفسه، إذ يقول في إحداها: (أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227][14].



ويعلق القاضي عبدالجبار على ما جاء لهذه الوثيقة لقوله: (وهذا كلام من يشتد اهتمامه بالدين واحتياطه للمسلمين)[15].



والدليل على صحة إمامة عمر بن الخطاب أنه التأم في عهد شمل المسلمين، وهي الظاهرة الجلية في أيام خلافة الشيخين، استمرارًا لأيام الرسول صلوات الله عليه، إذ يقرر النوبختي (210هـ- 922م) أنه (صار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما)[16].



موقف أهل السنة والشيعة من خلافة عمر:

بعد أن أوضح لنا النوبختي الإجماع على صحة إمامة الخليفة الثاني، فمن المرجح إذًا أن الطعن في خلافته جاء متأخرًا عن عصره، ودليلنا أن عليًا بن أبي طالب نفسه قد أشاد بعمر بن الخطاب وشهد له. ويورد ابن تيمية العبارة التي جاءت على لسان ابن عباس، والتي حاول أن يطمئن بها عمرًا عند بكائه من هول المطلع حين أشرف على الموت. قال ابن عباس: (فلا تبك يا أمير المؤمنين، فوالله لقد أسلمت فكان إسلامك فتحًا، ولقد أمرت فكانت إمارتك فتحًا، ولقد ملأت الأرض عدلًا، وما من رجلين من المسلمين يكون بينهما ما يكون بين المسلمين فتذكر عندهما إلا رضيا وقنعا به)[17]، وقد أضاف ابن عباس إلى هذا، أن عليًا بن أبي طالب يشهد بهذه الشهادة عند الله. وكان علي حاضرًا فأكد حديث ابن عباس ووجه كلامه إلى عمر بن الخطاب بقوله: (نعم يا أمير المؤمنين أنا أشهدُ بهذا عند الله)[18].



فظهور النقد والإنكار والتجريح تم يأت إدا إلا من متأخري الشيعة، حتى دفع بعض غلاتهم إلى وضع الأحاديث التي تخدم هذا الغرض. يذهب ابن قتيبة إلى أن الحديث المنسوب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - والذي يقول فيه: "ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"[19].



هذا الحديث أوله الشيعة ليتخذوا منه حجة في طعن الخلفاء الراشدين، فيعلق ابن قتيبة على ذلك بقوله: (قالوا - وهذه حجة للروافض - في إكفارهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عليًا وأبا ذر والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة)[20].



أما أوائل (البتريه) - وهم إحدى فرق الشيعة الزيدية - فقالت: أن عليًا كان أولى الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفضله وسابقته وعلمه، وهو أفضل الناس كلهم بعده وأشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم، وأجازوا مع ذلك إمامة أبي بكر وعمر، وعدوهما أهلًا لذلك المكان والمقام، وذكروا أن عليًا سلم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعًا غير مكره، وترك حقه لهما، ولذلك فإنهم راضون عما رضي، وأن ولاية أبي بكر صارت رشدًا وهدي لتسليم علي ورضاه ولولا رضاه وتسليمه لكان أبو بكر مخطئًا، ضالًا، هالكًا[21].



وفي هذا المعنى أيضًا يقول ابن تيمية: (ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعصبًا راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما وكذا الشيعة الأولى أصحاب علي كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر)[22].



ويؤكد أهل السنة أن عليًا كان محبًا للشيخين معترفًا بما لهما من مكانة ونستطيع أن نختار من بين العديد من أقواله المؤيدة لهذا ما أورده البخاري (256هـ- 869م) في صحيحه على لسان علي حين مات عمر بن الخطاب، فيقول: (ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله أني كنت لا أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)[23].



ولكن الشيعة المتأخرين أنكروا هذا، فصدق عليهم المثل القائل بأنهم ملكيين أكثر من الملك نفسه، وألصقوا بعمر بن الخطاب - كما فعلوا قبل هذا بأبي بكر - أخطاء وعيوبًا لكي يطعنوا في صحة إمامته، فقد جمع ابن المطهر الحلي (736هـ- 1335م) عدة انتقادات يوجهها إلى عمر، منها ما يختص بالفقه، وما يتعلق بتصرفاته كخليفة للمسلمين، وسنقتصر على تناول الثانية.



ويذكر الحلي أن عمر بن الخطاب أخطأ في ثلاثة مواضيع:

الأول: جعل الأمر شورى مخالفًا من تقدمه، فلم يعهد أو يترك الأمر لاختيار المسلمين.



الثاني: سوى بين الفاضل والمفضول ومن حق الأول التقدم على الثاني.



الثالث: طعن في الستة الأشخاص الذين اختارهم للشورى، وذكر أنه يكره أن يتقلد إمامة المسلمين ميتًا كما تقلده حيًا، ثم عاد فتقلدها ميتًا بأن جعل الإمامة في ستة[24].



تفنيد ورد شيخ الإسلام ابن تيمية على الطعون الموجهة إلى خلافة عمر:

وقد تناول ابن تيمية هذه الطعون الثلاثة بالتفنيد والرد. وسنعرضها حسب ترتيبها:

أولًا: جعل الأمور شورى:

كان عمر بن الخطاب كثير المشاورة لأصحابه فيما لم يرد فيه نص، ولهذا السبب التجأ إلى الاجتهاد. فإذا كان الحلي قد ذكر أن الإمام منصوص عليه وهو معصوم، فكيف يكون هذا الإمام أعظم من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، الذي كان ينزل القرآن مصححًا لأفعاله مثلما فعل حينما ولى - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة؛ فنزلت الآية فيه: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ [الحجرات: 6].



كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكم في القضية المعينة باجتهاده، ولذلك نهى المحكوم له أن يأخذ ما حكم له به إذا كان الباطن بخلاف ما أظهره. ولما كان عمر بن الخطاب إمامًا للمسلمين، فإنه اجتهد في استخلافه الأصلح، ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم، ولم يعين واحدًا منهم بالذات عشية أن يكون غيره أحق منه وأصلح للولاية (وهذا أحسن اجتهاد إمام عادل ناصح لا هوى له)[25]؛ لأنه بذلك قد نفذ ما أمرت به الآيات القرآنية من الحض على الشورى والعمل بها. وقد فضل عمر عدم تعيين واحد من الستة حتى لا يحدث الاختلاف والمنازعة، إذ جبل على ذلك البشر جميعًا بما فيهم أولياء الله المتقين، فرأى الفضل متقاربًا في الستة، ورأى أيضًا أنه إذا عين واحدًا قد لا يحسن القيام بإمامة المسلمين فيصبح عمر نفسه مسئولًا عنه لنسبته إليه، فترك تعيين واحد منهم خوفًا من التقصير، حيث رأى في كل واحد من الستة ما منعه من تعيينه وتقديمه على غيره. وقصد المصلحة في أن يبايعوا واحدًا منهم باختيارهم)[26].



ولما راجعه المسلمون ليستخلف شخصًا بعينه بالاسم رفض قائلًا: (إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فبذلك ترك الأمر لهؤلاء الصحابة الذين مات عنهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو راض، يختارون من بينهم الذي يجمعون عليه، وله في النبي - صلى الله عليه وسلم - سوة حسنة؛ إذ إنه - صلى الله عليه وسلم - حينما رأى المسلمين يجتمعون على أبي بكر استغنى عن كتابة الكتاب الذي عزم أن يكتبه لأبي بكر؛ كما أنه ليس هناك دليل على الاستخلاف.



وهكذا قام عمر بأداء أكثر الأمرين مصلحة وأقلهما مفسدة (فإن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح لا لرفع الفساد بالكلية، فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد)[27].



ثانيًا: الجمع بين الفاضل والمفضول:

وكان هؤلاء الستة متقاربين في الفضيلة، فقد كان الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يفاضلون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، ولم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك حينما يبلغه.



هذا هو التفضيل الثابت بالنص. أما التفضيل الثاني فقد ثبت بإجماع المهاجرين والأنصار، وكما ظهر لما توفي عمر بن الخطاب فإنهم أجمعوا على مبايعة عثمان من غير رغبة ولا رهبة، فإنه لم يعط أحدًا منهم مالًا ولا ولاية، ولم يكن لبني أمية شوكة حينئذ، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل تعليقًا على ذلك: (لم يجتمعوا على بيعة أحد كما اجتمعوا على بيعة عثمان)[28]، لأنه لم ينكر أحد من الستة - أو غيرهم - ولاية عثمان في ذلك الوقت، مع أن فيهم كافة الصحابة أمثال عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر والمقداد بن الأسود وابن مسعود، وفيهم أيضًا العباس بن عبد المطلب، ومن النقباء مثل عبادة بن الصامت، وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري، وهم جميعًا من الصحابة الذين وصفهم الله تعالى بأنه ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54]. وقد بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يقولوا الحق حيثما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم حسب باقي نص الآية السالف ذكرها ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54] ولم ينكر منهم أحد ولاية عثمان[29].



ثالثًا: طعنه في الستة أشخاص:

إن طعن عمر بن الخطاب فيهم لا يعني أنه يفضل غيرهم عليهم في الإمامة بل كره أن يتقلد غيرهم الإمامة لأنه لا أحد أحق بالإمامة منهم. ولا تبعة عليه لأنه اختار الستة لخشيته من تبعة تعيين واحد منهم، أما كراهيته في تقلد الأمر حيًا، فإن هذا المعنى يفسر على غير حقيقته؛ لأنه تقلد الأمر باختياره، فليس خوفه إذًا إلا من تبعة الحساب مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 60]، فخوف عمر إذًا من التقصير في الطاعة يعني كمال طاعته لله، فإنه كان يستطيع أثناء حياته منع نوابه مما يكرهه منهم لأنه كان متمكنًا من مراقبتهم وتعقب أفعالهم، أما بعد موته فإنه لا سلطان له عليهم، فكره تقلد الأمر ميتًا لهذا السبب[30].



وينفي ابن تيمية أن عمرًا جعل الأمر في أربعة ثم في ثلاثة ثم في واحد لأن هذا غير ثابت من وجهة نظر ابن تيمية؛ لأن النقل الثابت في صحيح البخاري يدل على أن الستة أنفسهم هم الذين حصروا الأمر في ثلاثة، ثم جعل هؤلاء الثلاثة الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، ولا دخل لعمر بن الخطاب في ذلك.



كما يستبعد ابن تيمية ما ذكره الحلي من تفضيل عمر لعثمان، وحتى إن فعل، فهو لا يعني محاباة عثمان وإلا لكان ولاه بدلًا من تعيين الستة، لا سيما أنه من المعروف عن عمر أثناء حياته جراءته في الحق حتى أطلق عليه الشيعة أنفسهم (فرعون هذه الأمة)، ولو أراد تعيين عثمان ابتداءً لفعل دون الالتجاء إلى مثل هذه الحيلة (فإذا كان في حياته لم يخف من تقدم أبي بكر والأمر في أوله والنفوس لم تتوطن على طاعة أحد معين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا صار لعمر أمر، فكيف يخاف من تقديم عثمان عند موته والناس كلهم مطيعوه وقد تمرنوا على طاعته؟)[31]. كما أنه ليس بينه ويبن عثمان من أسباب الصلة أكثر مما بينه وبين علي سواء من جهة القبيلة أو غيرها، وقد أخرج عمر ابنه وابن عمه من الأمر، فليس هناك سبب إذًا يدعوه إلى تفضيل عثمان أو على أو غيرهما إذ لا يحتاج إلى واحد منهم لا في أهله ولا في دينه، وقد يستساغ قبول هذا التصرف من عمر لو أراد محاباة أحدهما لا حاجته إليه، فإذا لم تكن الحاجة قائمة فما الذي يدعوه إلى التفضيل لا سيما عند الموت وهو الوقت الذي يسلم فيه الكافر ويتوب فيه الفاجر؟



ليس إذًا لعمر مانع دنيوي يدفعه إلى ذلك. بقي الدين، فلو كان الدين يقتضي ذلك لفعله، وإلا فليس من المقبول أن يقدم على فعل ما يعلم أنه يعاقب عليه في الآخرة، ولا ينتفع به في دنياه أو آخرته. ولم يكن عمر من ناحية أخرى يُخالف على أهله بعد وفاته لأنه صرف الأمر عنهم، وهو على يقين من أن عليًا أعدل وأتقى من أن يظلمهم لو ولي الأمر بعده.



إذا قيل أن عليًّا وعثمان لا يجتمعان على أمر واحد فهو قول منسوب كذبًا إلى عمر، فلم يكن بينهما نزاع أثناء حياته، بل كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما لأنهما من بني عبد مناف، ووقائع التاريخ تدل بوضوح على اتفاق بني العباس وبني أمية في أول الأمر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ووقعت الفرقة بينهما فيما بعد عندما ولي بنو العباس وصار بينهم وبين بعض بني أبي طالب الاختلاف[32]، كما ينفي ابن تيمية صلة القرابة بين عبد الرحمن وعثمان لأن الأول من بني زهرة والثاني من بني أمية.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] المسعودي (346هـ- 657م)، مروج الذهب، ج 2، ص 157.

[2] القاضي عبد الجبار، المغني، ج 2، القسم الثاني، ص 3.

[3] ابن قتيبة. الإمامة والسياسة، ص 19.

[4] دكتور، محمد حسين هيكل. الفاروق عمر، ج 1، ص 76.

[5] ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب، ص 217.

[6] إمام الحرمين، غياث الأمم، مخطوط، ص 9.

[7] رد الباقلاني على الشيعة يشمل الصفحات، 197، وما بعدها، من كتابه (التمهيد).

[8] القاضي عبد الجبار. المغني ج 2، القسم الثاني ص 6.

[9] الجويني. غياث الأمم. مخطوط، ص 65.

[10] ابن خلدون، المقدمة، ص 210.

[11] The Caliphat. Sir T.W. Arnold.

[12] المقدمة، ص 211.

[13] ابن تيمية، منهاج السنة، ص 166.

[14] الطبري، ج 4، ص 54، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة. ج 1، ص 19.

[15] القاضي عبد الجبار، المغني ج 2، القسم الثاني، ص 7.

[16] النوبختي، فرق الشيعة، ص 4.

[17] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 142.

[18] نفس المصدر والصفحة.

[19] ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص 295.

[20] نفس المصدر والصفحة.

[21] النوبختي، فرق الشيعة، ص 20.

[22] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 142.

[23] صحيح البخاري، ج 2، ص 204.

[24] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 258.

[25] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 162.

[26] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 162.

[27] المرجع السابق، ص 164.

[28] المرجع السابق، صح 166.

[29] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 66.

[30] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 167.

[31] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 168.

[32] ابن تيمية: منهاج السنة، ج 3، ص 170.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Web/mostafa-helmy/0/40314/#ixzz23RdjWNcc[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
mazloom
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 286
تاريخ التسجيل : 16/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: ]نظام الخلافة في الفكر الإسلامي   الإثنين أغسطس 27, 2012 11:48 am

من الدلائل النبوة وخلاصة ما جرى مع أهل البيت في هذا العهد يعطينا معالمها عدد ليس بالقليل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، اخترنا منها هنا أربعة فقط لننتقل بعدها إلى العهد الآخر .
1 - أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : " أما إنك ستلقي بعدي جهدا " . قال : في سلامة من ديني ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : " في سلامة من دينك " ( 1 ) .
2 - كان علي عليه السلام مريضا ، وقد عاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر معه ، فقال أحدهما للآخر : ما أراه إلا هالكا ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " إنه لن يموت إلا مقتولا ، ولن يموت حتى يملأ غيظا " ( 2 )
3 - وعنه عليه السلام قال : " إن مما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 140 وقال : صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
( 2 ) المستدرك 3 : 139 ، الكامل في التاريخ 3 : 387 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 190
وسلم أن الأمة ستغدر بي بعده " . وفي لفظ آخر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي " إن الأمة ستغدر بك بعدي " ( 1 ) .

4 - عن علي عليه السلام ، قال : " بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي ، ونحن نمشي في بعض سكك المدينة إذ أتينا على حديقة ، فقلت : يا رسول الله ، ما أحسنها من حديقة ! فقال : لك في الجنة أحسن منها .
ثم مررنا بأخرى ، فقلت : يا رسول الله ، ما أحسنها من حديقة ! قال : لك في الجنة أحسن منها . ثم مررنا بسبع حدائق كل ذلك أقول : ما أحسنها . ويقول : لك في الجنة أحسن منها . . فلما خلا له الطريق اعتنقني ثم أجهش باكيا . قلت : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور أقوام ، لا يبدونها لك إلا من بعدي " ( 2 ) !

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 140 وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ابن عساكر في الترجمة 3 : 148 / 1164 - 1168 ،
دلائل النبوة 6 : 440 ، تذكرة الحفاظ 3 : 995 ، البداية والنهاية 7 : 338 ابن أبي الحديد 6 : 45 ، تاريخ بغداد 11 : 216 ،
كنز العمال 11 / 32997 ، الخصائص الكبرى 2 : 235 .
( 2 ) مسند أبي يعلى الموصلي 1 : 426 / 305 ، وصححه الحاكم في المستدرك 3 / 139 ، ابن أبي الحديد 4 : 107 ،
الرياض النضرة 3 : 184 ، مجمع الزوائد 9 : 118 ، المناقب للخوارزمي : 26 ، كنز العمال 13 : 176 / 46533 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 191
مجمل ما لقي أهل البيت وقصة الوضع في الحديث
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 193
فصول القصة : نأتي هنا على وصف مجمل لحال أهل البيت ( عليهم السلام ) في العهدين الأموي والعباسي إذ إن التفصيل في هذا يعني أن نمضي مع كل واحد منهم عليهم السلام امتداد حياته ، وليس هذا بخفي على من تتبع التاريخ .
ومعه ستأتي قصة الوضع في الحديث لما بين الأمرين من تلازم وثيق ، إذ إن سياسة إبعادهم وامتهانهم عليهم السلام كانت تستلزم على الدوام عملا ثقافيا وفكريا موازيا يدعمها ويبرر خطواتها ، وليس أخطر في ذلك من الحديث المنسوب إلى النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ! فبذلوا لذلك كل جهد ، وسخروا كل ما وسعهم تسخيره بالاتجاهين معا : اتجاه طمس فضائل ومناقب أهل البيت ( عليه السلام ) . واتجاه إطراء خصومهم ، واختلاق المناقب لهم ، ونسبة ذلك كله إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، في عمل منسق على شكل مراحل منتظمة ومتوالية ! وسنرى كل ذلك الآن . . أفرد ابن أبي الحديد في كتابه ( شرح نهج البلاغة ) فصلا بعنوان : " ذكر

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 194
ما مني به آل البيت من الأذى والاضطهاد " قال فيه : وقد روي أن أبا جعفر محمد بن علي ( عليه السلام ) قال - لبعض أصحابه - : " يا فلان ، ما لقينا من ظلم قريش إيانا ، وتظاهرهم علينا ! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ! إن رسول الله
صلى عليه وآله وسلم قبض وقد أخبرنا أنا أولى الناس بالناس . فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ، ثم تداولتها واحدا بعد واحد حتى رجع الأمر إلينا ، فنكثت بيعتنا ، ونصبت الحرب لنا
! ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل ! وبويع الحسن ابنه ، وعوهد ، ثم غدر به وأسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده ، فوادع معاوية ، وحقن دمه ودماء
أهل بيته ، وهم قليل حق قليل . ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا ، ثم غدروا به ، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه ! ثم لم نزل - أهل البيت - نستذل ، ونستظام ، ونقصى ، ونمتهن ، ونحرم ، ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على
دمائنا ودماء أوليائنا ! . ووجد الكاذبون الجاحدون - لكذبهم وجحودهم - موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء ، وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس .
وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية ، بعد موت الحسن ( عليه السلام ) . فقتلت شيعتنا في كل مكان ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ! .

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 195
وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره ( 1 ) " ! .
هكذا إذن أقصي أهل البيت ( عليهم السلام ) عن مكانهم في خلافة رسول الله ، إذ هم " أولى الناس بالناس " .
وجحدت منزلتهم ، إذ هم ثاني الثقلين " كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " .
ثم أقصوا حتى عن موقعهم في ترؤس ميدان الفقه وعلوم الشريعة ، رغم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم " فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " .

ورغم زعامتهم في العلم والفقه وتفوقهم على سواهم ، ورجوع غيرهم إليهم ، حجر على فقههم ، وحورب من كان يحمله عنهم ، وقتل أتباعهم في كل مكان " وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره ! ويواصل الإمام الباقر عليه السلام كلامه ، فيقول : " ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام " ( 2 ) .

- قاتل الحسين عليه السلام ! ! الحسين عليه السلام : سبط النبي المصطفى ، وريحانته ، وثاني سيدي شباب أهل الجنة مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام ! وخامس أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ! الحسين عليه
السلام الذي قال فيه جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط " ( 3 ) !

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد 11 : 43 .
( 2 ) المصدر والصفحة .
( 3 ) التاريخ الكبير للبخاري 8 : 415 / 3536 ، سنن الترمذي 5 : 658 / 3775 ، سنن ابن ماجة 1 = ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 196
الحسين السبط عليه السلام يراد منه قسرا أن يبايع ليزيد - صاحب الخمرة والمجون ! - فلم يجد أمامه إلا أن يخرج من مدينة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قاصدا العراق بعد أن أتته كتب أهلها بالبيعة والولاء ، فيستشهد بينهم في وقعة
، بل مأساة لم تشهد لها الدنيا نظيرا ! وقد تهيأ له عليه السلام أن يقف فيهم خطيبا ، فقال : " أيها الناس ، إن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم قال : من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ وأحلوا
حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم ، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم . وأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسي مع أنفسكم
وأهلي مع أهلكم ، فلكم في أسوة . . . " ( 1 ) . فلما لمن يكن منهم إلا قتاله ومن معه من أهل بيته وأصحابه ، ركب عليه السلام راحلته وتقدم إلى جيش يزيد ، ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس ، فقال :

* ( هامش ) *
= 51 / 144 ، مسند أحمد 4 : 172 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 177 ، مصابيح السنة 4 : 195 / 4833 ،
أسد الغابة 2 : 19 ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير 4 : 318 ، الجامع الصغير 1 : 575 / 3727 ،
جامع الأصول 10 : 21 ، سير أعلام النبلاء 3 : 283 ، وغيرها كثير .
( 1 ) الكامل في التاريخ 4 : 48 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 197
" أيها الناس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل .
وإن لم تقبلوا مني العذر ( فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) ( 1 ) ( إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) ( 2 ) " . فلما سمع أخواته قوله بكين ، وصحن ، وارتفعت أصواتهن ،
فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن ، وقال : " لعمري ، ليكثرن بكاءهن " ! فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله وعلى الأنبياء والملائكة وقال : " أما بعد ، فانسبوني ، فانظروا من أنا ، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها ،
وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم ، وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله ، والمصدق لرسوله ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي ؟ أو لم يبلغكم قول
مستفيض : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي ولأخي : أنتما سيدا شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة ؟ فإن صدقتموني فيما أقول فهو الحق ، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله . وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم : سلوا جابر

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة يونس : 71 . ( 2 ) سورة الأعراف : 196 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 198
ابن عبد الله ، أو أبا سعيد ، أو سهل بن سعد ، أو زيد بن أرقم ، أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي ؟ " .
فقال له شمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! ثم قال الحسين عليه السلام : " فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري ، منكم ولا من غيركم .
أخبروني ، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو بمال استهلكته ، أو بقصاص من جراحة ؟ " . فلم يكلموه ، فنادى : " يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا زيد بن الحارث ! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ " .
قالوا : لم نفعل ! فقال عليه السلام : " بل فعلتم - ثم قال - أيها الناس ، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض " . فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم ابن عمك ؟ فإنك لا ترى إلا ما تحب .
فقال عليه السلام : " أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله ، ولا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقر إقرار العبيد . عباد الله ، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " ( 1 ) .

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل في التاريخ 4 : 61 - 62 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 199
ولكن قست قلوبهم ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة فعزموا أن يرتكبوا الجريمة الكبرى ، ويتوشحوا بالعار الأبدي ! فتقدم عمر بن سعد برايته ، وأخذ سهما فرمى به ، وقال : اشهدوا لي أني أول رام ! ثم رمى الناس ( 1 ) .
فكانت الوقعة المأساة التي احتوت تفاصيل تقشعر لها الأبدان بل تهتز لها الأرض والسماء . وقتل ريحانة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، وقتل معه سبعة عشر من أهل بيته ، وكافة أصحابه وقطعت رؤوسهم وحملت على الرماح إلى
عبيد الله بن زياد . فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا ! وجاءت بنو أسد بستة أرؤس ! وجاءت مذحج بسبعة أرؤس ، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس ، فذلك سبعون رأسا ( 2 )
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبرئيل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة : " إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين " فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها فلما قتل الحسين عليه السلام صار التراب دما ، فأعلمت الناس بقتله ( 3 ) .

وعن عبد الله بن نجي ، عن أبيه ، أنه سار مع علي عليه السلام وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى - من أرض كربلاء - وهو سائر إلى صفين ، فنادى علي : " اصبر أبا عبد الله ( 4 ) بشط الفرات " .

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر 4 : 65 .
( 2 ) المصدر 4 : 91 - 92 .
( 3 ) المصدر 4 : 93 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 245 - 246 ، الصواعق المحرقة : 193 .
( 4 ) في سير أعلام النبلاء : " ناداه علي " وهو تحريف ، وأبو عبد الله هو الإمام الحسين عليه السلام . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 200
قلت : وما ذاك ؟ قال : " دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، وعيناه تفيضان ، فقال : قام من عندي
جبرئيل ، فحدثني أن الحسين يقتل ، وقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قلت : نعم ، فمد يده فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني " ( 1 ) .
وروي قريب منه عن أم سلمة أيضا وأنها احتفظت بذلك التراب عندها ( 2 ) . وحدث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم نصف النهار ، أشعث أغبر ، وبيده قارورة فيها دم ،
فقلت : يا رسول الله ، ما هذا ؟ قال : " هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل منذ اليوم ألتقطه " . فأحصي ذلكم اليوم ، فوجدوه قتل يومئذ ( 3 ) .

وحدث أبو سعيد الأشج : حدثنا أبو خالد الأحمر ، حدثنا رزين ، قال : حدثتني سلمى ، قالت : دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 1 : 85 ، سير أعلام النبلاء 3 : 288 ، البداية والنهاية 8 : 201 ، الصواعق المحرقة : 193 ،
مجمع الزوائد 9 : 187 وقال : أخرجه البزار ورجاله ثقات .
( 2 ) مسند أحمد 3 : 242 و 265 و 294 ، سير أعلام النبلاء : 3 : 288 - 289 ، مجمع الزوائد 9 : 187
البداية والنهاية 8 : 201 ، دلائل النبوة 6 : 469 ، الصواعق المحرقة : 192 .
( 3 ) مسند أحمد 1 : 283 ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر 4 : 343 ، سير أعلام النبلاء 3 : 315 ،
البداية والنهاية 8 : 202 وقال إسناده قوي . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 201
قال : " شهدت قتل الحسين آنفا " ( 1 ) . فسلام على الحسين ، وأولاد الحسين ، وأنصار الحسين ( 2 ) . . ثم ماذا بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام ؟
يواصل الإمام الباقر عليه السلام حديثه ، فيقول : " ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له ( زنديق ) أو ( كافر ) أحب إليه من أن يقال ( شيعة علي ) ! ! وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير -
ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفصيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ! ولا كانت وقعت ! وهو يحسب أنها حق لكثرة من رواها ممن لم يعرف بالكذب ، ولا بقلة ورع ( 3 ) " !
وأشبه شئ بكلام الإمام الباقر عليه السلام هذا حول الحديث والمحدثين ما أورده مسلم في مقدمة الصحيح ، والخطيب البغدادي في تاريخه ، عن محمد بن أبي عتاب : قال حدثني عفان ، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن أبيه ، قال : لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث !

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الترمذي 5 : 657 / 3771 ، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير 4 : 343 ، سير أعلام النبلاء 3 : 316 ، البداية والنهاية 8 : 202 .
( 2 ) قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام في تاريخ الطبري 6 : 194 - 270 ، الكامل في التاريخ 4 : 19 - 91 ،
تهذيب تاريخ دمشق الكبير 4 : 329 - 346 ، مقتل الحسين للخوارزمي ، البداية والنهاية 8 : 152 - 214 .
( 3 ) ابن أبي الحديد 11 : 44 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 202
قال ابن أبي عتاب : فلقيت أنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان فسألته عنه ، فقال عن أبيه : لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث ( 1 ) .
أما كيف بلغ الأمر هذه الدرجة من الخطورة ، فإليك قصته كاملة : قال ابن أبي الحديد : روى المدائني في كتاب ( الأحداث ) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب ، وأهل بيته .
فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى كل منبر يلعنون عليا ، ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ! وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية ، وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع
الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي
والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم ، وشردهم فلم يبق فيها معروف منهم . .
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة . وكتب إليهم : أن انظروا من
قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم ، واكتبوا لي بكل ما
يروي كل رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك ، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه عليهم في العرب والموالي وكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فلبثوا بذلك حينا .

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم - المقدمة - 1 : 17 - 18 ، تاريخ بغداد 2 : 98 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 203
ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين . ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا
وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلي ، وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله . فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس
في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا
بذلك ما شاء الله . ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاء رزقه ! وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به ،
واهدموا داره ! فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه في العراق ، ولا سيما بالكوفة . فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر . . ومضى على ذلك الفقهاء ، والقضاة ، والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون ، والمستضعفون
الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند الأئمة ، يصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ! .
حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها ! !

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 204
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض ! ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام . وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على
الشيعة . وولي عليهم الحجاج فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي ، وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدعي من الناس أنه من أعدائه . فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم . وأكثروا من الغض من علي عليه السلام وعيبه ،
والطعن فيه ، والشنآن به ! . حتى أن إنسانا وقف للحجاج فصاح به : أيها الأمير ، إن أهلي عقوني فسموني عليا ، وأنا فقير بائس ! فتضاحك له الحجاج ، وقال : للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا ! - فلم يقتصر الأمر على ما كان في عهد معاوية إذن .

قال ابن أبي الحديد : وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ( 1 ) - وهو من أكابر المحدثين - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر ، وقال : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختلقت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ( 2 ) !

* ( هامش ) *
( 1 ) وهو محمد بن عرفة بن سليمان ، أبو عبد الله : الحافظ النحوي الأخباري ، تعلم اللغة على ثعلب والمبرد ، وتفقه على داود -
إمام الظاهرية - وكان ذا سنة ودين وفتوة ومروءة ، وصار رأسا في رأي أهل الظاهر ، وله تصانيف منها : ( غريب القرآن ) و
( تاريخ الخلفاء ) أو ( الإمامة ) وغيرها ، توفي سنة 323 ه‍ . سير أعلام النبلاء 15 : 75 / 42 ، وفيات الأعيان 1 : 47 / 12 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 11 : 44 - 46 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 205
وقال أبو معاوية الضرير : بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش : أن اكتب لي مناقب عثمان ، ومساوئ علي . فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم الشاة فلاكتها ، وقال لرسوله : قل له : هذا جوابك ( 1 ) .
والأمر - إلى هنا - يوجزه الإمام أحمد بن حنبل في رده على ولده عبد الله وقد سأله عن علي ومعاوية ، فقال له : اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له ( 2 ) .
وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام وعاقبوا على ذلك الراوي له ، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبي زينب ( 3 ) .
وقد روي عن الإمام الشافعي قوله :
إذا في مجلس ذكروا عليا * وسبطيه ، وفاطمة الزكية
يقال : تجاوزوا يا قوم هذا * فهذا من حديث الرافضية
برئت إلى المهيمن من أناس * يرون الرفض حب الفاطمية ( 4 )
وكان المغيرة بن شعبة يقول لصعصعة بن صوحان ( 5 ) : إياك أن يبلغني

* ( هامش ) *
( 1 ) وفيات الأعيان 2 : 402 - ترجمة سليمان الأعمش .
( 2 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 : 81 ، الصواعق المحرقة باب 9 فصل 3 : 127 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 159 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة 4 : 73 .
( 4 ) فرائد السمطين 1 : 135 / 98 .
( 5 ) هو أخو زيد بن صوحان ، وقد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره لصغر سنه وكان سيدا من سادات قومه - عبد القيس - فصيحا خطيبا دينا فاضلا يعد في أصحاب علي عليه السلام = ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 206
عنك أنك تعيب عثمان ، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي ، فأنا أعلم بذلك منك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر ، وقد أخذ بإظهار عيبه للناس ، فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشئ الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن
أنفسنا . فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا ( 1 ) .

وكان الحسن البصري يحدث فيقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو لم يدركه . فقال يونس بن عبيد : سألته ، فقلت : يا أبا سعيد إنك تحدث فيقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنك لم تدركه ؟ قال : يا ابن أخي لقد
سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى ، كل شئ سمعتني أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو عن علي بن أبي طالب ، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا ( 2 ) .

بل تجاوز الأمر هذا الحد بكثير حتى أصبح الرجل يخشى حتى وهو في المنام - في عالم الرؤيا - أن يتهم بالقرب من علي عليه السلام . فقد روى الخطيب عن الفتح بن شخرف ، قال : حملتني عيني فنمت ، فبينما أنا نائم إذا أنا بشخصين ، فقلت للذي يقرب مني : من أنت يا هذا ؟ فقال : من ولد آدم .

* ( هامش ) *
= وقد شهد معه حروبه ، وهو القائل لعمر بن الخطاب حين قسم المال الذي بعثه إليه أبو موسى ، فخطب الناس فقال : أيها الناس
قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس . فقام صعصعة وهو غلام شاب وقال : يا أمير المؤمنين ، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل فيه
قرآن ، فأما ما نزل فيه القرآن فضعه مواضعه التي وضعه الله عز وجل فيها . فقال : صدقت ، أنت مني وأنا منك . وصعصعة
ممن سيره عثمان إلى الشام ، وتوفي أيام معاوية . أسد الغابة 3 : 20 .
( 1 ) الكامل في التاريخ 3 : 430 .
( 2 ) تهذيب الكمال 6 : 124 . ( * )

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 207
قلت : كلنا من ولد آدم ، فمن الذي وراءك ؟ قال لي : علي بن أبي طالب . قلت له : أنت قريب منه ولا تسأله ؟ ! قال : أخشى أن يقول الناس أني رافضي ( 1 ) ! !

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
]نظام الخلافة في الفكر الإسلامي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شيعة تبسة :: قسم الواحة الاسلامية السمحة :: منتدى الحوار العقائدي-
انتقل الى: