منتدى يلم شمل شيعة تبسة الجزائرية
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ان الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا
السبت مايو 09, 2015 1:53 pm من طرف أبن العرب

» التوحيد واقسامه
الجمعة مايو 01, 2015 1:29 pm من طرف أبن العرب

» قولوا لا إله إلا الله تفلحوا
الجمعة مايو 01, 2015 1:08 pm من طرف أبن العرب

» برنامج الأذان الشيعي للكمبيوتر -رائع-
الجمعة نوفمبر 21, 2014 1:31 am من طرف أبو حسين

» الرد علي الشبهات تارافضيه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:53 pm من طرف الشناوي احمد

» هل ولد علي بن ابي طالب رضي الله عنه في الكعبه يا رافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:50 pm من طرف الشناوي احمد

» لماذا يكفر من ينكر الامامه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:48 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الرافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:46 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الشيعه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:44 pm من طرف الشناوي احمد

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
pubarab

شاطر | 
 

 في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 6:41 am

[ 172 ]-
س4: هل يجوز على الجمهور الأعظم مِن الصحابة (رض) أنْ يَغْفلوا عن النص الشرعي البين - إنْ وُجِد- في بيعة الإمام علي، ويَتَعَامَوْا عنه؟ والله يقول عنهم: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ)) آل عمران/110.

جواب السيد الحكيم في كتابه(في رحاب العقيدة)ج2:
الجواب عن ذلك من وجوه..

إهمال الصحابة للنّص أهون مِن إهمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمْرَ الأمة
الوجه الأول: أنه إذا بُنِيَ الأمرُ على الاسْتِبْعَاد، فالبِنَاءُ على إغفال الصحابة للنص أهون بكثير مِن البناء على إهمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الأمة، وترْكها مِن دون أنْ ينص على خليفة يرعاها، ومِن دون أن يحدد بوضوح أمْرَ الخلافة، بوجهٍ شامل، في عصور الإسلام المتعاقبة، مع ما عليه الخلافة مِن الأهمية الكبرى في الدِّين، وفي نَظْم أمْر الإسلام والمسلمين، ومع كَوْنها معترك المصالـح والمطامع القبلية والفردية، ومختلف الآراء والاجتهادات التي لا ضابط لها ولا حدود. وهل ذلك إلا تفريطٌ بالإسلام العظيم- يُنَزَّه عنه الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكريم- ونقْصٌ في الدين الذي أكمله لنا رب العالمين.
خصوصاً وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ترك الدعوة الإسلامية في أول نشوئها، وهي في محيط قبلي بدائي لا ألفة له قبل ذلك بالدولة والسلطان، ولم يعرف نظام حكم فيها يجري عليه بطبعه، فكيف يتركها (صلى الله عليه وآله وسلم)، مِن
-[ 173 ]-
دون نظام واضح قاطع، نهبةً للمطامع، وميداناً للتسابق والتناحر؟!
ولا سيما مع ما تظافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن الإخبار بالفتن، حتى قال فيما رواه حذيفة:
"لَفِتنةُ بعضِكم أخوف عندي مِن فتنة الدجال" (1).
كما استفاض عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) الإخبار بولاية ولاة السوء على الأمة وظلمهم واستئثارهم وانتهاكهم الحرمات، فإنّ ذلك لا يتناسب مع إهماله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمْرَ الولاية مِن دون أن يحدد ضوابطها الشرعية، لتعرف الأمة الحق من الباطل، والعدل من الجور.
وأطرف من ذلك أن يكتفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان نظام الحكم بقوله المشهور: "الأئمة من قريش" (2)، من دون تحديد دقيق.
ومَن هي قريش؟ أليس أكثرها قد دخل في الإسلام أخيرًا، حينما غلبوا على أمرهم،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح ابن حبان 15: 218 باب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عما يكون في أمته من الفتن والحوادث: ذكر الإخبار عن العلامة التي بها يعرف نجاة المرء من فتنة الدجال، واللفظ له. مجمع الزوائد 7: 335 كتاب الفتن: باب فيما قبل الدجال ومن نجا منه نجا. مسند أحمد 5: 389 حديث حذيفة ابن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). موارد الظمآن: 468. مسند البزار 7: 232، 233 فيما رواه طارق ابن شهاب عن حذيفة. كنز العمال 14: 322 حديث: 38812.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 3: 121 باب من قال يؤمهم ذو نسب إذا استووا في القراءة والفقه، 8: 143،144 كتاب قتال أهل البغي: جماع أبواب الرعاة: باب الأئمة من قريش. السنن الكبرى للنسائي 3: 467 كتاب القضاء: الأئمة من قريش. الأحاديث المختارة 4: 403 فيما رواه بكير بن وهب الجزري عن أنس، 6: 143 فيما رواه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أنس. المستدرك على الصحيحين 4: 85 كتاب معرفة الصحابة: ذكر فضائل القبائل. المصنف لابن أبي شيبة 6: 402،403 كتاب الفضائل: ما ذكر في فضل قريش. مسند أحمد 3: 129، 183 في مسند أنس بن مالك (رضي الله عنه)، 4: 421 في أول مسند البصريين: حديث أبي برزة الأسلمي (رضي الله عنه). المعجم الأوسط 4: 26. المعجم الصغير 1: 260. مسند الطيالسي 1: 125، 284. مسند أبي يعلى 6: 321 فيما رواه سعد بن إبراهيم عن أنس، 7: 94 فيما رواه سهل أبو الأسود عن أنس. المعجم الكبير 1: 252 ومما أسند أنس بن مالك (رضي الله عنه). وغيرها من المصادر الكثيرة.
-[ 174 ]-
بعد صراع طويل مرير، وبعد أنْ أريق كثير من الدماء، وتهددت كثير مِن المصالـح، مما أثار كثيراً من الأحقاد والأضغان.
ثم أليست قريش مجمع التناقضات، فيها القمة في الدين والعفة والشرف: أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها ما دون ذلك، درجة بعد درجة، في تسافل نحو الحضيض في الطغيان والجريمة والخِسَّة، كبني أمية الشجرة الملعونة في القرآن (1)، وآل أبي العاص الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، ودينه دغلاً (2)، فأيّ ضابط هذا، وأيّ تحديد؟!
ولاسيما وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر بمرارة عن حال هؤلاء وما تلقى الأمة منهم، وقال أيضاً:
"هلاك هذه الأمة على يدي أغيلمة مِن قريش" (3)،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 10: 286. الدر المنثور 5: 310. فتح القدير 3: 239،240. روح المعاني 15: 107. لسان الميزان 1: 189 في ترجمة أحمد بن الطيب السرخسي. تاريخ الطبري 5: 621 في أحداث سنة أربع وثمانين ومائتين. وفي تفسير الطبري 15: 112، وتفسير ابن كثير 3: 50 ولكن بدل بني أمية، بني فلان.
(2) المستدرك على الصحيحين 4: 527 كتاب الفتن والملاحم. مجمع الزوائد 5: 241 كتاب الخلافة: باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة. المعجم الأوسط 8: 6. المعجم الصغير 2: 271. وتجده مع اختلاف يسير في كل من مسند أبي يعلى 11: 402، والمعجم الكبير 12: 236 فيما رواه ابن موهب عن ابن عباس، و 19: 382 فيما رواه عمير بن الحارث السكوني عن معاوية، والفتن لنعيم بن حماد 1: 130 باب آخر من ملك بني أمية.
(3)المستدرك على الصحيحين 4: 526، واللفظ له،: 572 كتاب الفتن والملاحم. صحيح البخاري 3: 1319 كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام، 6: 2589 كتاب الفتن: باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء. مسند أحمد 2: 520 مسند أبي هريرة. مسند إسحاق بن راهويه 1: 358، 359 زيادات الكوفيين والبصريين وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). المعجم الصغير 1: 334. مسند الطيالسي: 327 فيما رواه مالك بن ظالم عن أبي هريرة (رضي الله عنه). فتح الباري 11: 478. السنن الواردة في الفتن 2: 471،472 باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هلاك أمتي على أيدي أغيلمة سفهاء من قريش. الفتن لنعيم بن حماد 1: 130 باب آخر من ملك بني أمية،: 407 ما يكون بعد المهدي. الفردوس بمأثور الخطاب 4: 346. التاريخ الكبير 3: 499 في ترجمة سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي القرشي، 7:309 في ترجمة مالك بن ظالم. الثقات 5: 388 في ترجمة مالك بن ظالم. تهذيب التهذيب 10: 16 في ترجمة مالك بن ظالم. وغيرها من المصادر الكثيرة.
-[ 175 ]-
ونحو ذلك مما لا يتناسب وإطلاق أمْر الإمامة في قريش من دون تحديد صارم يقطع أمل هؤلاء وأمثالهم في الحكم والسلطان، ويمنع من شرعية ولايتهم.
وإذا روي عن عمر بن الخطاب أنه قال عن بيعة أبي بكر إنها فلتة وقى الله شرها (1)، فما هو المؤمِّن مِن فلتات لا نهاية لها، ولا وقاية مِن شرها؟!
والأطرف من ذلك أن ينتبه المسلمون لذلك، ويغفله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيطلبوا مِن عمر أن يستخلف على الأمة (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 6: 2503، 2505 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة: باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت. صحيح ابن حبان 2: 148 باب حق الوالدين: ذكر الزجر عن أن يرغب المرء عن آبائه إذ استعمال ذلك ضرب من الكفر،: 155،157 ذكر الزجر عن الرغبة عن الآباء إذ رغبة المرء عن أبيه ضرب من الكفر. مجمع الزوائد 6: 5 كتاب الجهاد: باب تدوين العطاء. السنن الكبرى للنسائي 4: 272،273 كتاب الرجم: تثبيت الرجم. المصنف لابن أبي شيبة 6: 453 كتاب السير: ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين، 7: 431 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردة. المصنف لعبدالرزاق 5: 441،445 كتاب المغازي: بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) في سقيفة بني ساعدة. مسند البزار 1: 302 ومما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس عن عمر،: 410 ما رواه زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر أيضًا. مسند أحمد 1: 55 في مسندعمر بن الخطاب (رضي الله عنه). مسند الشهاب 1: 237. جامع العلوم والحكم: 386. التمهيد لابن عبد البر 22: 154. الثقات لابن حبان 2: 153،156 كتاب الخلفاء: استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق (رضي الله عنه). الفصل للوصل المدرج 1: 490،493. الرياض النضرة 2: 202 الفصل الثالث عشر في ذكر خلافته وما يتعلق بها من الصحابة: ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيه. تاريخ الطبري 2: 235 حديث السقيفة. السيرة النبوية 6: 78، 79 في أمر سقيفة بني ساعدة. وغيرها من المصادر.
(2)السنن الكبرى للبيهقي 8: 148 كتاب قتال أهل البغي: جماع أبواب الرعاة: باب الاستخلاف. مسند أبي عوانة 4: 374 مبتدأ كتاب الأمراء: ذكر الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف والدليل على أن المستخلف خليفة يكون عليه مثل وزره فيما يأتي إلى رعيته مما لا يجوز. مسند أبي يعلى 1: 182 في مسند عمر بن الخطاب. وغيرها من المصادر.
-[ 176 ]-
بل يزيد بعضهم، فيؤكد ذلك شارحاً خطورة الإهمال بالنحو الذي ذكرناه في حق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). يقول عبدالله بن عمر عن أبيه في حديث له:
"فدخلتُ عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره.
قال: ثم قلتُ له: إني سمعتُ الناس يقولون مقالة، فآليتُ أن أقولها لك:
زعموا أنك غير مُسْتَخْلِفٍ. وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشد.
قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إلي فقال:
إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف، وإنْ أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف..." (1).
وعن عائشة أنها قالت لعبد الله بن عمر بعد أن طعن:
"يا بني أبلغ عمر عني سلامي، وقل له:
لا تَدَعْ أُمَّةَ محمدٍ بلا راعٍ، اسْتَخْلِف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً، فإني أخشى عليهم الفتنة.
فأتى عبد الله وأعلمه" (2).

نتائج الإهمال المزعوم
ثم ماذا كانت المحصلة مِن هذا الإهمال المزعوم؟! وإلى أين انتهى أمر الخلافة نظريّاً بين فقهاء الجمهور، حيث لا يقف خلافهم في شروطها وقيودها عند حدود.
وعمليّاً بين الطامعين والانتهازيين، حتى تسنّم ذروة الحكم مَن هو في
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 3: 1455 كتاب الإمارة: باب الاستخلاف وتركه، واللفظ له. مسند أحمد 1: 47 في مسند عمر بن الخطاب. مسند أبي عوانة 4: 375 مبتدأ كتاب الأمراء: ذكر الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف والدليل على أن المستخلف خليفة يكون عليه مثل وزره فيما يأتي إلى رعيته مما لا يجوز. السنن الكبرى للبيهقي 8: 148 كتاب قتال أهل البغي: جماع أبواب الرعاة: باب الاستخلاف. المصنف لعبدالرزاق 5: 448 كتاب المغازي: قول عمر في أهل الشورى. حلية الأولياء 1: 44 في ترجمة عمر بن الخطاب. وغيرها من المصادر.
(2) الإمامة والسياسة 1: 28.
-[ 177 ]-
حضيض الجريمة والظلم والطغيان، ومَن لا تلتقي بذمِّهم الشفتان.
وجرى بسبب ذلك أنهار الدماء في الحروب والفتن التي وقعت في صدر الإسلام، وأريقت أزكاها - كدماء أمير المؤمنين والحسين والصفوة من أهل البيت (صلوات الله عليهم)، ومن دونهم طبقة بعد طبقة - مع عظم أهمية الدماء في الإسلام. كما انتهك بسببه من الحرمات ما لا يحصى عددًا، ولا يقف عند حد، كحرمة الكعبة المعظمة والحرمين الشريفين فما دونها.
كل ذلك في مدة قصيرة، والصحابة الذين عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متوافرون، وهم قد رأوا سلطانه وحكمه وعدله، وسمعوا تعاليمه وإرشاداته، وتوقعاته بالفتن المقبلة.
ثم التهاون بالدين والتسافل في المُثُل، وضعف الكيان الإسلامي على مرّ العصور وتعاقب الدهور، حتى انتهى الأمر إلى ما هو عليه اليوم من الوهن والهوان، والتفكك والامتهان، بنحو لا يحتاج إلى شرح وبيان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.


عدل سابقا من قبل تراب أقدام المهدي في الخميس أغسطس 16, 2012 9:13 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 6:48 am

أمد رفعة الإسلام وتكامله
وبالمناسبة قال ابن أبي الحديد: "وروى أبو جعفر الطبري في تاريخه، قال: كان عمر قد حجر على أعلام قريش مِن المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل.
فشكوه، فبلغه. فقام فخطب فقال:
ألا إني قد سننتُ الإسلامَ سنَّ البعير، يبدأ فيكون جذعًا، ثم ثنيًّا، ثم يكون رباعيًّا، ثم سديسًأ، ثم بازلاً. ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان؟ ألا وإنّ الإسلام قد صار بازلاً وإنّ قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله معونات على ما في أنفسهم. ألا إنّ في قريش مَن يضمر الفرقة، ويروم خلع الربقة، أما وابن الخطاب حيّ فلا، إني قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش
-[ 178 ]-
وحجزها أنْ يتهافتوا في النار" (1).
فانظر إليه كيف يقيم وضع الإسلام ويراه قد صار بازلاً ينتظر به النقصان. ومِن القريب أن يكون قد قال ذلك حدود سنة عشرين مِن الهجرة النبوية التي هي مبدأ نشاط الإسلام. فلو سلّمنا له تكامل الإسلام في ذلك الوقت، وغضضنا النظر عن السلبيات التي مُنِيَ بها في تلك المدة القصيرة، فهل مِن الإنصاف أنْ يكون أمد تكامله عشرين سنة، ثم يُنتظَر بعدها نقصانه، وهو دين الله العظيم الذي ختم به الأديان، والذي يفترض فيه البقاء إلى يوم القيامة، لتهتدي به البشرية، وتنهل من معينه، وتنعم بخيراته.
وهل من المعقول أن يكون الله عز وجل حينما رضي هذا الدين للبشرية في عصورها الطويلة، وأكمل تشريعاته القويمة، قد شرعه بنحو يكون تكامله عشرين سنة، ثم يبدأ بالنقصان والنزول؟!
أليس مِن أهم محن الإسلام أمر الخلافة والسلطان؟ كما أشار إليه عمر في خطبته المتقدمة، ويشهد به واقع الإسلام الذي حصل.

فَشَلُ نظريةِ عدمِ النّص دليلٌ على وجوده
والإنصاف أنه لو لم يكن مِن دليلٍ على وجود النص إلا فشل نظرية عدم النص عمليًّا، وما جرَّت على الإسلام والمسلمين من مآس وويلات، لكفى حجة من الله تعالى على المسلمين، لا يَقِف أمامَها استبعادُ تجاهل عموم الصحابة للنص، وخروجهم عليه، مهما أحيطوا به مِن هالة التعظيم والتقديس ((قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)) (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 11: 12. و هو الموجود في تاريخ الطبري 2: 679 في ذكر بعض من سير عثمان بن عفان (رضي الله عنه) مع تغيير بسيط، إلا أنه قد حذفت منه: "إن في قريش من يضمر الفرقة، ويروم خلع الربقة". ويوجد في تاريخ دمشق 39: 302 في ترجمة عثمان بن عفان، والفتنة ووقعة الجمل: 75، وكنز العمال 14: 75 حديث: 37977.
(2) سورة الأنعام الآية: 149.
-[ 179 ]-
الوجه الثاني: أنّ مِن الغريب جدّاً أنْ تَسْتَكْثِر على عموم الصحابة إغفالَ النص الشرعي وتجاهله..

مخالفة الصحابة للنص في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أولاً: بعد حادثة صلـح الحديبية،حيث تظافرت الأحاديث بأنّ جمهور الصحابة الذين كانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها قد ثارت ثائرتهم ضد الصلـح الذي أقره (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قريش. وحينما أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنحر والحلق، وكرر ذلك، لم يستجيبوا له.
وكذا في حجة الوداع حينما أمرهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإحلال من الإحرام وجعلها عمرة، وبذلك شرعت عمرة التمتع وحجه. حيث لم يستجيبوا له، وأنكروا عليه.
فراجع تفصيل الحادثتين في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، وفي بقية كتب الحديث والتاريخ، تجدهم قد خالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتصامُّوا عن أمره، مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان بين أظهرهم، يحاول حملهم على تنفيذ حكمه، والعمل بقوله، حتى غضب مِن ذلك. ولم يكن لهم مِن مصالـح شخصية في ردهم عليه، إلا رأيٌ رأوه.
كما خالفه كثير منهم، ولم يرعوا حرمته وكرامته (صلى الله عليه وآله وسلم)، في كثير من الموارد، تقدم هناك التعرض لبعضها. خصوصاً تقاعسهم عن تنفيذ بعث أسامة الذي شدد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، ومنعهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن كتابة الكتاب الذي يعصم أمته في جميع العصور من الضلال في رزية الخميس المشهورة، وقد تقدمت الإشارة إليهما هناك.
فكيف يستبعد بعد ذلك تجاهلهم للنص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلوّ الجوّ لهم؟! وهم بين منتفع بذلك أعظم المنافع
-[ 180 ]-
الدنيوية، وطالب للعافية لا يهون عليه التضحية في سبيل تنفيذ النص.

أحاديث الحوض والفتن المنذرة بخطورة الموقف
وثانياً: بعد مثل نصوص الحوض المتظافرة والتي أشرنا في جواب السؤال المذكور إلى قسم منها- ولاسيما مع ما في بعضها مِن أنه لا يبقى منهم إلا مثل همل النعم، إشارةً إلى قلة الناجين منهم- وبعد الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الكثيرة المحذرة مِن الفتن التي سوف يتعرضون لها،والمؤشرة على شدة المحنة وخطورة الموقف. وقد ذكرنا كثيراً منها هناك.

ما حدث في الأمم السابقة
ولاسيما بعد مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) - المتقدم هناك -:
"لتتبعن سنن مَن كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم.
قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟!".
مع وضوح حال ما حصل في الأمم السابقة في مخالفتها لأنبيائها (عليهم السلام). خصوصاً اليهود، الذين تضمن الكتاب الكريم زيغهم مرتين.أشار إلى الأولى في قوله تعالى: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) (1).
والثانية هي اتخاذهم العجل الذي تعرضت له آيات كثيرة، وتضمنته توراتهم المتداولة.
كما تضمن الكتاب المجيد في سورة الإسراء أنهم سوف يفسدون في الأرض مرتين، ويعلُنَّ علواً كبيرًا، وأن عواقبهما تكون عليهم وخيمة.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف الآية: 138.
-[ 181 ]-
قد خولفت النصوص وإنْ لم تكن دليلاً على الإمامة
وثالثاً: لأنّ ما ورد في حق أمير المؤمنين، والصديقة فاطمة الزهراء، وأهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) عمومًا، قد خولف على كلّ حال، سواءً كان نصّاً في خلافة أمير المؤمنين أم لم يكن، كحديث الثقلين القاضي بوجوب التمسك بأهل البيت (صلوات الله عليهم)، الذي تقدم الحديث عنه في جواب السؤال السادس من الأسئلة السابقة.ومثله حديث: "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "أنا سلم لمَن سالمتم، وحرب لمَن حاربتم" (2)... إلى
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 373 كتاب التفسير: تفسير سورة هود، واللفظ له، 3: 163 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). مجمع الزوائد 9: 168 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). مسند البزار 9: 343 فيما روى سعيد بن المسيب عن أبي ذر. المعجم الأوسط 4: 10، 5: 355، 6: 85. المعجم الصغير 1: 240، 2: 84. المعجم الكبير 3: 45، 46 في بقية أخبار الحسن بن علي (رضي الله عنهم)، 12 :34 فيما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس. مسند الشهاب 2: 273، 274 الباب الحادي عشر: الجزء العاشر. فيض القدير 2: 519. حلية الأولياء 4: 306 في ترجمة سعيد بن جبير. تاريخ بغداد 7: 336 في ترجمة الحسن ابن أبي طيبة القاضي المصري، 12: 91 في ترجمة علي بن محمد بن شداد. فضائل الصحابة لعبدالله بن أحمد بن حنبل 2: 785. وغيره.
(2) سنن ابن ماجة 1: 52 في فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، واللفظ له. صحيح ابن حبان 15: 434 كتاب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم (رضي الله عنهم أجمعين): ذكر البيان بأن محبة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) مقرونة بمحبة فاطمة والحسن والحسين وكذلك بغضه ببغضهم. سنن الترمذي 5: 699 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : باب فضل فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). المستدرك على الصحيحين 3: 161 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). المصنف لابن أبي شيبة 6: 378 كتاب الفضائل: ما جاء في الحسن والحسين. مجمع الزوائد 9: 169 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). المعجم الأوسط 3: 179، 5: 182، 7: 197. معجم الشيوخ: 133فيما رواه محمد بن عمار بن محمد بن عاصم بن مطيع العجلي أبو جعفر،: 380 فيما رواه أبو بكر الغزال. المعجم الصغير 2: 53. المعجم الكبير 3: 40 في بقية أخبار الحسن بن علي (رضي الله عنهم)، 5: 184 فيما روى زيد بن أرقم. أمالي المحاملي: 447. سير أعلام النبلاء 2: 122، 125 في ترجمة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، 3: 258 في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب، 10: 432 في ترجمة أبي غسان النهدي مالك بن إسماعيل بن درهم. تهذيب الكمال 13: 112 في ترجمة صبيح مولى أم سلمة. تاريخ بغداد 7: 137 في ترجمة تليد بن سليمان المحاربي. وغيرها من المصادر.
-[ 182 ]-
غير ذلك مما ورد في حق أهل البيت (عليهم السلام) عمومًا.
وكذا حديث الغدير القاضي بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم، كما سبق.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "عليٌّ مع الحق والحق مع علي" (2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "رحم الله عليّاً اللَّهم أدر الحق معه حيث دار" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 9: 134 كتاب المناقب: باب الحق مع علي (رضي الله عنه). المستدرك على الصحيحين 3: 134 كتاب معرفة الصحابة: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). المعجم الصغير 2: 28. فيض القدير 4: 356. المعجم الأوسط 5: 135. الفردوس بمأثور الخطاب 3: 230. تاريخ الخلفاء: 173 في ترجمة علي بن أبي طالب: فصل في الأحاديث الواردة في فضله. إجمال الإصابة: 55. الجامع الصغير 2: 177 حديث:5594. كنز العمال 11: 603 حديث:32912 في فضائل علي (رضي الله عنه). ينابيع المودة 1: 124، 2: 96، 396، 403. النصائح الكافية: 215. المناقب للموفق الخوارزمي: 177. وغيرها من المصادر.
(2) مجمع الزوائد 7: 235 كتاب الفتن: باب فيما كان في الجمل وصفين وغيرهم. تاريخ بغداد 14: 320 في ترجمة يوسف بن محمد بن علي أبي يعقوب المؤدب. تاريخ دمشق 20: 361 في ترجمة سعد بن مالك بن أبي الوقاص، 42: 449 في ترجمة علي بن أبي طالب. الإمامة والسياسة 1: 68 التحام الحرب. ينابيع المودة 1: 173. وغيرها من المصادر. وقريب منه في مسند أبي يعلى2: 318 من مسند أبي سعيد الخدري.
(3) سنن الترمذي 5: 633 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). المعجم الأوسط 6: 95. مسند البزار 3: 52 ومما روى أبو حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيدبن حيان عن أبيه عن علي. فيض القدير 2: 236، 4: 19. تذكرة الحفاظ 3: 844 في ترجمة ابن الأنباري. سير أعلام النبلاء 15: 279 في ترجمة ابن الأنباري. المستدرك على الصحيحين 3: 134 كتاب معرفة الصحابة: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). الكامل في ضعفاء الرجال 6: 445 في ترجمة مختار بن نافع. الضعفاء للعقيلي 4: 210 في ترجمة مختار ابن نافع التمار. المجروحين 3: 10 في ترجمة مختار بن نافع التيمي. تهذيب الكمال 10: 402 في ترجمة سعيد بن حيان التيمي. العلل المتناهية 1: 255. الرياض النضرة 1: 243 الباب الرابع فيما جاء مختصاً بالأربعة الخلفاء: ذكر وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل واحد منهم وثنائه عليه ودعائه له والحث على محبته ولعن مبغضه. مسند أبي يعلى 1: 418 مسند علي بن أبي طالب ولكن بدل (حيث دار) (كيف دار). وغيرها من المصادر.
-[ 183 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "عليٌّ منِّي وأنا مِن عليّ، لا يؤدّي عنّي إلا أنا أو عليّ" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون مِن موسى إلا أنه ليس نبيٌّ بعدي" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سنن الترمذي 5: 636 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : في باب لم يعنونه بعد باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، واللفظ له. سنن ابن ماجة 1: 44 في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). السنن الكبرى للنسائي 5: 45 فضائل أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم). مسند أحمد 4: 165 في حديث حبشي بن جنادة (رضي الله عنه). الآحاد والمثاني 3: 183 في حديث حبشي بن جنادة السلولي (رضي الله عنه). المعجم الكبير 4: 16 فيما رواه حبشي بن جنادة السلولي. السنة لابن أبي عاصم 2: 566، 598. تذكرة الحفاظ 2: 455 في ترجمة سويد بن سعيد الحافظ. كشف الخفاء 1: 236. تهذيب الأسماء 1: 318. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 599. سير أعلام النبلاء 8: 212 في ترجمة شريك بن عبد الله. تاريخ دمشق 42: 345 في ترجمة علي بن أبي طالب. وغيرها من المصادر.
(2) صحيح البخاري 4: 1602 كتاب المغازي: باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، واللفظ له، 3: 1359 كتاب فضائل الصحابة: باب مناقب علي بن أبي طالب. صحيح مسلم 4: 1870، 1871 كتاب فضائل الصحابة (رضي الله عنهم) : باب فضائل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). صحيح ابن حبان 15: 15 باب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عما يكون في أمته من الفتن والحوادث: ذكر نفي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) كون النبوة بعده إلى قيام الساعة. المستدرك على الصحيحين 2: 367 كتاب التفسير: تفسير سورة التوبة، 3: 117 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)،: 143 كتاب معرفة الصحابة: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). الأحاديث المختارة 3: 207 فيما رواه عبدالرحمن بن سابط عن سعد (رضي الله عنه). وغيرها من المصادر الكثيرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 6:52 am

-[ 184 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "أُوحِيَ إليّ في عليٍّ ثلاثة أشياء ليلة أسري بي أنه سيد المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين" (1). وقد وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه أمير المؤمنين في عدة مواضع (2).
بل في حديث بريدة قال: "أمرنا رسول الله أن نسلم على عليٍّ بأمير المؤمنين ونحن سبعة. وأنا أصغر القوم يومئذ" (3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "عليٌّ ولِيُّكم بعدي" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الصغير 2: 192، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 121 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب جامع في مناقبه (رضي الله عنه). المستدرك على الصحيحين 3: 148 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". أسد الغابة 1: 69 في ترجمة أسد بن زرارة الأنصاري، 3: 116 في ترجمة عبد الله بن أسعد بن زرارة الأنصاري. تاريخ دمشق 42: 302،303 في ترجمة علي بن أبي طالب. معجم الصحابة 1: 70 في ترجمة أبجر بن غالب المزني، 2: 112 في ترجمة عبد الله بن زرارة بن عدس. موضح أوهام الجمع والتفريق 1: 183، 184،185،186 في الوهم الثالث والستون. الفردوس بمأثور الخطاب 5: 315 فصل في علي بن أبي طالب. حلية الأولياء 1: 63 في ترجمة علي بن أبي طالب. تاريخ بغداد 11: 112 في ترجمة عبد الجبار بن أحمد بن عبيد الله السمسار، 13: 122 في ترجمة المفضل بن سلم. كشف الخفاء 2: 456. كنز العمال 11: 619،620. ينابيع المودة 2: 162. ميزان الاعتدال 7: 207 في ترجمة يحيى بن العلاء البجلي. الكامل في ضعفاء الرجال 7: 199 في ترجمة يحيى بن العلاء الرازي. وغيرها من المصادر.
(2) تاريخ دمشق 42: 303،386 في ترجمة علي بن أبي طالب. المناقب للخوارزمي: 85. موضح أوهام الجمع والتفريق 1: 185. الفردوس بمأثور الخطاب 5: 364. حلية الأولياء 1: 63 في ترجمة علي بن أبي طالب. لسان الميزان 1: 107 في ترجمة إبراهيم بن محمد بن ميمون. ميزان الاعتدال 1: 191 في ترجمة إبراهيم بن محمد ابن ميمون. وغيرها من المصادر.
(3) تاريخ دمشق 42: 303 في ترجمة علي بن أبي طالب.
(4) مجمع الزوائد 9: 128 كتاب المناقب: باب منه جامع فيمن يحبه ويبغضه. السنن الكبرى للنسائي 5: 133 كتاب الخصائص: ذكر خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : ذكر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي وليكم بعدي. المعجم الأوسط 6: 163. مسند أحمد 5: 356 في حديث بريدة الأسلمي (رضي الله عنه). الفردوس بمأثور الخطاب 5: 392. فتح الباري 8: 67. تحفة الأحوذي 10: 146،147. فيض القدير 4: 357. الإصابة 6: 623 في ترجمة وهب بن حمزة. الرياض النضرة 2: 187. تاريخ دمشق 42: 189 في ترجمة علي بن أبي طالب. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 688.البداية والنهاية 7: 344،346أحداث سنةأربعين من الهجرة:تزويجه فاطمة الزهراء (رضي الله عنه).
-[ 185 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "يا عليّ مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك يا عليّ فقد فارقني" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني" (2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "أنتَ تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه مِن بعدي" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 133 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له، وقال بعد ذكر الحديث: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"،: 158 ذكر البيان الواضح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بقي من خواص أوليائه جماعة وهجرهم.... مجمع الزوائد 9: 135 كتاب المناقب: باب الحق مع علي (رضي الله عنه). مسند البزار 9: 455 فيما رواه معاوية بن ثعلبة عن أبي ذر. معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي 3: 800. المعجم الكبير 12: 423 فيما رواه مجاهد عن ابن عمر. فضائل الصحابة 2: 570. فيض القدير 4: 357. ميزان الاعتدال 3: 30 في ترجمة داود بن أبي عوف،: 75 في ترجمة رزين بن عقبة. تاريخ دمشق 42: 307 في ترجمة علي بن أبي طالب. وغيرها من المصادر.
(2) المستدرك على الصحيحين 3 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه) : 131، واللفظ له، وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"،: 139. معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي 1: 485. الكامل في ضعفاء الرجال 4: 349 في ترجمة عبادة بن زياد. تاريخ دمشق 42: 307 في ترجمة علي بن أبي طالب. وغيرها من المصادر.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 132 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له، وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". تاريخ دمشق 42: 387 في ترجمة علي بن أبي طالب. الفردوس بمأثور الخطاب 5: 332،: 364. حلية الأولياء 1: 64 في ترجمة علي بن أبي طالب. ميزان الاعتدال 3: 449 في ترجمة ضرار بن صرد. الكشف الحثيث 1: 138. المجروحين لابن حبان 1: 380 في ترجمة ضرار بن صرد. وغيرها من المصادر.
-[ 186 ]-
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): "ومَن آذى عليّاً فقد آذاني" (1).
كما خولف قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): "فاطمة بضعةٌ منّي يريبني ما يريبه، ويؤذيني ما آذاها" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح ابن حبان 15: 365 كتاب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم (رضي الله عنهم أجمعين): ذكر البيان بأن أذى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مقرون بأذى المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم). المستدرك على الصحيحين 3: 131 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). الأحاديث المختارة 3: 267،268 فيما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه (رضي الله عنهم). موارد الظمآن: 543. مجمع الزوائد 9: 129 كتاب المناقب: باب منه جامع فيمن يحبه ويبغضه. المصنف لابن أبي شيبة 6: 371 فضائل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). مسند الشاشي 1: 134. مسند البزار 3: 366 فيما رواه قنان بن عبد الله النهمي عن مصعب عن أبيه. مسند أحمد 3: 483 في حديث عبد الله بن أرقم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). مسند الروياني 2: 451. مسند الحارث 2: 904. مسند أبي يعلى 2: 109. البيان والتعريف 2: 203. التاريخ الكبير 6: 306 في ترجمة عمرو ابن شاس الأسلمي (رضي الله عنه). الجرح والتعديل 6: 237 في ترجمة عمرو بن شاس الأسلمي. مشاهير علماء الأمصار: 35 في ترجمة عمرو بن شماس الأسلمي. الثقات 3: 273 في ترجمة عمرو بن شاس الأسلمي. التدوين في أخبار قزوين 3: 390. معجم الصحابة 2: 201 في ترجمة عمرو بن شاس بن أبي بلي. الاستيعاب 3: 1101 في ترجمة علي بن أبي طالب،: 1183 في ترجمة عمرو بن شأس بن عبيد. الإصابة 4: 646 في ترجمة عمرو بن شأس الأسدي. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 579،633. تاريخ الخلفاء: 173 في ترجمة علي بن أبي طالب: فصل في الأحاديث الواردة في فضله. أنساب الأشراف 2: 379وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). وغيرها من المصادر.
(2) تفسير ابن كثير 3: 257، واللفظ له. صحيح البخاري 5: 2004 كتاب النكاح: باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف. صحيح ابن حبان 15: 406 كتاب إخباره0 عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم (رضي الله عنهم أجمعين): ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينكح علي على فاطمة ابنته. مسند أبي عوانة 3: 70 باب ذكر الخبر المبيح لوالد المرأة أن يمتنع من الإذن لزوج الابنة أن يتزوج بامرأة أخرى ويقوم بمنعه عن التزويج عليها أو طلاقها والدليل على أن له أن يشكو زوج ابنته إلى إخوانه وأصحابه. سنن الترمذي 5: 698 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : باب فضل فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). السنن الكبرى للبيهقي 7: 307 كتاب القسم والنشوز: باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، 10: 288 كتاب العتق: باب من يعتق بالملك. سنن أبي داود 2: 226 كتاب النكاح: باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء. سنن ابن ماجة 1: 643 كتاب النكاح: باب الغيرة. معتصر المختصر 1: 307 كتاب النكاح: في كراهة التزوج على فاطمة. المعجم الكبير 22: 404 في مناقب فاطمة (رضي الله عنه). الفردوس بمأثور الخطاب 1: 232. حلية الأولياء 2: 40 في ترجمة الحسين بن علي، 7: 325. سير أعلام النبلاء 2: 119 في ترجمة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، 5: 90 في ترجمة ابن أبي مليكة. تهذيب التهذيب 12: 468 في ترجمة فاطمة الزهراء. تهذيب الكمال 22: 599 في ترجمة عيسى بن حماد بن مسلم، 35: 250 في ترجمة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). معجم الصحابة 3: 110 في ترجمة المسور بن مخرمة. صفوة الصفوة 2: 13 في ترجمة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). معجم المحدثين: 9. غوامض الأسماء المبهمة 1: 340 في ترجمة العوراء أو جويرية بنت أبي جهل. المغني 10: 186 مسألة قال ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 756. فضائل الصحابة للنسائي: 78. وغيرها من المصادر.
-[ 187 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها: "إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك" (1)، على اختلاف ألفاظ ذلك وتقارب معانيه، مع تواتره إجمالاً... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، ولا مجال لإنكاره بعد تواتره تفصيلاً أو إجمالاً، بل زاد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 167 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). مجمع الزوائد 9: 203 كتاب المناقب: باب مناقب فاطمة (رضي الله عنه) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).الآحاد والمثاني 5: 363 أول ذكر النساء من هذا الكتاب وأوله ذكر فاطمة ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). المعجم الكبير 1: 108 فيما أسند علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، 22: 401 في مناقب فاطمة (رضي الله عنه). ميزان الاعتدال 2: 289 في ترجمة الحسين بن زياد بن علي بن الحسين بن علي العلوي، 4: 185 في ترجمة عبدالله بن محمد ابن سالم القزاز. الكامل في ضعفاء الرجال 2: 351 في ترجمة الحسين بن زيدبن علي. التدوين في أخبار قزوين 3: 11. الإصابة 8: 57 في ترجمة فاطمة الزهراء. تاريخ دمشق 3: 156 في باب ذكر بنيه وبناته (عليه الصلاة والسلام) وأزواجه. الذرية الطاهرة: 120.
-[ 188 ]-
على التواتر بمراتب.
وتلك الأحاديث - سواء كانت، أو كان بعضها، نصّاً في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أم لم تكن - قد خُولِفَت يوم السقيفة وما تبعه مِن أحداث، بالهجوم على بيت أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة فاطمة (عليه السلام)، وانتهاك حرمتهما، وإيذائهما، وإغضابهما، وبمحاولة إرغام أمير المؤمنين (عليه السلام) على البيعة، وجعله تابعاً مطيعًا، بدلاً من الرجوع إليه في ذلك الخلاف، وتحكيمه في الحق والباطل منه، وطاعته فيما يقول.
وكذا بخذلانه وترْكه بدلاً مِن التمسك به وبأهل بيته (عليهم السلام)، وركوب سفينتهم.
وبالولاية والتآمر عليه بدلاً مِن الخضوع لولايته وإمرته، فأصبح فيهم مستضعفًا، كما استضعف هارون (عليه السلام) في بني إسرائيل.
وكذا خولف يوم الشورى، حيث حكم عبدالرحمن بن عوف في أمر أمير المؤمنين (عليه السلام)، بدلاً مِن تحكيمه (عليه السلام) في الأمر، وأُمِر أبو طلحة الأنصاري بقتله (عليه السلام) إنْ أصرّ على الخلاف، وأُرْغِم (عليه السلام) بالآخرة على بيعة عثمان، وصار مُوَلًّى عليه مأموراً بدلاً مِن أنْ يكون هو الوليّ والأمير... إلى غير ذلك.
بل لا يشك الناظر في سيرة الأولين في كثرة مخالفتهم للنصوص، وخروجهم عنها، في تفاصيل يطول شرحها. وقد تكفلت بها كتب كثيرة، لا يهمّنا فعلاً استقصاؤها.
فإذا أمكن مِن الصحابة مخالفة تلك النصوص الشريفة والتغافل عنها إذا لم تكن نصّاً في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإمامته، أمكن منهم مخالفة النصّ على إمامته وخلافته (عليه السلام) من هذه الأحاديث، أو غيرها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 6:56 am

-[ 189 ]-
مخالفة الأنصار للنص على أنّ الأئمة مِن قريش
بل لا ريب في أنّ الأنصار - وهم ذوو السبق للإسلام والنصرة له، والعدد الكبير فيه - قد خالفوا في محاولتهم بيعة سعد بن عبادة نصَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المشهور بأن الأئمة من قريش (1).
نعم قد أنكر جماعة مِن قريش عليهم مخالفةَ النص المذكور، حتى قال عمرو بن العاص:
"كادوا والله أنْ يَحُلُّوا حبْلَ الإسلام كما قاتلوا عليه، ويُخْرِجوا منه مَن أدخلوا فيه. والله لئن كانوا سمعوا قولَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الأئمة من قريش. ثم ادّعوها لقد هلكوا، وأهلكوا. وإنْ كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين" (2).
لكن إنكارهم عليهم ذلك إنما كان لأنه يضر بمصالحهم، ويفشل مخططهم، ولذا لم يُبَالِ عمرُ بالخروج عنه، ولا أنكر عليه غيرُه، حينما قال بعد أنْ طُعن وأشرف على الموت:
"ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته..." (3)
وكذا قوله: "لو أدركتُ معاذ بن جبل فاستخلفتُه فلقيتُ ربي فسألني..." (4)
مع وضوح أنّ سالماً ومعاذاً المذكورين ليسا مِن قريش.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تقدمت مصادره في بداية جواب هذا السؤال في: 173.
(2) شرح نهج البلاغة 6: 29.
(3) تاريخ الطبري 2: 580 قصة الشورى، واللفظ له. العقد الفريد 4: 255 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: أمر الشورى في خلافة عثمان ابن عفان. تاريخ دمشق 58: 404، 405 في ترجمة معاذ بن جبل. مقدمة ابن خلدون: 194 الفصل السادس والعشرون في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب وشروطه. حلية الأولياء 1: 177 في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة. صفوة الصفوة 1: 388. كشف الخفاء 2: 428. وغيرها من المصادر.
(4) تاريخ دمشق 58: 404، واللفظ له.: 403 في ترجمة معاذ بن جبل. مسند أحمد 1: 18 في مسند عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). فتح الباري 13: 119. تحفة الأحوذي 6: 399. فيض القدير 3: 190. صفوة الصفوة 1: 367. وغيرها من المصادر.
-[ 190 ]-
ومِن هنا لا يُستبعَد مِن الكلّ الإقدام على مخالفة النص حين تَخْدُم مخالفتُه مصالحَهم، ولا تضرّ بها، وإنما تضر بأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم المستضعَفون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يأتي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).
والحاصل: أنه بعد أنْ ثبت مخالفتهم للنصوص الكثيرة وتجاهلهم لها، وإنْ لم تكن دالة على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإمامته، فلا مجال لاستبعاد تجاهلهم للنص على إمامته وخلافته، إذا كان موجودًا، كما تقول الشيعة.

تَنَبُّؤ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمخالفتهم النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)
بل قد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التنبؤ بموقف أصحابه مِن النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتوقُّع عدم جريهم عليه، وتفرُّقهم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو نصَبه عَلَماً لهم، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم بنفسياتهم، وما تنطوي عليه ضمائرهم، وما تؤول إليه أمورهم.
فحينما عزَمَت عائشة على الخروج إلى البصرة حاوَلَت أنْ تحْمِل أمَّ سلمة على الخروج معها، فأَبَت أمُّ سلمة، وحاولت أن تُثْنِيها عن عزمها، وذكَّرَتْها بأمورٍ في حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان فيما قالت:
"وأذكِّرك أيضًا، كنتُ أنا وأنتِ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر له، وكان عليٌّ يتعاهد نعْلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبت له نعل، فأخذها يومئذ يخصفها، وقعد في ظل سمرة. وجاء أبوك ومعه عمر، فاسْتأذنا عليه، فقمْنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه فيما أرادا، ثم قالا:
يا رسول الله، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا مَن يستخلف علينا، ليكون لنا بعدك مفزعًا.
فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه. ولو فعلتُ لتفرقتم عنه، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران.
فسكت، ثم خرج.
فلمّا خرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قلتِ له - وكنتِ أجرأ عليه منا -: مَن
-[ 191 ]-
كنتَ يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟
فقال: خاصف النعل.
فنظرنا، فلم نر أحداً إلا عليًّا
فقلتِ: يا رسول الله، ما أرى إلا عليًّا
فقال: هو ذاك.
فقالت عائشة: نعم أَذْكُر ذلك" (1).
وعلى ذلك لا يتجّه استبعاد وجود النص مِن أجل استبعاد إغفال عموم الصحابة له، بل يتعين النظر في دعوى النص ودليلها بموضوعية كاملة، وتجرُّد عن التراكمات، ثم تحكيم الوجدان في أنّ ما تذكره الشيعة مِن النصوص على إمامة أمير المؤمنين وأولاده (صلوات الله عليهم أجمعين) لو كان وارداً في حقّ غيرهم ممّن يحاول الجمهور تصحيح خلافته، فهل يجعله الجمهور دليلاً على خلافة ذلك الغير، أو لا؟
والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:04 am

الذين أقدموا على مخالفة النص جماعة قليلة
الوجه الثالث: أنّ النص إذا كان موجوداً - كما تقول الشيعة - فالذي تَعَمَّدَ مخالفتَه والتغافلَ عنه جماعةٌ قليلة قادت الانقلابَ على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأصرَّت على مقاومته، وصرْف الخلافة عنه.
أما الباقون فهم لم يقدموا على مخالفة النص، ولا على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنما تعاملوا مع ما حصل كحقيقةٍ قائمة، إمّا لعدم الاهتمام بالنص والحق، أو طلباً للعافية، أو لليأس مِن انتصار المنصوص عليه وإرجاع الحقّ إلى نصابه، أو لاستبعاده، أو لغير ذلك.

طبيعة المجتمعات البشرية في مواجهة الانقلابات
وهذا هو المعلوم بالوجدان مِن طبيعة المجتمعات البشرية في مواجهة الانقلابات والتغيرات المرتجلة، والتعامل معها، فإنّ الذي يتعمّد التغييرَ وانتهاكَ الشرعية والقانون، ويخطّط له وينفّذه، هم فئة قليلة، وهي المنتفعة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 6: 218.
-[ 192 ]-
بذلك، ثم تعتمد على الهمج الرعاع والانتفاعيّين في تثبيت مخططها.
وبعد أنْ تُفاجِئ مجتمعاتها بذلك، فالذي يُنكِر عليها، ويتصدى لمخططاتها المتضرِّرون بمخالفة الشرعية، ويعضدهم ذوو المبادئ الذين يهمُّهم تطبيق التشريع، وسيادة القانون، ويستعدّون للتضحية في سبيلهما، وهم في أغلب الأحوال قليلون.
أما الباقون فهم بيْن متفرِّج لا تهمّه الشرعية، ومنكرٌ في نفسه لانتهاكها، إلا أنه يصعب عليه التضحية مِن أجل التغيير وإرجاع الحق إلى نصابه، جبْناً وهلعًا، أو مستعد للتضحية، إلا أنه يتقاعس، ليأسه عن إمكانية التغيير والحفاظ على الشرعية، حسب موازنته بين القوى المتصارعة.

دعوى اتفاق أهل المدينة على بيعة أبي بكر
وقد يحاول البعض دعوى اتفاق أهل المدينة مِن المهاجرين والأنصار وغيرهم على بيعة أبي بكر، وتشييد أمره، عدا أمير المؤمنين (عليه السلام) وجماعة قليلة جدًّا، بنحْوٍ يُوحِي بأنّ النص لو كان موجوداً فالكثرة الكاثرة مِن أهل المدينة قد تعمّدَت مخالفتَه والخروج عليه. وربما اعتقد كثيرٌ مِن الناس بذلك، تفاعلاً مع الصورة الإعلامية الضخمة، مِن دون نظرة استقلالية فاحصة.

شواهد بطلان الدعوى المذكورة
لكنها دعوى مخالفة للواقع، لا تناسب ما حصل مِن أحداث وملابسات،فقد تظافرت الأحاديث بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة (1). وأهون ما قيل في معنى فلتة أنها كانت مباغتة مِن دون مشورة، كما يشهد به ما ذكره المؤرخون في كيفية حصولها، حيث يظهر منهم أنّ الذين أقدموا عليها،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تقدمت مصادره في أوائل الجواب عن هذا السؤال في: 175.
-[ 193 ]-
وعلى مخالفة النص - لو كان - جماعةٌ قليلة، فاجَأُوا بها الناسَ، وجعلوهم أمام الأمر الواقع، مستغلِّين الفرصة نتيجةَ ذهول الناس لهوْل الحدث، وشعورهم بالفراغ لفقْد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم انشغال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وبني هاشم بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويقول اليعقوبي بعد أن شرح ظروف البيعة، وكيفية حصولها:
"وجاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم، وقال: يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر.
فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه، ونحن أولى بمحمد.
وقال العباس: فعلوها وربّ الكعبة.
وكان المهاجرون والأنصار لا يشكُّون في عليٍّ... وتخلف عن بيعة أبي بكر قومٌ مِن المهاجرين والأنصار، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب. ومنهم العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص [كذا في طبعة النجف]، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب" (1).
وممّن تخلف عن بيعته فروة بن عمر الأنصاري، وكان ممّن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقاد فرسين في سبيل الله تعالى، وكان يتصدق من نخله بألف وسق كل عام، وكان سيّداً في قومه، وشاعرًا. وهو من أصحاب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وشهد معه وقعة الجمل (2).
وقال ابن أبي الحديد: "وروى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن إسحاق أنّ أبا بكر لما بُويع افتخرت تيم بن مرة. وقال: وكان عامّة المهاجرين وجُلّ الأنصار لا يَشُكُّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) " (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 124 في خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
(2) شرح نهج البلاغة 6: 28 ـ 29.
(3) شرح نهج البلاغة 6: 21.
-[ 194 ]-
الكلام حول محاولة الأنصار بيعة سعد بن عبادة
بل مِن القريب جدّاً أنْ لا تكون محاولة الأنصار المبادرةَ بالاستيلاء على الخلافة والسلطة، وبيعة سعد بن عبادة، مبنيّةً على مضادَّةِ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتجاهلِ النص عليه، أو تعمُّدِ مخالفته، بل لِتَخَوّفهم مِن مسارعة قريش وأتباعهم بالاستيلاء على الحكم، مضادَّةً للنص، وبُغْضاً لأمير المؤمنين (عليه السلام) - الذي جاهدهم في سبيل الله تعالى، ونكل بهم، والذي يعتبر حكمه امتداداً لحكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وترهم، وقوّض بنيانهم - وضِيقاً مِن شدّته في ذات الله تعالى، ومحافظته على تطبيق أحكامه عز وجل بحدودها، مِن دون هوادة، ولا محاباة، ولا رخصة.

نشاط المنافقين والطلقاء
فقد ظهرت بوادر ذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث نشط المنافقون والطلقاء، ومَن تحالف معهم، حتى حاولوا اغتيالَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية العقبة المشهورة، والتي تقدم الحديث عنها في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.
كما ردّوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجاهلوا أوامرَه في كثيرٍ مِن الموارد..
(منه) تخلّفهم عن جيش أسامة مع إصراره (صلى الله عليه وآله وسلم) على تنفيذه.
(ومنه) منعهم له مِن كتابة الكتاب الذي يعصم أمته مِن الضلال. وقد تقدمت الإشارة لهما في جواب السؤال المذكور.
(ومنه) تخلّفهم عنه حين نزل في غدير خم، حتى أنَّبَهم على ذلك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
"أيّها الناس إنّي قد كرهتُ تخلُّفَكم وتنحِّيكم عنّي، حتى خُيِّل إليّ أنه ليس شجرة أبغض إليكم مِن شجرة تَلِينِي" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق 42: 227 في ترجمة علي بن أبي طالب، واللفظ له. العمدة لابن بطريق: 107. مسند الشاميين للطبراني 3: 223 فيما رواه قبيصة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، في الطبعة الموجودة في المعجم الفقهي.
-[ 195 ]-
ولما بلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رجوعه من مكة المكرمة جعلوا يستأذنونه، ويأذن لهم. ثم قال:
"ما بالُ شقِّ الشجرة التي تَلِي رسولَ الله أبغض إليكم مِن الشّقّ الآخر؟!" (1).
(ومنه) مجاهرتهم لأهل بيته بالبغض والشنآن، حتى دخل العباس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "يا رسول الله، إنا لنخرج فنرى قريشاً تَحَدَّثُ، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح ابن حبان 1: 444 باب فرض الإيمان: ذكر كتبة الله جل وعلا الجنة وإيجابها لمَن آمن به ثم سدد بعد ذلك، واللفظ له. مسند أحمد 4: 16 في حديث رفاعة بن عرابة الجهني (رضي الله تعالى عنه). مجمع الزوائد 1: 20 كتاب الإيمان: باب فيمن شهد أن لا إله إلا الله، 10: 408 كتاب أهل الجنة: باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب. مسند الطيالسي: 182 فيما رواه رفاعة بن عرابة الجهني (رضي الله عنه). الآحاد والمثاني 5: 24 رفاعة الجهني (رضي الله عنه). المعجم الكبير 5: 49، 50، 51 رفاعةبن عرابة الجهني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). شعب الإيمان 1 ص364 التاسع من شعب الإيمان وهو باب في أن دار المؤمنين ومأواهم الجنة ودار الكافرين ومآبهم النار: فصل في عذاب القبر وكل معذب في الآخرة من كافر ومؤمن.... حلية الأولياء 6: 286 في ترجمة هشام الدستوائي. تهذيب الكمال 9: 208 في ترجمة رفاعة بن عرابة الجهني. موضح أوهام الجمع والتفريق 2: 520 في ترجمة هلال بن علي العامري. موارد الظمآن 1: 32 كتاب الإيمان: باب فيمن شهد أن لا إله إلا الله.
(2) مسند أحمد 4: 165 في حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب (رضي الله عنه)، واللفظ له. تفسير ابن كثير 4: 114. مجمع الزوائد 1: 88 كتاب الإيمان: باب فيمن حبهم إيمان، 9: 170 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). مسند البزار 6: 131 مسند المطلب بن ربيعة. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 918. معجم الصحابة 2: 194 في ترجمة عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. المعجم الأوسط 5: 52، 7: 373. المعجم الصغير 1: 399. سير أعلام النبلاء 2: 88 في ترجمة العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، 12: 156 في ترجمة الرفاعي محمد بن يزيد بن محمد بن كثير. تهذيب الكمال 33: 340 في ترجمة أبي سبرة النخعي. تاريخ بغداد 3: 376 في ترجمة محمد بن يزيد بن محمد بن كثير. وغيرها من المصادر.
-[ 196 ]-
وفي رواية أخرى: "يا رسول الله إنّ قريشاً إذا لقى بعضها بعضاً لقوها ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1).
وقد تقدم ما يناسب ذلك في أوائل جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.
ويبدو أنّ الأمر انتهى بالآخرة إلى يأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه مِن إصلاح الأوضاع وتدارك الأمر، ففي رواية محب الدين الطبري، قال العباس:
"إني أعلم ما بقاء رسول الله فينا إلا قليل.
قال: فأتاه فقال: يا رسول الله لو اتخذتَ مكاناً تكلم الناس منه، قال:
بل أصبر عليهم ينازعونني ردائي، ويطؤون عنقي، ويصيبني غبارهم، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم" (2)... إلى غير ذلك مما يكشف عن إصرارهم على تجاهل أمره، ومجاهرته بالخلاف، ومجاهرة أهل بيته (عليهم السلام) بالعداء، وتصميمهم على صَرْف الأمْر عنهم.
وأكَّدَ ذلك للأنصار أمران:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 376 كتاب معرفة الصحابة: ذكر إسلام العباس (رضي الله عنه) واختلاف الروايات في وقت إسلامه، واللفظ له، 4: 85 كتاب معرفة الصحابة: ذكر فضائل القبائل. السنن الكبرى للنسائي 5: 51 كتاب المناقب: فضائل علي (رضي الله عنه). سنن الترمذي 5: 652 كتاب كتاب المناقب: باب مناقب العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه). المصنف لابن أبي شيبة 6: 382 كتاب الفضائل: ما ذكر في العباس (رضي الله عنه) عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). مسند البزار 4: 140 ومما روى عبد الله بن الحارث عن العباس. المعجم الكبير 20: 284، 285 فيما رواه مطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. تعظيم قدر الصلاة 1: 453، 455 في حلاوة الإيمان. تهذيب الكمال 14: 228 في ترجمة عباس ابن عبدالمطلب. فضائل الصحابة للنسائي: 22. وغيرها من المصادر.
(2) ذخائر العقبى: 204
-[ 197 ]-
إنذار الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالفتن المقبلة
الأول: إنذار الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالفتن المقبلة، وإخبارهما بوقوعها، وبشدتها، كما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، ومنه قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا)) (1).
حيث روي أنها نزلت لَمّا رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رجالاً ينزون على منبره نزو القردة (2).

إنذار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يجري على الدِّين وأهل بيته
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "هلاك هذه الأمة على يدي أغيلمة مِن قريش" (3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لَتنتقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها،فأوَّلُهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء الآية: 60.
(2) تفسير القرطبي 10: 282،283. تفسير الطبري 15: 112 ـ 113. تفسير ابن كثير 3: 50. تاريخ الطبري 5: 622 في أحداث سنة أربع وثمانين ومائتين. شرح نهج البلاغة 9: 220.
وقد ذكرت الرؤية من دون ذكر نزول الآية في كل من مجمع الزوائد 5: 243 ـ 244 كتاب الخلافة: باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة، ومسند أبي يعلى 11: 348 في تابع مسند أبي هريرة، والعلل المتناهية 2: 701 كتاب النوم: ذكر منامات روي عن رسول الله أنه رآها: منام آخر، والمستدرك على الصحيحين 4: 527 كتاب الفتن والملاحم، وكنز العمال 11: 358 حديث: 31737، وغيرها من المصادر. ورواه مختصراً في سير أعلام النبلاء 2: 108 في ترجمة الحكم بن أبي العاص.
(3) تقدمت مصادره في بداية الجواب عن هذا السؤال في ص 174.
(4) صحيح ابن حبان 15: 111 باب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عما يكون في أمته من الفتن والحوادث: ذكر الإخبار بأن أول ما يظهر من نقض عرى الإسلام من جهة الأمراء فساد الحكم والحكام، واللفظ له. مجمع الزوائد 7: 281 كتاب الفتن: باب نقض عرى الإسلام. مسند أحمد 5: 251 حديث أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان بن عمرو بن وهب الباهلي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). موارد الظمآن 1: 87 كتاب الصلاة: باب فيمن حافظ على الصلاة ومن تركه. المعجم الكبير 8: 98 فيما رواه سليمان بن حبيب المحاربي قاضي عمر بن عبد العزيز عن أبي أمامة صدي بن عجلان. شعب الإيمان 4: 326 الخامس والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في الأمانات وما يجب من أدائها إلى أهله، 6: 69 فصل في فضل الجماعة والألفة وكراهية الاختلاف والفرقة وما جاء في إكرام السلطان وتوقيره. مسند الشاميين 2: 411 ما انتهى إلينا من مسند سليمان بن حبيب المحاربي: سليمان عن أبي أمامة الباهلي. السنة لعبدالله بن أحمد 1: 356. الترغيب والترهيب 1: 216 كتاب الصلاة: الترهيب من ترك الصلاة تعمداً وإخراجها عن وقتها تهاون. تعظيم قدر الصلاة 1: 415 الأحاديث التي تدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان. الفردوس بمأثور الخطاب 3: 445. فيض القدير 5: 263،399. وغيرها من المصادر.
-[ 198 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جملة حديث له:"ألا إنّ رحا الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إنّ الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) :
"إنّ الأمّة ستغدر بك مِن بعدي" (2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) له - وقد بكى، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما يبكيك؟-:
"ضغائنُ في صدور قومٍ لا يبدونها لك حتى يفقدوني" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 5: 238 كتاب الخلافة: باب في أئمة الظلم والجور وأئمة الضلالة، واللفظ له. مسند الشاميين 1: 379. المعجم الصغير 2: 42. المعجم الكبير 20: 90 فيما رواه يزيد بن مرثد عن معاذ بن جبل. فيض القدير 3: 534. حلية الأولياء 5: 165.
(2) تقدمت مصادره في جواب السؤال الثالث ص: 114.
(3) مجمع الزوائد 9: 118 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب بشارته بالجنة، واللفظ له. مسند البزار 2: 293 ومما روى أبو عثمان النهدي عن علي. مسند أبي يعلى 1: 426 في مسند علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). المعجم الكبير 11: 73 فيما رواه مجاهد عن ابن عباس. تاريخ بغداد 12: 398 في ترجمة الفيض بن وثيق بن يوسف. ميزان الاعتدال 5: 431 في ترجمة الفضل بن عميرة القيسي، 7: 315 في ترجمة يونس بن خباب الأسيدي. الكامل في ضعفاء الرجال 7: 173 في ترجمة يونس بن خباب. تهذيب الكمال 23: 239 في ترجمة الفضل ابن عميرة القيسي. العلل المتناهية 1: 243، 244. تاريخ دمشق 42: 322، 323، 324 في ترجمة علي بن أبي طالب.
-[ 199 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني هاشم:
"أنتم المُسْتَضْعَفُون بعدي" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
"إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي مِن أمتي قتلاً وتشريداً" (2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
"يجيء يوم القيامة المصحف والمسجد والعترة، فيقول المصحف: يا رب! حرقوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب! خربوني وعطلوني وضيعوني، وتقول العترة:
يا رب! طردونا وقتلونا وشردونا، وأجثوا بركبتي للخصومة، فيقول الله: ذلك إليَّ وأنا أولى بذلك" (3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار: "ستلقون بعدي أثرة" (4)... إلى غير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 9: 34 كتاب علامات النبوة: باب لم يعنونه بعد باب في وداعه (صلى الله عليه وآله وسلم). مسند أحمد 6: 339 في حديث أم الفضل بن عباس. المعجم الكبير 25: 23 ما اسندت أم الفضل: ما روى عبدالله بن الحارث بن نوفل عن أم الفضل بنت الحارث. الفردوس بمأثور الخطاب 1: 394.
(2) الفتن 1: 131، المستدرك على الصحيحين 4: 487، كنز العمال 11: 169، وبألسنة متقاربة في المصنف لابن أبي شيبة 8: 697، المعجم الكبير 10: 85، المعجم الأوسط 6: 29، وغيرها من المصادر الكثيرة.
(3) الفردوس بمأثور الخطاب 5: 499، كنز العمال 11: 193.
(4) صحيح البخاري 3: 1381 كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار: اصبروا حتى تلقوني...، 4: 1574 كتاب المغازي: باب غزوة الطائف. صحيح مسلم 2: 738 كتاب الزكاة: باب إعطاء من المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه. صحيح ابن حبان 16: 264 باب فضل الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم) : ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر ثم وجود الأثرة بعده،: 265 ذكر البيان بأن قول أنس أراد أن يكتب أن يقطع البحرين للأنصار،: 268 ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار بالعفة والصبر. الأحاديث المختارة 4: 272 من اسمه أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك الأشهلي. مسند أبي عوانة 4: 415 بيان وجوب الصبر على الأثرة وحبس الإمام وترك التعرض له وحظر حبس ما يجب له وأن حبس ما يجب عليه ظلم. مجمع الزوائد 10: 31،33 كتاب المناقب: فضل الأنصار. السنن الكبرى للبيهقي 6: 339 كتاب قسم الفيء والغنيمة: جماع أبواب تفريق القسم: باب ما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من المهاجرين وما يستدل به على أنه إنما كان يعطيهم من الخمس دون أربعة أخماس الغنيمة. مسند أحمد 3: 111، 167، 171 في مسند أنس بن مالك، 4: 42 حديث عبد الله ابن زيد بن عاصم المازني (رضي الله عنه) ، 4: 292 حديث البراء بن عازب، 4: 352 حديث أسيد بن حضير (رضي الله عنه). مسند الروياني 2: 183. المعجم الكبير 1: 208 مما اسند أسيد بن حضير (رضي الله عنه). السنن الواردة في الفتن 1: 203 باب قول الله عز وجل: ((واتقوا فتنة لا تصبين الذين ظلموا منكم خاصة)). أسباب ورود الحديث: 226. البيان والتعريف 1: 254. سير أعلام النبلاء 2: 453 في ترجمة أبي قتادة الأنصاري. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 808. وغيرها من المصادر.
-[ 200 ]-
تحاشي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) الاصطدام بالمنافقين
الثاني: ما ظهر لهم مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) مِن تحاشيهما الاصطدام بالمنافقين والطلقاء والصرامة معهم، والتنكيل بهم، حَذَراً مِن الفتنة والانشقاق، والتقولات والتهريج غير المسؤول، بنحوٍ يشوّه صورةَ الإسلام المبدئية، وقدسيةَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام)، ويضر بالدعوة - عاجلاً أو آجلاً - ضرراً لا يُتدارك.
كما يناسبه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما طلب منه بعض أصحابه أنْ يقتل مَن تآمر على إلقائه مِن العقبة:
"لا، أكره أنْ تتحدث العرب بينها أنّ محمداً قاتل بقومٍ حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم..." (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما طلب منه قتل عبد الله بن أبي: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير 2: 373، واللفظ له. سبل الهدى والرشاد 5: 467 ذكر إرادة بعض المنافقين الفتك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة العقبة التي بين تبوك والمدينة واطلع الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك. الدر المنثور 4: 244. روح المعاني 10: 139.
(2) صحيح البخاري 4: 1861 كتاب التفسير: باب تفسير سورة الصف: باب قوله سواء عليهم استغفرت لهم أن لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، 4: 1863 باب قوله يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. صحيح مسلم 4: 1898 كتاب البر والصلة والآداب: باب نصر الأخ ظالماً أو مظلومًا. وغيرهما من المصادر الكثيرة.
-[ 201 ]-
وكثير مِن مواقفه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) المبنيّة على المرونة، وغض النظر، والتي يأتي بعض الشواهد عليها.
كلُّ ذلك أَشْعَرَ الأنصارَ بمحاولة قريش وأتباعهم انتهاز الفرصة، واستلاب الحكم مِن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فحاولوا المبادرة بأخذ الحكم، لِيَسُدُّوا الطريق على قريش، ويُفْشِلوا مخطّطَهم، لأنهم يتوقعون أنّ موازين الخلافة لو انفرطت، فسوف يتحكم فيها المنافقون والطلقاء، وينتقمون مِن الأنصار ويجزونهم شر الجزاء عما فعلوه بهم في نصرتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وهو الأمر الذي حصل فعلاً.
ولو علم الأنصار أنّ الأمر يسلم لأمير المؤمنين (عليه السلام) فمِن القريب جدّاً رضاهم به، وإحجامهم عن مغالبته واستلابه منه، وعن تجاهل النص الوارد فيه. ويشير إلى ذلك بعض ما ذكره أهل الحديث والمؤرخون عند عرض أحداث السقيفة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:08 am

أحاديث الأنصار ومواقفهم
فقد ذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري في كتاب السقيفة أنّ أبا بكر لَمّا خاطب الأنصارَ في السقيفة، واحتجّ عليهم لأولوية المهاجرين مِن قريش بالحكم منهم، وحذَّرهم مِن حسدهم لهم، أجابه الأنصار فقالوا:
"والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد أحب إلينا، ولا أرضى عندنا منكم. ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر مَن ليس منا ولا منكم..." (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 6: 7 ـ 8.
-[ 202 ]-
وفي رواية أخرى: "فقام حباب بن المنذر - وكان بدريّاً - فقال: منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط. ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال عمر: إذا كان ذاك قمتَ إن استطعتَ" (1).
وفي رواية ثالثة: "فقال الحباب ما نحسدك ولا أصحابك، ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا" (2).
وفي حديث حباب الآخر مع الأنصار: "أتسكنوني وقد فعلتم ما فعلتم؟! أما والله وكأني بأبنائكم وقد وقفوا على أبوابهم يسألون الناس الماء فلا يسقون. قال: فقال أبو بكر (رضي الله عنه): ومتى تخاف ذلك يا خباب (كذا في المصدر)؟ فقال: إني لست أخاف منك، ولكن أخاف مَن يأتي من بعدك.
قال: فقال أبو بكر (رضي الله عنه): فإذا كان ذلك، ورأيتَ ما لا تحب، فالأمرُ في ذلك الوقت إليك. فقال الخباب (كذا في المصدر): هيهات يا أبا بكر مِن أين يكون ذلك إذا مضيتُ أنا وأنت، وجاءنا قوم مِن بعدُ يسومون أبناءنا سوء العذاب والله المستعان؟!" (3).

تنويه الأنصار وغيرهم بأمير المؤمنين (عليه السلام)

وقال اليعقوبي بعد التعرُّض لبيعة أبي عبيدة وعمر لأبي بكر في السقيفة: "وقام عبدالرحمن بن عوف، فتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 2: 260 أمر السقيفة، واللفظ له. الطبقات الكبرى 3: 182 ذكر بيعة أبي بكر. تاريخ دمشق 30: 275 في ترجمة أبي بكر تحت عنوان عبدالله ويقال عتيق بن قحافة. شرح نهج البلاغة 2: 53. كنز العمال 5: 606 حديث:14072.
(2) أنساب الأشراف 2: 263 أمر السقيفة.
(3) الفتوح لابن أعثم المجلد الأول: 10 ـ 11 ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار.
-[ 203 ]-
وإنْ كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ.
وقام المنذر بن أرقم، فقال: ما ندفع فضل مَن ذكرت. وإنّ فيهم لَرَجُلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد. يعني: علي بن أبي طالب" (1).
وقد ذكر ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار أنه قال: "فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفّه زفّاً إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فلما كان آخر النهار افترقوا إلى منازلهم. فاجتمع قوم مِن الأنصار، وقوم مِن المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإنْ كنتم أولي فضل ونصر وسابقة، ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر، ولا عمر، ولا عليّ، ولا أبي عبيدة. فقال زيد بن أرقم: إنا لا ننكر فضل مَن ذكرت يا عبد الرحمن، وإنّ منا لسيد الأنصار سعد بن عبادة... وإنا لنعلم أنّ ممّن سمّيتَ مِن قريش مَن لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد: علي بن أبي طالب" (2).
وذكر ابن أعثم المحاورة بين عبد الرحمن وزيد بن أرقم، وفي آخرها: "يا ابن عوف لولا أنّ علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وغيره من بني هاشم اشتغلوا بدفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبحزنهم عليه، فجلسوا في منازلهم، ما طمع فيها مَن طمع. فانصرف ولا تهيّج على أصحابك ما لا تقوم له" (3).
وقال الطبري وابن الأثير بعد أن ذكرا اجتماع السقيفة، وتَرَادَّ أبي بكر وعمر وأبي عبيدة للبيعة بينهم: "فبايعه عمر، وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار:
لا نبايع إلا عليّاً" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 123 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
(2) شرح نهج البلاغة 6: 19 ـ 20.
(3) الفتوح لابن أعثم المجلد الأول: 12 ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار.
(4) تاريخ الطبري 2: 233 ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفى فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته. الكامل في التاريخ 2: 220 حديث السقيفة وخلافة أبي بكر (رضي الله عنه) وأرضاه، نشر عام 1348هـ عنيت بنشره إدارة الطباعة المنيرية وصحح أصوله الاستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار المدرس بقسم التخصص في الأزهر.
-[ 204 ]-
انحياز جماعة مِن أعيان الصحابة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)
وذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري بسنده عن جرير بن المغيرة: "أنّ سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أنْ يبايعوا عليّاً (عليه السلام) بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)" (1).
كما ذكر المؤرخون أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد اعتزل في داره مع جماعة مِن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى هاجمهم جماعةُ أبي بكر (2).
وذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري في رواية أنه كان في البيت ناس كثير (3).
وذكروا أنّ خالد بن سعيد بن العاص لم يكن في المدينة يوم السقيفة، ولَمّا رجع وطلب منه بيعة أبي بكر امتنع وقال:
لا أبايع إلا عليّاً (4).

ندم الأنصار على بيعتهم لأبي بكر
بل مِن المعلوم أنّ الأنصار قد غُلِبُوا على أمرهم في بيعة أبي بكر، ومع ذلك فقد ذكروا أنّ أمير المومنين (عليه السلام) لَمّا أُخْرِج مِن داره ليبايع وامتنع مِن ذلك وحاولوا حمله على ذلك، قال: "الله الله يا معشر المهاجرين، لا تُخْرِجُوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 2: 49، 6: 43.
(2) الرياض النضرة 2: 205 ـ 206 ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيه،: 213 ـ 215 ذكر بيعة العامة. تاريخ اليعقوبي 2: 126 خبر سقيفة بني ساعدة. الإمامة والسياسة 1: 16 كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). العقد الفريد 4: 242 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر. وغيرها من المصادر.
(3) شرح نهج البلاغة 6: 48.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 105، شرح نهج البلاغة 2: 59.
-[ 205 ]-
سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحقّ الناس به، لأنا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الامر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية؟! والله إنه لَفِينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا مِن الحق بُعْداً "
فقال بشير بن سعد الانصاري- الذي كان أول المبادرين لبيعة أبي بكر والانتقاض على سعد بن عبادة حسداً له -:
"لو كان هذا الكلام سَمِعَتْه الانصارُ منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان" (1).
ويبدو أنّ عامّة الناس أَخَذوا يراجعون حساباتهم، ويظهر عليهم الندم لإسراعهم في بيعة أبي بكر، حتى ضاق أبو بكر مِن ذلك، يقول أبو سعيد الخدري: "لما بويع أبو بكر رأى مِن الناس بعض الانقباض، فقال: أيها الناس ما يمنعكم؟! ألستُ أحقّكم بهذا الأمر؟!..." (2).
وذكر ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار أنه لما بويع أبو بكر، واستقر أمره، ندم قومٌ كثير مِن الأنصار على بيعته، وتلاوموا، وذكروا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهتفوا باسمه، وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون الذين مع أبي بكر وكثير مِن مسلمة الفتح وأمثالهم ممّن وترهم الأنصار والإسلام، وكثر بمناسبة ذلك الكلام والخطب، ونظمت الأشعار (3).
وذكر عن الجوهري عن أبي سعيد الخدري قال: "سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبني هاشم محبًّا، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تخوفتُ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1: 29.
(2) تاريخ دمشق 30: 37، تاريخ الخلفاء: 70، 71.
(3) شرح نهج البلاغة 6: 23، وما بعده. وذكر ذلك باختصار اليعقوبي في تاريخه 2: 125.
-[ 206 ]-
أنْ تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الواله العجول...".
ثم ذكر بيعة أبي بكر... إلى أن قال: "فخرجتُ إلى الفضاء فضاء بني بياضة، وأجد نفراً يتناجون، فلما دنوتُ منهم سكتوا، فانصرفت عنهم، فعرفوني، وما أعرفهم، فدعوني إليهم، فأتيتهم، فأجد المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وسلمان الفارسي، وأبا ذر، وحذيفة، وأبا الهيثم بن التيهان. وإذا حذيفة يقول لهم:
والله ليكوننّ ما أخبرتُكم به، والله ما كذبت، ولا كذبت... ثم قال:
ائتوا أُبَي بن كعب، فقد علم كما علمتُ.
قال: فانطلقنا إلى أُبي، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب، فقال:
مَن أنتم؟
فكلمه المقداد. فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: افتح عليك بابك، فإنّ الأمر أعظم مِن أن يجري من وراء حجاب. قال: ما أنا بفاتح بابي. وقد عرفتُ ما جئتم له، كأنّكم أردتم النظرَ في هذا العقد.
فقلنا: نعم.
فقال: أفيكم حذيفة؟
فقلنا: نعم.
قال: فالقول ما قال. وبالله ما أفتح عنّي بابي حتى تجري على ما هي جارية. ولما يكون بعدها شر منها. وإلى الله المشتكى..." (1).

محاولة إضعاف أمير المؤمنين (عليه السلام) واستمالة العباس
ولأجل ذلك ونحوه - مِن طعْن الصحابة في بيعة أبي بكر، ومحاولتهم نقضها - أراد أبو بكر أنْ يُضعِف مرْكزَ أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنْ يَجْعَل للعباس وعقبه في الأمر نصيب، لينقطعوا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخذلوه، وكان فيما قال للعباس:
"وما أَنْفَكّ يبلغني عن طاعنٍ يقول بخلاف قول عامّة المسلمين يتّخذكم لجأً، فتكونون حصنه المنيع، وخطبه البديع. فإمّا دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عمّا مالوا إليه فقد جئناك ونحن نريد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 2: 51 ـ 52.
-[ 207 ]-
أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبًا، ولمَن بعدك مِن عقبك...".
وتحدث عمر بعده فصدّقه، وكان فيما قال: "إنا لم نأتكم حاجة إليكم. ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامتهم" (1).
وأجابه العباس بما سبق بعضه في جواب السؤال الثالث.

الذين أنكروا على أبي بكر وهو على المنبر في رواية الشيعة

وقد روت الشيعة أنه قد أنكر اثنا عشر رجلاً مِن المهاجرين والأنصار على أبي بكر يوم الجمعة، وهو على المنبر، وهم: خالد بن سعيد ابن العاص، والمقداد بن الأسود، وأبي بن كعب، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبريدة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان. وأنهم ذكّروه حقَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة، ونصَّ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه، ووعظوه، وذكروا لكلّ منهم كلاماً طويلاً معه، لا يسعنا استقصاؤه (2).

خطبة الزهراء (عليه السلام) واستنهاضها الأنصار خاصة
كما ذكر المؤرخون خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام أبي بكر، مطالبة له بفدك، وتعرّضها للخلافة، وإنكارها ما حصل، ثم عدولها إلى مجلس الأنصار، وإنكارها عليهم تخاذلهم عن نصرة أهل البيت (عليهم السلام)، وحثّهم على أداء واجبهم، في كلام
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 1: 220، واللفظ له، الامامة والسياسة 1: كيف كانت بيعة أمير المؤمنين، تاريخ اليعقوبي 2: 152 خبر سقيفة بني ساعدة..
(2) بحار الأنوار 28: 189، وما بعده. وقريب منه مع شيء من الاختلاف والاضطراب في كتاب الخصال للصدوق أبواب الاثنى عشر: الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدمه على علي بن أبي طالب: اثنا عشر: 429 ـ 434.
-[ 208 ]-
شديد اللهجة. وقالت (عليه السلام) في آخر خطبتها - بعد استعظام ما حصل من المخالفة لله تعالى، وفداحة الخطب، وتشديد المسؤولية -:
"ألا وَقَدْ قُلْتُ الذي قُلْتُه عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخُذْلانِ الَّذِي خامَر صدورَكُمْ، واسْتَشْعَرَتْه قُلُوبُكُمْ، وَلكِن قلتُه فَيْضَة النَّفْسِ، وَنَفْثَة الْغَيْظِ، وَبثّة الصّدرِ، وَمعذرة الْحُجَّةِ. فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها مدبِرَةَ الظَّهْرِ، نَاكِبَةَ الْحق، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بَشَنارِ الأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ ((الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَة)) فَبِعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ ((وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ منقلب يَنْقَلِبُونَ)). وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، فاعملوا إنا عاملون ((وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ))" (1).

تأثير الخطبة في الناس ومعالجة أبي بكر للموقف
ويبدو أنّ خطبتها قد أحدثت ضجّةً بين المسلمين، وخصوصاً الأنصار، وبَدَت بوادرُ التحرّك منهم.فقد ذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري في كتاب السقيفة، قال: "وحدثني محمد بن زكري. قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول، قال:
فلمّا سمع أبو بكر خطبتها شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر، وقال: أيها الناس: ما هذه الرّعة إلى كل قالة؟! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ألا مَن سمع فليقُل، ومَن شهد فليتكلم. إنما هو ثعالة شهيده ذنبه. مرب لكل فتنة. هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت. يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأمّ طحال، أحب أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تُركت.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تقدمت مصادر الخطبة في جواب السؤال الثالث: 125.
-[ 209 ]-
ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم. وأحقّ مَن لزم عهدَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنتم. فقد جاءكم فآويتم، ونصرتم. ألا إني لستُ باسطاً يداً ولا لساناً على مَن لم يستحق ذلك منا.
ثم نزل. فانصرفت فاطمة (عليه السلام) إلى منزلها" (1).
والملفت للنظر أنّ أبا بكر قد تعمَّد المرونة في معالجة أحداث السقيفة وما تبعها، وتَرَكَ الشدّةَ لغيره مِن جماعته. أمّا هذه الخطبة فهي تطفح بالشتم المقذع، والتهديد، والشدة. ولا يتضح لنا تفسير ذلك إلا بقوة نشاط المعارضة، في محاولتها إرجاع الخلافة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بنحوٍ لَوَّحَ بخطورة الموقف، فحاول أن يتدارك الأمر قبل أن ينفجر ذلك عن صراع يخشى منه، ولا يعلم نتائجه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:15 am

توقف الناس عن الجهاد ما دام أمير المؤمنين (عليه السلام) مُبَايِناً للقوم
ومِن أقوى الشواهد على إيمان جمهور الصحابة بالنّص، وبحق أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة، وبعدم شرعية خلافة أبي بكر، ما ذكره المدائني عن عبدالله بن جعفر عن أبي عون، قال:
"لما ارتدّت العرب مشى عثمان إلى عليّ، فقال: يا ابن عم، إنه لا يخرج أحد إليَّ. فقال: [إلى قتال. صح] هذا العدو وأنت لم تبايع، فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر، فقام أبو بكر إليه، فاعتنق، وبكى كل واحد إلى صاحبه، فبايعه. فسرّ المسلمون، وجدّ الناس في القتال، وقطعت البعوث" (2).
وهو المناسب لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى أهل مصر:
"فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكتُ يدي حتى رأيت
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 6: 214 ـ 215.
(2) أنساب الأشراف 2: 270 أمر السقيفة.
-[ 210 ]-
راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيتُ إنْ لم أنصر الإسلام وأهله أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم مْن فوْت ولايتكم..." (1).
هذا موقف مَن بالمدينة المنورة.

موقف قبائل العرب خارج المدينة، وحقيقة حروب الردة
أمّا موقف القبائل التي دخلت الإسلامَ في بقية البلاد، والتي حُورِبَت مِن قِبَل أبي بكر، فهو وإنْ فُسِّر بالارتداد، أو مَنْع الزكاة، الذي قد يحاول البعض إلحاقه بالارتداد، لكونه إنكاراً لضروري مِن ضروريات الإسلام،إلا أنه يَبْدو مِن بعض فلتات المؤرخين أنّ الأمْر فيهم- أو في بعضهم- لا يَصِل إلى ذلك، بل إلى أنّ حُكْم أبي بكر لم يَرُقْ لِكثيرٍ مِن الناس، إمّا لأنه لم يُعْهَد له مِن قِبَل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو لاستهانة الناس به وبقبيلته.
وأنّ ذلك قد حَمَلَ الناسَ على رَفْض حُكْم أبي بكر مِن دون خروج عن الإسلام، أو مع الخروج عن الإسلام، لِسقوطِ هيبتِه وهيبة المسلمين بسبب حكم أبي بكر، بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانشقاق الصحابة على أنفسهم، ثم إقصاء بني هاشم رهط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يملكون مقاماً رفيعاً في نفوس العرب، وهيبة زاد فيهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام أضعافاً مضاعفة.وخصوصاً أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الضاربة، وسيفه الصارم في جهاده الطويل، والذي يعتبر امتداداً طبيعيّاً لوجوده (صلى الله عليه وآله وسلم)، في قوة شخصيته، وصلابته وهيمنته، وفي علمه وعمله، وفي مبادئه ومثاليته، بنحو يناسب انصياع العرب له بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يناسبه ما تقدم - في أوائل الجواب عن السؤال الثالث من هذه الأسئلة-
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 3: 119.
-[ 211 ]-
عن سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) مِن أنّ المسلمين لو جعلوها في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَا اختلف عليهم اثنان. وإنْ كان الظاهر أنّ قطعهما بذلك مستمدٌّ مِن إعلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) به.
ولنستعرض بعض الشواهد على ذلك.

إنكار بعض العرب بيعة أبي بكر وإقصاء أهل البيت (عليهم السلام)
فقد قال قائلهم في جملة أبيات له:
أطعنا رسولَ الله ما كان بيننا *** فـيـالعبـاد الله ما لأبي بـكر
أيـورثها بكراً إذا مات بعده *** وتلك لعمر الله قاصمة الظهر (1)
وقالت طيء لعدي بن حاتم: "لا نبايع أبا الفصيل أبداً" (2).
وكانت فزارة وأسد تقول: "لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً" (3).
ويقول أحمد بن أعثم الكوفي في حديث عن ناقة أُخِذت للزكاة بغير حق، ووقع الشجار فيها بين الوالي الذي أخذها - وهو زياد بن لبيد - وأصحابها: "ثم أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة، فأخرج الناقة بعينها. ثم قال لصاحبها: خذ ناقتك إليك، فإنْ كلمك أحد فاحطم أنفه بالسيف. نحن إنما أطعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان حيًّا، ولو قام رجلٌ مِن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 2: 255 بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي، واللفظ له. البداية والنهاية 6: 313 فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة. معجم البلدان 2: 271 عند الكلام عن حضرموت. المحلى 11: 193 في مسألة:2199. تاريخ دمشق 25: 160 في ترجمة طليحة بن خويلد بن نوفل. الأغاني 2: 149 خبر الحطيئة ونسبه. تاريخ المدينة 2: 247 ـ 248، وفيه: أن قائلها الخفشيش، وأنه أخذ أسيراً وقتل صبرًا.
(2) تاريخ الطبري 2: 260 ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة، واللفظ له. تاريخ دمشق 25: 164 في ترجمة طليحة بن خويلد.
(3) تاريخ الطبري 2: 261 ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة. الثقات 2: 166.
-[ 212 ]-
أهل بيته لأطعناه، وأما ابن أبي قحافة فلا والله ماله في رقابنا طاعة ولا بيعة. ثم أنشد أبياتاً من جملتها:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا *** فـيـا عجباً ممّن يطيع أبا بكر
فلمَا سمع زياد بن لبيد هذه الأبيات... كتب إلى حارثة بن سراقة هذه الأبيات من جملتها:
نقاتلهم في الله والله غالب *** على أمره حتى تطيعوا أبا بكر
قال: فلما وردت هذه الأبيات من زياد بن لبيد غضبت أحياء كندة لذلك غضباً شديدًا. فأتت الأشعث بن قيس. فقال: خبروني عنكم يا معشر كندة إذ كنتم بايعتم على منع الزكاة وحرب أبي بكر فهلا قتلتم زياد ابن لبيد... فقال له رجل من بني عمه: صدقت والله يا أشعث، ما كان الرأي إلا قتل زياد بن لبيد، وارتجاع ما دفع إليه من إبل الصدقة. والله ما نحن إلا كعبيد لقريش، مرة يوجهون إلينا أمية، فيأخذون من أموالنا ما يريدون، ومرة يولون علينا مثل زياد ابن لبيد، فيأخذ من أموالنا ويهددنا بالقتل. والله لا طمعت قريش في أموالنا أبدًا.
ثم أنشأ يقول أبياتاً من جملتها:
إذا نحن أعطينا المصدق سؤله *** فنـحن له فيما يريــد عبيد
ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال: يا معشر كندة إنْ كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة، والزموا بلادكم، وحوطوا حريمكم، وامنعوا زكاة أموالكم، فإني أعلم أنّ العرب لا تقر بطاعة بني تميم [تيم.ظ] بن مرة، وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيرها، فإنها لنا أجود، ونحن لها أجرى وأصلح مِن غيرنا... قال: ثم إن زياد بن لبيد... سار فإلى [إلى.ظ] حي من أحياء كندة، يقال لهم بنو ذهل بن معاوية، فخبرهم بما كان...
-[ 213 ]-
ودعاهم إلى السمع والطاعة، فأقبل إليه رجل من سادات بني تميم، يقال له الحارث بن معاوية، فقال لزياد: إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد.
فقال له زياد بن لبيد: يا هذا صدقتَ، فإنه لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكنا اخترناه لهذا الأمر.

احتجاج بعض العرب لِحَقّ أهل البيت (عليهم السلام) في الخلافة
فقال له الحارث: أخبرني لِمَ نحيتم عنها أهل بيته، وهم أحق الناس به، لأن الله عزوجل يقول: ((وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ))؟.
فقال له زياد بن لبيد: إن المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك. فقال له الحارث بن معاوية: لا والله ما أزلتموها عن أهلها إلا حسداً منكم لهم. وما يستقر في قلبي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج مِن الدنيا ولم ينصب للناس عَلَماً يتبعونه، فارحل عنا أيها الرجل، فإنك تدعو إلى غير رضا.
ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول:
كان الرسول هو المطاع فقد مضى *** صـلى عليه الله لم يستخلف؟!
قال: فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي، فقال: صدق والله الحارث ابن معاوية. أخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه بأهلٍ للخلافة، ولا يستحقها بوجهٍ من الوجوه. وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة مِن نبيها محمد... ثم وثبوا إلى زياد بن لبيد فأخرجوه من ديارهم، وهموا بقتله.
قال: فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة، فيدعوهم إلى الطاعة إلا ردوا عليه ما يكره.
فلما رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر (رضي الله عنه) فخبره بما كان مِن القوم، وأعلمه أنّ قبائل كندة قد أزمعت على الارتداد والعصيان... قال: واتصل الخبر بقبائل كندة فكأنهم ندموا على ما كان منهم.
-[ 214 ]-
ثم وثب رجل مِن أبناء ملوكهم يقال له أبضعة بن مالك، فقال: يا معشر كندة إنا أضرمنا على أنفسنا ناراً لا أظن أنها تطفأ أو تحرق منا بشراً كثيرًا. والرأي عندي أنّ نتدارك ما فعلنا... ونكتب إلى أبي بكر الصديق، فنخبره بطاعتنا وأنْ نؤدي إليه زكاتنا طائعين غير مكرهين، وأنا قد رضينا به خليفة وإماماً".
ثم ذكر كتاب أبي بكر إلى الأشعث، وقال: "فلما وصل الكتاب إلى الأشعث، وقرأه أقبل على الرسول، فقال: إنّ صاحبك أبا بكر هذا يلزمنا الكفر بمخالفتنا له، ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمي.
فقال له الرسول: نعم يا أشعث يلزمك الكفر، لأن الله تبارك وتعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين" (1).

المتحصل من مجموع ما سبق
وهذه الأخبار - كما ترى - تقضي بخلاف الناس على أبي بكر في داخل المدينة، وفي خارجها، وأنّ بعض تلك الحروب لم تكن حروب ردة، بل حروب عصيان على أبي بكر، وأنّ جماعات مِن الناس في المدينة وخارجها ترى أولوية بني هاشم بالأمر، إلا أنها غلبت على أمرها، وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لو ولي الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يتقدم عليه غيره، لتجنب المسلمون كثيراً مِن الخلاف والشقاق، ولبقيت هيبة الإسلام والمسلمين، ولم تقع تلك الحروب التي أريقت فيها كثير من الدماء، وانتهكت كثير من الحرمات.
وهي مؤكدة لِمَا ذكرناه آنفاً مِن أنّ الذين أغفلوا النص - لو كان موجوداً كما تقول الشيعة - أفرادٌ معدودون مِن المهاجرين والأنصار، كما سبق.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الفتوح لابن أعثم المجلد الأول: 49 ـ 57 في ذكر ارتداد أهل حضرموت من كندة ومحاربة المسلمين إياهم، وفي ذكر كتاب أبي بكر إلى الأشعث بن قيس ومن معه من قبائل كندة.
-[ 215 ]-
موقف حديثي الإسلام من بيعة أبي بكر
نعم أيَّدهم الجمهور الأعظم مِن الموتورين - مِن قريش ونحوهم - ممّن دخل الإسلام رغبةً أو رهبةً، عندما قوي وظهر، كالطلقاء، والمنافقين، ونحوهم، مثل المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص،وخالد ابن الوليد،وسهيل بن عمرو،وعكرمةبن أبي جهل، والحارث بن هشام، وغيرهم. كما يشهد بذلك مواقفهم المذكورة في تأييد البيعة، وفي الهجوم على دار أمير المؤمنين والصديقة الزهراء (صلوات الله عليهم)، وفي نيلهم من الأنصار وطعنهم عليهم، وفي المشاركة في الحروب التي سُمّيَت بحروب الردة، والتي هي أو بعضها في الحقيقة حروب تثبيت السلطة، كما تقدم.

الوجود البارز لحديثي الإسلام في كيان السلطة
وكان لهؤلاء بالآخرة الوجود البارز في قيادات الجيوش وولايات الأمصار، وتُرِك كثير مِن أعلام المهاجرين، والأنصار، إمّا إباءً منهم للمشاركة في تلك السلطة، والعمل تحت إمْرتها، أو إعراضاً مِن السلطة عنهم، خوفاً منهم، أو مَقْتاً لهم.وقد روي عن عمر أنه قال:
"نستعين بقوَّة المنافق، وإثمُه عليه" (1).
وأنه قيل له: "إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان، وسعيد بن العاص، ومعاوية، وفلانًا، وفلاناً مِن المؤلفة قلوبهم مِن الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتَرَكْتَ أنْ تستعمل عليّاً والعباس، والزبير وطلحة!!".
فقال: "أما عليٌّ فأنْبَه مِن ذلك، وأمّا هؤلاء النفر مِن قريش فإني
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المصنف لابن أبي شيبة 6: 200 كتاب الأمراء: ما ذكر من حديث الأمراء والدخول عليهم، واللفظ له. كنز العمال 4: 614 حديث: 11775. السنن الكبرى للبيهقي 9: 36 كتاب السير: باب من ليس للإمام أن يغزو به بحال. وقريب منه في كنز العمال 5: 771 حديث: 14338.
-[ 216 ]-
أخاف أنْ ينتشروا في البلاد، فيُكثِروا فيها الفساد" (1).
وعن قيس بن حازم: "جاء الزبير إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يستأذنه في الغزو.
فقال عمر: اجلس في بيتك، فقد غزوتَ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: فردّد ذلك عليه.
فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في بيتك. فوالله إني لأجد بطرف المدينة منك ومِن أصحابك أنْ تَخْرُجوا فتفسدوا على أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2).
ولا وجْهَ لِتَخَوُّفِه مِن إكثارهم الفساد إلا شُعورُه بعدم انسجامهم مع السلطة، أو تخوُّفه مِن ذلك، ولذا أصرّ على أبي بكر حتى عزل خالد ابن سعيد بن العاص عن قيادة الجيوش التي أرسلها لفتح الشام، أو قيادة بعضها، لأنه اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبي بكر، واستنهاضه بني هاشم أو بني عبد مناف للمطالبة بالخلافة، فلم يدع أبا بكر حتى عزله، ووَلّى مكانه يزيد بن أبي سفيان (3).
بل صرّح بذلك في خلافته، حيث سبق في الوجه الأول للجواب عن هذا السؤال قوله في خطبة له في تبرير منعه المهاجرين عن الخروج
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 9: 29 ـ 30.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 129 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له. عون المعبود 11: 246ـ247.
(3) الطبقات الكبرى 4: 97 ـ 98 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. المستدرك على الصحيحين 3: 279 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب خالد بن سعيد بن العاص ابن أمية بن عبد شمس ابن عبدمناف (رضي الله عنه)، وقال بعد ذكر الحديث: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". تاريخ اليعقوبي 2: 133 في أيام أبي بكر. تاريخ الطبري 2: 331 في أحداث سنة ثلاث عشرة. تاريخ دمشق 16: 78 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. شرح نهج البلاغة 2: 58 ـ 59.
-[ 217 ]-
مِن المدينة: "ألا إنّ في قريش مَن يُضْمر الفرقة، ويروم خلع الربقة، أمَا وابن الخطاب حيّ فلا. إني قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار".
بينما رضي بولاية أبي عبيدة بن الجراح، بل ولاه فعلاً، مع أنه مِن المهاجرين الأولين، ومِن قريش أيضًا، ولم يخش منه، لانسجامه معه، وتوجهه وجهته.
كما لا وجه لأَمْنِه مِن المنافقين والطلقاء ونحوهم لولا دعمهم لخطّه وانسجامهم معه، وإلا فإنهم أخطر على البلاد والعباد لو أرادوا الفتنة والشقاق، كما حصل مِن معاوية حينما واتته الظروف. ولا أقلّ مِن أن يتعاونوا مع ذوي السوابق في الإسلام ممّن يعارض الحكم القائم، وينوهوا بهم، ويدعوا الناس إليهم.
بل حتى لو لم يريدوا الفتنة، فإنّ إناطة أمور المسلمين بهم مع وجود مَن هو أفضل منهم في دينه ومعارفه خيانة للمسلمين.وفي حديث ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : "مَن استعمل عاملاً مِن المسلمين، وهو يعلم أنّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) السنن الكبرى للبيهقي 10: 118 كتاب آداب القاضي: باب لايولي الوالي امرأة ولا فاسقاً ولا جاهلاً أمر القضاء، واللفظ له. المستدرك على الصحيحين 4: 104 كتاب الأحكام. السنة لابن أبي عاصم 2: 627. مجمع الزوائد 5: 211 كتاب الخلافة: باب حق الرعية والنصح له. المعجم الكبير 11: 114 فيما رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس. الترغيب والترهيب 3: 125. الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2: 165 كتاب أدب القضاء. نصب الراية 4: 62 كتاب أدب القاضي. سبل السلام 4: 190. تاريخ بغداد 6: 76 في ترجمة إبراهيم بن زياد القرشي. الكامل في ضعفاء الرجال 2: 352 في ترجمة الحسين بن قيس أبي علي الرحبي. الضعفاء للعقيلي 1: 247 في ترجمة حسين ابن قيس الرحبي. تهذيب التهذيب 2: 313 في ترجمة الحسين بن قيس الرحبي.
-[ 218 ]-
بل قد نسب هذا الكلام لعمر نفسه (1). كما روي عن عمر أيضاً أنه قال: "مَن استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله" (2).
بل قد أدى ذلك بالآخرة إلى صدور كثير مِن المخالفات الدينية وانتهاك الحرمات منهم، كما استفاض نقل ذلك في كتب الحديث والتاريخ والأدب.
والحاصل: أنّ تجاهل النص والتعامي عنه لم يحصل مِن الكثرة الكاثرة مِن المهاجرين والأنصار، خصوصاً ذوي الشأن والمقام الرفيع منهم، بل كان هوى كثير منهم مع أمير المؤمنين وأهل البيت (صلوات الله عليهم)، كما سبق.

تقصير عامة الصحابة في نصرة الحق

نعم، لا ريب في أنه بناءً على وجود النص وثبوت الحق لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) - كما تقول الشيعة - فالكثرة الكاثرة مِن الصحابة قد فرّطوا في نصرة الحق، والاستجابة لدعوة الإمام المنصوص عليه.فقد سبق مِن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في جواب السؤال الثالث - كثرة الشكوى مِن عدم الأنصار، وأنه اجتمع جماعة إليه يدعونه إلى البيعة، فقال لهم:
اغدوا على هذا محلقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر أو أربعة، وأنه (عليه السلام) قد أعلن أنه لو كان معه أربعون رجلاً لطالب بحقه.
كما أنه حمل الصديقة فاطمة الزهراء (عليه السلام) على حمار - ومعه ولداه الحسن والحسين (عليهم السلام) - وطاف بها على بيوت الأنصار يسألهم النصرة، وتسألهم الانتصار له، وهم يعتذرون لها بأن بيعتنا قد سبقت لأبي بكر،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 304 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب أحد الفقهاء الستة من الصحابة معاذ بن جبل (رضي الله عنه)، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 1: 460 في ترجمة معاذ بن جبل. الكشف الحثيث 1: 178 في ترجمة عبيد بن تميم. لسان الميزان 4: 118 في ترجمة عبيدبن تميم.
(2) كنز العمال 5: 761 حديث:14306.
-[ 219 ]-
كان ابن عمك سبق إلينا لَمَا عدلنا به (1).
كما أكّد معاوية ذلك في كتابه السابق لأمير المؤمنين (عليه السلام). وقد روى الشيعة الكثير في ذلك.
وليس ذلك مِن الصحابة لتجاهلهم النص وتعاميهم عنه، بل خوفاً وهلعًا، أو يأساً مِن الانتصار بمقتضى المقاييس المدركة لهم، لأنّ مبدئية أمير المؤمنين، واهتمامه الأعظم بالكيان الإسلامي العام، جعلهم يدركون ضعف موقفه في الصراع، وضآلة قوته المادية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:17 am

بعض شواهد مبدئية أمير المؤمنين (عليه السلام)
ويكفي شاهداً على ذلك أنه ورد عنه (عليه السلام) الاعتذار عن مسابقة القوم بأنّي ما كنتُ أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازةً لا أجهّزه، وأَخْرُج لأنازع الناس سلطانه (2).
ولَمّا عرض عليه العباس أن يبايعه، ليقال: عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بايع ابن عمه، فلا ينازعه أحد، قال:
"فإنّي لا أحبّ هذا الأمْر مِن وراء رِتَاج وأحبّ أنْ أَصْحَرَ به" (3).
كما أنّ أبا سفيان - بما له مِن قوة قبلية لا يستهان بها - حين نظر للأمر مِن جانب قَبَليّ، وحاول حمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على المطالبة بالخلافة، لم يستجب (عليه السلام) له ونَهَرَه (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1: 16 إباية علي (كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (رضي الله عنهم). شرح نهج البلاغة 6: 13.
(2) الإمامة والسياسة 1: 16 إباية علي (كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (رضي الله عنهم). شرح نهج البلاغة 6: 13. الفتوح لابن أعثم المجلد الأول: 13 ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار.
(3) شرح نهج البلاغة 9: 196، واللفظ له، 11: 9.
(4) المستدرك على الصحيحين 3: 83 كتاب معرفة الصحابة: أبو بكر بن أبي قحافة (رضي الله عنه). المصنف لعبد الرزاق 5: 451 بيعة أبي بكر (رضي الله عنه). الاستيعاب 3: 974 في ترجمة عبد الله بن أبي قحافة، 4: 1679 في ترجمة أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية. تاريخ الخلفاء 1: 67 فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته وكلام الأئمة في ذلك. أنساب الأشراف 2: 271 أمر السقيفة. تاريخ الطبري 2: 237 حديث السقيفة. شرح نهج البلاغة 2: 45.
-[ 220 ]-
بينما استرضاه أبو بكر، فنَفَلَه أموالَ الصدقة (1)، وولّى ولدَه (2). فصار هو وأهلُ بيته مِن مؤيّديه، وأنصاره... إلى غير ذلك.
ولعله لذا ونحوه ورد أنه ما اختلفت أمة بعد نبيّها إلا ظهر أهلُ باطلها على أهل حقّها (3). حيث إنّ مبدئية أهل الحق تُفَوِّت عليهم كثيراً مِن فرص الانتصار، بينما يستغلها أهلُ الباطل، فتكون سببَ انتصارهم.يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : "قد يرى الحول القلب وجْهَ الحيلة، ودونه مانع مِن أمر الله ونهيه، فيدعها رأيَ عينٍ بعد القدرة عليه. وينتهز فرصتَها مَن لا حريجة له في الدِّين" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 4: 240 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه). شرح نهج البلاغة 2: 44.
(2) الطبقات الكبرى 4: 97 ـ 98 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. المستدرك على الصحيحين 3: 279 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبدمناف (رضي الله عنه)، وقال بعد ذكر الحديث: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". تاريخ اليعقوبي 2: 133 في أيام أبي بكر. تاريخ الطبري 2: 331 في أحداث سنة ثلاث عشرة. تاريخ دمشق 16: 78 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. شرح نهج البلاغة 2: 58 ـ 59.
(3) مجمع الزوائد 1: 157 كتاب العلم: باب في الاختلاف. المعجم الأوسط 7: 370. فيض القدير 5: 415. حلية الأولياء 4: 313. تذكرة الحفاظ 1: 87 في ترجمة الشعبي. سير أعلام النبلاء 4: 311 في ترجمة الشعبي. ذكر من اسمه شعبة: 68. كنز العمال 1: 183 حديث: 929. الجامع الصغير للسيوطي 2: 481 حديث:7799. شرح نهج البلاغة 5: 181 ولكن رواه في ضمن خطبة لأمير المؤمنين.
(4) نهج البلاغة 1: 92.
-[ 221 ]-
تجب الاستجابة للإمام المنصوص عليه مهما كانت النتائج
لكن ذلك كله لا يصلـح عذراً للصحابة، ولا لغيرهم مع الله تعالى، بل يجب على الناس طاعة الإمام المنصوص عليه، والاستجابة له، ونصره مهما كانت النتائج، وليس لهم الاجتهاد والنظر معه، إذ كثيراً ما يخفى وجه الصلاح على الناس فيما يفعله، نظير ما كان مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلـح الحديبية، الذي أنكره المسلمون لجهلهم بالعواقب، كما تقدم التعرض له في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.
وكم صار الفشل العاجل سبباً للانتصار والفتح، على الأمد البعيد. ولو لم يكن للاستجابة في نصرة الحق والحرب على الباطل مِن ثمرة، إلا تنبيه الغافل، وإقامة الحجة لله تعالى، لكفى بذلك مَكسباً عظيماً لدين الله تعالى، وأهل دعوته.
وفي حديث أبي سالم الجيشاني: "سمعت عليّاً (رضي الله عنه) بالكوفة يقول: إني أقاتِل على حقٍّ لِيَقُوم، ولن يقوم. والأمرُ لهم.
قال: فقلتُ لأصحابي: ما المقام ههنا وقد أخبرنا أنّ الأمر ليس لهم؟ فاستأذنّاه إلى مصر.
فأذِنَ لمَن شاء منا، وأعطى كلَّ رجلٍ منا ألف درهم. وأقام معه طائفة منا" (1).
فتراه (صلوات الله عليه) لم يُثْنِه عِلْمُه بغلبة معاوية عن القتال في سبيل الحق، وبقي معه أهل البصائر مِن أصحابه.
وفي حديث الأسود الديلي عن أبيه: "عن علي (رضي الله عنه) قال: أتاني عبدالله ابن سلام، وقد وضعتُ رِجلي في الغرز، وأنا أريد العراق، فقال: لا تأتي (كذا في المصدر)العراق، فإنك إنْ أتيتَه أصابك به ذباب السيف.
قال علي: وأيم الله لقد قالها لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلك.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الفتن لنعيم بن حماد 1: 127 ما يذكر في ملك بني أمية وتسمية أساميهم بعد عمر (رضي الله عنه).
-[ 222 ]-
قال أبو الأسود: فقلت في نفسي: يالله ما رأيت كاليوم، رجل محارب يحدث الناس بمثل هذا" (1).
فانظر إليه (صلوات الله عليه) كيف يخبر الناس بأنه سوف يُقتَل، ومع ذلك يدعوهم للجهاد معه! وما ذلك إلا لأنّ الهدف مِن الجهاد المذكور أسمى مِن الانتصار العاجل.
كما أنه استفاض الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2)، وعن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) (3) بالإخبار بقتل الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 151 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له، وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". صحيح ابن حبان 15: 127 باب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عما يكون في أمته من الفتن والحوادث: ذكر الإخبار عن خروج علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه) إلى العراق. موارد الظمآن 1: 545 باب في فضل علي (رضي الله عنه). نظم درر السمطين: 136 في ذكر أخبار النبي بقتله. تاريخ دمشق 42: 546 في ترجمة علي بن أبي طالب.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 194، 196 كتاب معرفة الصحابة، أول فضائل أبي عبد الله الحسين بن علي الشهيد رضي الله عنهما بن فاطمة.. الأحاديث المختارة 2: 375 فيما رواه نجي الخضرمي والد عبد الله عن علي (رضي الله عنه). مسند البزار 3: 101 ومما روى عبد الله بن نجي عن علي. مسند أحمد 1: 75 مسند علي بن أبي طالب (رض).مسند أبي يعلى 1: 298 مسند علي بن أبي طالب (رض). الآحاد والمثاني 1: 308 ومن ذكر الحسين بن علي (رضي عنهم). مجمع الزوائد 9: 187، 188، 189، 190، 192 كتاب المناقب: باب مناقب الحسين ابن علي عليهما السلام، وفيه عدة روايات بعضها صرح بصحته، المعجم الكبير 3: 105، 106، 107، 108 عند ذكر الحسين بن علي بن أبي طالب (رض) يكنى أبا عبد الله: ذكر مولده وصفته وهيأته (رض)... سير أعلام النبلاء 3: 288، 289، 290 في ترجمة الحسين الشهيد وغيرها من المصادر.
(3) مجمع الزوائد 9: 187، 191 كتاب المناقب: باب مناقب الحسين بن علي عليهما السلام. المعجم الكبير 3: 110، 111 عند ذكر الحسين بن علي بن أبي طالب (رض) يكنى أبا عبد الله: ذكر مولده وصفته وهيأته (رض)... الأحاديث المختارة 2: 375 فيما رواه نجي الحضرمي والد عبد الله عن علي عليه السلام. مسند البزار 3: 101 وما روى عبد الله نجي عن علي. مسند أحمد 1: 750 مسند علي بن أبي طالب (رض) مسند أبي يعلى 1: 298. مسند علي بن أبي طالب (رض). الآحاد والمثاني 1: 308 ومن ذكر الحسين بن علي (رضي عنهم). وغيرهما من المصادر الكثيرة.
-[ 223 ]-
كما استفاض عن الحسين (صلوات الله عليه) نفسه الإخبار بقتله وانتهاك حرمته (1). إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه مِن النهوض والثورة في وجه الظالمين، ومِن دعوة المسلمين للجهاد في سبيل الله تعالى، و التضحية معه. كلُّ ذلك لأنّ الهدف ليس هو الانتصار المادّي بالاستيلاء على السلطة، بل ما هو أسمى مِن ذلك بكثير.
فقد كتب صلوات الله عليه من مكة المكرمة - وهو يُعدّ العدة لنهضته - إلى بني هاشم في المدينة المنورة:
"بسم الله الرحمن الرحيم مِن الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومَن قِبَله مِن بني هاشم.. أما بعد فإنّ مَن لحق بي استشهد، ومَن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام" (2).
كما خطب (عليه السلام) في مكة المكرمة حين عزم على الخروج منها متوجهاً إلى العراق، فقال:
"الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله(وآله) خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف. وخِير لي مصرع أنا لاقيه. كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة، بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا، وأجربة سغبا. لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الفتوح لابن أعثم 5: 940 ذكر نزول الحسين (رض) بكربلاء. تاريخ دمشق 14: 216 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تاريخ الطبري 3: 300 ذكر الخبر عن مسيره إليها (أي الكوفة) وما كان من أمره في مسيره. البداية والنهاية 8: 169 صفة مخرج الحسين إلى العراق. سير أعلام النبلاء 3: 306 في ترجمة الحسين الشهيد. بغية الطلب في تاريخ حلب 6: 2616 الكامل في التاريخ 3: 401 ذكر مسير الحسين إلى الكوفة.
(2) كامل الزيارات: 157 واللفظ له. بصائر الدرجات: 502. نوادر المعجزات: 110. دلائل الإمامة: 188. الخرائج والجرائح 2: 771 ـ 772. وغيره.
-[ 224 ]-
أهل البيت. نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. ألا ومَن كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإني راحل مصبحًا، إن شاء الله تعالى" (1).
فهو (عليه السلام) في الوقت الذي يتنبأ بقتله في خطبته هذه، وبقتل أهل بيته في كتابه السابق، يرى نفسه فاتحاً - كما سبق - ويستنصر الناس لهذا الفتح. وأيّ فتح هذا الذي يكون مع القتل والشهادة؟!
ذلك ما جهله كثير مِن الناس، فأشاروا عليه بترك الخروج، وعلمه هو (صلوات الله عليه) فأصر على الخروج. ووثق بقيادته (عليه السلام) خاصةُ شيعته، فتبعوه بخوعاً لأمر الله تعالى، ووفاءً لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واشتركوا معه في الشهادة، والفتح، والسعادة، التي كتبها الله تعالى له ولهم.
وعلى كل حال فواجب الأمة الانقياد للإمام المنصوص والاستجابة له، بغض النظر عن النتائج، عملاً بالتكليف الشرعي، ولأنه مسدد من قبل الله تعالى الذي أمر باتباعه. كما يأتي قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الثناء على خاصة شيعته من الصحابة: "ووثقوا بالقائد فاتبعوه" (2).
هذا ما تأخذه الشيعة - بعد استيضاحهم النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) - على الكثرة الكاثرة مِن الصحابة الذين تخلّفوا في حادثة السقيفة عن الخليفة المنصوص عليه، ولم يستجيبوا لدعوته، ويشدّوا أزره، وينصروه، ليسترجع الحقَّ، كما أراده الله عز وجل.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين للمقرم: 193 ـ 194 السفر إلى العراق، واللفظ له. كشف الغمة 2: 239. بحار الأنوار 44: 366 ـ367.
(2) نهج البلاغة 2: 109. ينابيع المودة 2: 29.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:36 am

-[ 225 ]-
عدم نصر الإمام المنصوص عليه لا يرجع للتعامي عن النص
وليس هذا منهم - حسب منظور الشيعة - عن جهل بالنص، ولا عن تعام عنه، أو ردّ له، بل هو لا يزيد على التقاعس عن أداء الواجب في نصرة الحق المعلوم والجهاد في سبيله. نظير تثاقل الصحابة في الخروج لغزوة بدر، كما أشار إليه قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ)) (1).
وكذا فرارهم في معركتي أحد وحنين، وتخاذلهم يوم الخندق، وتخلف بعضهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما خرج لغزوة تبوك، ونحو ذلك مما لا يرجع من كثير منهم إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نبوته.
وكذا تقاعس أهل الكوفة عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أواخر أيامه، وعن نصرة الإمام الحسن (عليه السلام)، وتقاعس المسلمين عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) حينما استنصرهم في مكة، وغيرها. حيث لا يرجع ذلك مِن كثير منهم إلى إنكار إمامتهم (صلوات الله عليهم)، وتجاهل النص عليهم.

عدم نصر الإمام المنصوص عليه ذنبٌ قابل للتوبة
نعم هو ذنب عظيم، نظير الفرار مِن الزحف الذي شدد الله تعالى فيه، وهو مِن الكبائر العظام. ونظير تخلف المتخلفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حروبه الذي أنبهم الله تعالى عليه أشد التأنيب. إلا أنّ الله تعالى قد فتح باب التوبة منه، كسائر الذنوب التي يقارفها عباده مهما عظمت.
وقد صرح في القرآن الكريم بالعفو عن فرار المسلمين في واقعة أحد. كما تاب الله عزوجل ((عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال الآية: 5 ـ 6.
-[ 226 ]-
الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) (1)... إلى غير ذلك.

تراجع الصحابة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ودعمهم له
وهو ما حصل فعلاً مِن كثير مِن الصحابة مع أمير المؤمنين وأهل بيته (صلوات لله عليهم أجمعين)، خصوصاً بعد أنْ ظهرت سلبيات خروج الخلافة عن أمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام)،فقد رجعوا إليه، وعرفوا تقصيرهم في أمره، وبايعوه حين أمكنتهم بيعته بعد عثمان.

لزوم الصحابة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد مقتل عثمان
بل لولا تنويههم به (عليه السلام) وبيانهم لفضله وحقّه لَمَا أصرّت جماهير المتواجدين في المدينة بعد مقتل عثمان على بيعته، مع أنه (عليه السلام) لم يكن هو المتصدّي لقيادة تلك الجماهير، وتأليبها على عثمان، بل كان (عليه السلام) أَلْيَن النفر في أمره. ثم نصروه في حروبه، وكان لهم دور بارز فيها، وفي عضد السلطة وإدارتها في عهده. وشواهد ذلك كثيرة جدًّا. نذكر بعض ما هو المسجل منها، والمثبت في المصادر المناسبة..
1 ـ قال أبو جعفر الإسكافي: "لَمّا اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان، ورفاعة بن رافع، ومالك بن العجلان، وأبو أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر بعلي (عليه السلام)، وذكروا فضله، وسابقته، وجهاده، وقرابته...فمنهم مَن فضَّلَه على أهل عصره خاصة، ومنهم مَن فضَّلَه على المسلمين كلهم كافة، ثم بويع..." (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة الآية: 118.
(2) شرح نهج البلاغة 7: 36، 39.
-[ 227 ]-
ثم لَمّا بايعوه، وحملوا الناس على بيعته تبنَّوا دعوته، وذكّروا بمقامه وحقه، ولزموا جانبه، ونصروه في حروبه، وكان لهم دور بارز في عضد السلطة وإدارتها في عهده (صلوات الله عليه)..
وسوف يأتي في آخر هذا الحديث تصريحهم بفضله، وبالوصية له عند البيعة وبعدها في كلام كثير.
2 ـ كما استطرد الإسكافي في ذكر ما حدث بعد البيعة من بوادر الشقاق والخلاف من بعض النفر على أمير المؤمنين (عليه السلام)، بسبب قسمته المال بالسوية، وتعريضه بالمترفين، والمنتفعين بوجه غير مشروع في عهد مَن سبق. وقال: "فلما ظهر ذلك مِن أمرهم قال عمار بن ياسر لأصحابه: قوموا بنا إلى هؤلاء النفر مِن إخوانكم، فإنه قد بلغنا عنهم، ورأينا منهم، ما نكره مِن الخلاف، والطعن على إمامهم. وقد دخل أهل الجفاء بينهم وبين الزبير والأعسر العاق. يعني: طلحة.
فقام أبو الهيثم وعمار وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة معهم، فدخلوا على علي (عليه السلام). فقالوا: يا أمير المؤمنين، انظر في أمرك، وعاتب قومك هذا الحي من قريش، فإنهم قد نقضوا عهدك، وأخلفوا وعدك، وقد دعونا في السر إلى رفضك، هداك الله لرشدك. وذلك لأنهم كرهوا الأسوة، وفقدوا الأثرة. ولما آسيتَ بينهم وبين الأعاجم أنكروا، واستشاروا عدوك وعظموه، وأظهروا الطلب بدم عثمان، فرقةً للجماعة، وتألفاً لأهل الضلالة. فرأيك" (1).
فانظر إلى خواص الصحابة (رضي الله عنهم) كيف استوضحوا حق أمير المؤمنين (عليه السلام) ودعوا إليه، ونصحوا له، وجدّوا في تثبيت حكمه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 7: 36، 39.
-[ 228 ]-
3 ـ وقال خفاف بن عبدالله الطائي لمعاوية في وصف ما حدث بعد قتل عثمان: "ثم تهافت الناس على عليّ بالبيعة تهافت الفراش... ثم تهيأ للمسير، وخفّ معه المهاجرون والأنصار. وكره القتال معه ثلاثة نفر: سعد بن مالك، وعبدالله بن عمرّ، ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحدًا. واستغنى بمَن خفّ معه عمّن ثقل" (1).
4 ـ وقد روى سعيد بن جبير أنه كان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممّن شهد بيعة الرضوان (2)، وفي رواية أنه كان معه (عليه السلام) سبعمائة مِن الأنصار (3).
5 ـ ولما كتب معاوية إلى عبد الله بن عمر يستنصره أجابه ابن عمر، فقال: "أما بعد فإنّ الرأي الذي أطمعك فيَّ هو الذي صيَّرك إلى ما صيَّرك إليه. إني تركت [أترك] عليّاً في المهاجرين والأنصار، وطلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، واتبعتك [واتبعك]!... ".
ثم قال لابن غزية: أجب الرجل - وكان أبوه ناسكًا، وكان أشعر قريش - فقال أبياتاً منها:
و كان لما يرجى لـه غير تارك
مهاجرة مثل الليوث الشوابك (4)
تركنا عليّاً فـي صحاب محمد
و قد خفّت الأنصار معه و عصبة
6 ـ وفي كتاب محمد بن أبي بكر - المشار إليه آنفاً - إلى معاوية:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفين: 65. الإمامة والسياسة 1: 74 في قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام. شرح نهج البلاغة 3: 111.
(2) تاريخ خليفة بن خياط 1: 184 تفصيل خبر معركة الجمل. العقد الفريد 4: 289 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: خلافة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : يوم الجمل.
(3) أنساب الأشراف 3: 30 وقعة الجمل.
(4) وقعة صفين: 72 ـ 73.
-[ 229 ]-
"والشاهد لعلي - مع فضله المبين، وسبقه القديم - أنصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن، فأثنى الله عليهم، من المهاجرين والأنصار، فهم معه عصائب وكتائب حوله، يجالدون بأسيافهم ويهريقون دماءهم دونه..." (1).
7 ـ ولما نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) بفيد - في طريقه إلى حرب الجمل - أتته أسد وطيء، فعرضوا عليه أنفسهم، فقال:
"الزموا قراكم. في المهاجرين كفاية" (2).
8 ـ وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى معاوية: "وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم... قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية..." (3).
9 ـ وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية: "أني كنتُ أنظر إلى أصحاب عليّ يوم أتيتُه فلم أرَ معه إلا المهاجرين والأنصار وأبناءهم وألتفتُ الساعة فلم أرَ إلا أبناء الطلقاء وبقايا الأحزاب" (4).
10 ـ وورد في الحديث عن تعبئة الجيش بصفين أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في القلب، في أهل المدينة، بين أهل الكوفة وأهل البصرة. وعظم مَن معه مِن أهل المدينة الأنصار (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفين: 119، واللفظ له. شرح نهج البلاغة 3: 188. مروج الذهب 3: 21 في ذكر لمع من أخباره (معاوية) وسيره ونوادر عن بعض أفعاله: بين معاوية ومحمد بن أبي بكر.
(2) الكامل في التاريخ 3: 117 في ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة والوقعة. الفتنة ووقعة الجمل 1: 137. تاريخ الطبري 3: 24 ذكر الخبر عن مسير علي بن أبي طالب نحو البصرة. شرح نهج البلاغة 14: 18.
(3) نهج البلاغة 3: 35. شرح نهج البلاغة 15: 184. مناقب الإمام علي لابن الدمشقي 1: 375. ينابيع المودة 3: 447.
(4) الموفقيات: 335.
(5) تاريخ الطبري 3: 84 في تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال.
-[ 230 ]-
11 ـ وروى نصر بن مزاحم بسنده عن أبي سنان الأسلمي، قال: "لما أخبر عليّ بخطبة معاوية وعمرو، وتحريضهما الناس عليه، أمر الناس فجمعوا. قال: كأني أنظر إلى عليٍّ متوكئاً على قوسه، وقد جمع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه) عنده: فهم يلونه [وكأنه] أحبّ أنْ يُعْلِم الناسَ أنّ أصحاب رسول الله متوافرون عليه..." (1).
12 ـ وقال عمرو بن العاص لمعاوية: "إنك تريد أنْ تقاتل بأهل الشام رجلاً له مِن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قرابة قريبة... وإنه قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين، وفرسانهم وقرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الإسلام. ولهم في النفوس مهابة..." (2).
13 ـ وخطب سعيد بن قيس أصحابه، فقال في جملة خطبته: "وقد اختصنا الله منه بنعمة، فلا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر قدرها. أن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا، وفي حيزنا. فوالله الذي هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا حبشياً مجدعًا، إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلاً لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا، وتطيب أنفسنا، فكيف؟! وإنما رئيسنا ابن عم نبينا..." (3).
14ـ ونصوص المؤرخين وإنْ اختلفت في عدد الصحابة الذين شهدوا مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في حروبه وفي صفين خاصة، إلا أنها تكاد تجمع على الوجود المكثف لهم، فقيل: إنه شهد معه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفين: 223.
(2) المصدر السابق: 222.
(3) وقعة صفين: 236ـ237، واللفظ له. شرح نهج البلاغة 5: 189. جمهرة خطب العرب 1: 355 في خطبة سعيد بن قيس.
-[ 231 ]-
صفين سبعون بدريّاً (1)، وقيل: ثمانون (2)، وقيل: أكثر (3)، كما شهدها ممّن بايع بيعة الرضوان سبعمائة (4)، وقيل: ثمانمائة (5)، وقيل غير ذلك (6).
ويروي ابن عساكر بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام) ومحمد بن المطلب وزيد بن الحسن قالوا: "شهد مع علي بن أبي طالب في حربه من أصحاب بدر سبعون رجلاً، وشهد معه ممّن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل فيما لا يحصى مِن أصحاب رسول الله..." (7).
15 ـ وقال نصر: "وإن معاوية دعا النعمان بن بشير الأنصاري ومسلمة بن مخلد الأنصاري - ولم يكن معه من الأنصار غيرهما - فقال: يا هذان، لقد غمّني ما لقيت مِن الأوس والخزرج، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال، حتى والله جبنوا أصحابي، الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا: قتلته الأنصار... يقولون: نحن الأنصار! قد والله آووا ونصروا، ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم...
وانتهى الكلام إلى الأنصار، فجمع قيس بن سعد الأنصاري
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 188 خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 112. كتاب معرفة الصحابة: ذكر مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه).الإصابة 1: 164 في ترجمة حبة. التدوين في أخبار قزوين 1: 193. تالي تلخيص المتشابه 2: 503. وغيرها من المصادر.
(3) شرح الزرقاني 3: 158. مروج الذهب 2: 350 ذكر خلافة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه: التقاء الحكمين.
(4) شرح الزرقاني 3: 158.
(5) الاستيعاب 3: 138 في ترجمة عمار بن ياسر. الإصابة 4 ص:282 في ترجمة عبد الرحمن بن أبزي.
(6) المستدرك على الصحيحين 3: 112. كتاب معرفة الصحابة: ذكر مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه).
(7) تاريخ دمشق 19: 442 في ترجمة زيد بن صوحان.
-[ 232 ]-
الأنصار، ثم قام خطيباً فيهم، فقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم... فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، ولئن وترتموه في الإسلام فقد وترتموه في الشرك. وما لكم إليه من ذنب [أعظم] مِن نصر هذا الدين الذي أنتم عليه. فجدّوا اليوم جدّاً تنسونه [به] ما كان أمس، وجدّوا غداً [جدّاً] تنسونه [به] ما كان اليوم.
وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرائيل، وعن يساره ميكائيل. والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب... " (1).
16 ـ وطلب معاوية من النعمان أن يخرج إلى قيس بن سعد بن عبادة فيعاتبه، ويسأله السلم.فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين، فقال: يا قيس بن سعد، أنا النعمان بن بشير. فخرج إليه. وبعد تبادل الحديث بينهما. قال قيس في جملة حديثه: "وأما معاوية فوالله أن لو اجتمعت عليه العرب [قاطبة] لقاتلته الأنصار. وأما قولك: إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله، نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقًا، أو أعرابيًّا، أو يمانيّاً مستدرجاً بغرور؟! انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك؟! ولستما والله ببدريين [ولاعقبيين] ولا أحديين، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن. ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفين: 445 ـ447.
(2) وقعة صفين: 449، واللفظ له. شرح نهج البلاغة 8: 87 ـ 88. الإمامة والسياسة 1: 91ـ92 ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد. جمهرة خطب العرب 1: 367 الخطب والوصايا عصر صدر الإسلام: خلافة الإمام علي (كرم الله وجهه): جواب قيس بن سعد.
-[ 233 ]-
وقد أشار بشغب أبيه إلى أن بشير بن سعد - أبا النعمان هذا - أوّل مَن بايع أبا بكر في سقيفة بني ساعدة (1)،أو مِن أوائلهم.
17 ـ وذكروا في جملة وقائع صفين أن عماراً حمل في عدة من البدريين وغيرهم مِن المهاجرين والأنصار على عمرو بن العاص، وهو يقود تنوخ ونهداً وغيرهما مِن أهل الشام (2).
18 ـ ويقول أبو عبدالرحمن السلمي وهو من شهود صفين: "فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يتبعونه كأنه عَلَم لهم" (3).
19 ـ وفي حديث أم الخير بنت الحريش يوم قتل عمار: "صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة مِن ربكم وثبات مِن دينكم..." (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2: 124 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر. الرياض النضرة 2: 215 الفصل الثالث عشر: ذكر بيعة العامة. الإصابة 1: 311 في ترجمة بشير بن سعد. فتح الباري 7: 31. الطبقات الكبرى 3: 182 في ترجمة أبي بكر: ذكر بيعة أبي بكر. وغيرها من المصادر.
(2) مروج الذهب 2: 375 ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق وأهل الشام بصفين: اليوم الثالث.
(3) الاستيعاب 3: 1138 في ترجمة عمار بن ياسر، واللفظ له. تاريخ الطبري 3: 99 مقتل عمار بن ياسر. المجموع في شرح المهذب للنووي 19: 162. شرح نهج البلاغة 10: 104. أسد الغابة 4: 46 في ترجمة عمار بن ياسر.
(4) جمهرة خطب العرب 1: 371 خطبة أم الخير بنت الحريش، واللفظ له. تاريخ دمشق 70: 235 في ترجمة أم الخير بنت الحريش. العقد الفريد 2: 90 فرش كتاب الجمانة في الوفود: الوافدات على معاوية (رحمه الله تعالى). صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 1: 297 النوع التاسع مما يحتاج إليه الكاتب من حفظ جانب جيد من مكاتبات الصدر الأول ومحاوراتهم ومراجعاتهم وما ادعاه كل منهم لنفسه أو لقومه والنظر في رسائل المتقدمين من بلغاء الكتاب: المقصد الثاني في ذكر شيء من مكاتبات الصدر الأول يكون مدخلا إلى معرفة ما يحتاج إلى حفظه من ذلك: ومن ذلك كلام أم الخير بنت الحريش البارقية يوم صفين في الانتصار لعلي (رضي الله عنه). بلاغات النساء: 38 كلام أم الخير بنت الحريش البارقية.
-[ 234 ]-
20 ـ وفي حديث عكرشة بنت الأطش أو الأطرش في صفين: "قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرةٍ مِن دينكم" (1)... إلى غير ذلك ممّا لا يتيسر لنا ذكره، ويكشف عن الوجود المكثف للصحابة في حروب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونصرتهم له.

وجود الصحابة المكثف في خاصة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقياداته وولاته
وقد كان منهم جماعة مِن قواد جيشه، وولاته على الأمصار، وعيون أصحابه، كعمار بن ياسر، وأبي أيوب الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وابن التيهان، وذي الشهادتين، وقيس بن سعد بن عبادة، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعدي ابن حاتم الطائي، وعبد الله ومحمد ابني بديل بن ورقاء الخزاعي، وسهل وعثمان ابني حنيف، وجابر ابن عبد الله، وغيرهم كثير.

تلهُّف أمير المؤمنين (عليه السلام) على خاصّته مِن الصحابة
وقد تلهف أمير المؤمنين (عليه السلام) على بعضهم في خطبة له حث فيها الناس على الجهاد، فقال: "أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) بلاغات النساء: 71 كلام عكرشة بنت الأطش، واللفظ له. العقد الفريد 2: 86 فرش كتاب الجمانة في الوفود: الوافدات على معاوية: وفود عكرشة بنت الأطرش على معاوية (رحمه الله). وقريب منه في صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 1: 301 النوع التاسع مما يحتاج إليه الكاتب من حفظ جانب جيد من مكاتبات الصدر الأول ومحاوراتهم ومراجعاتهم وما ادعاه كل منهم لنفسه أو لقومه والنظر في رسائل المتقدمين من بلغاء الكتاب: المقصد الثاني في ذكر شيء من مكاتبات الصدر الأول يكون مدخلا إلى معرفة ما يحتاج إلى حفظه من ذلك، وجمهرة خطب العرب 1: 368 ـ 369 خطب الشيعيات في وقعة صفين: خطبة عكرشة بنت الأطرش.
-[ 235 ]-
مِن إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟".
قال الراوي: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء، ثم قال (عليه السلام) : "أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه،أحيوا السنة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه..." (1).
وقد بقي مَن بقي منهم مع الإمام أبي محمد الحسن (عليه السلام) حين ولي الأمر، حتى صالـح معاوية، وبقوا بعد ذلك يوالونه ويوالون أهل بيته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:47 am

تعرُّض الصحابة لانتقام معاوية
وقد تعرض كثير منهم للقتل والتشريد والنقمة والتنكيل من معاوية، انتقاماً منهم لموقفهم مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ومع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبله، ولمجافاتهم لمعاوية بعده، حتى شرِّد الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي، ولما قتل أو مات قطعوا رأسه وحملوه إلى معاوية، ووضع رأسه في حجر زوجته التي كانت في سجن معاوية، ففزعت، وقالت: غيبتموه عني طويلاً، ثم أهديتموه إلي قتيلاً... (2).

مقتل حجر بن عدي وأصحابه واستياء المسلمين من ذلك
كما قتل الصحابي العظيم حجر بن عدي الكندي وجماعته في مرج عذراء، في حادثة مشهورة، لأنهم أنكروا على زياد عامل معاوية على الكوفة، وامتنعوا بعد ذلك من البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقد كان لمقتلهم ضجة استنكار من المسلمين. فهذه عائشة قد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 2: 109.
(2) أسد الغابة 4: 101 في ترجمة عمرو بن الحمق. البداية والنهاية 8: 48 في أحداث سنة خمسين. تاريخ دمشق 69: 40 في ترجمة آمنة بنت الشريد.
-[ 236 ]-
أكثرت في ذلك، فقالت مرة لمعاوية لما دخل عليها: "يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه..." (1).
وفي رواية أخرى: "أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجراً وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس. أما والله إن كانوا..." (2).
وفي كلام آخر لها مع معاوية: "ما حملك على ما صنعت من قتل أهل عذراء حجر وأصحابه..." (3). ولها كلام أيضاً غير هذا (4).
ولما بلغ عبد الله بن عمر قتل حجر وهو في السوق أطلق حبوته، وقام وقد غلب عليه النحيب (5).
ولما بلغ الربيع بن زياد - عامل معاوية - مقتله قال: "اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك" (6).
وقال الحسن البصري: "أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الأمة... وقتله حجر. ويلاً له مِن حجر مرتين" (7).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3: 232 أحداث سنة إحدى وخمسين: في مقتل حجر بن عدي.
(2) الاستيعاب 4: 126 في ترجمة حجر بن عدي.
(3) البيان والتعريف 2: 72. فيض القدير 4: 126.
(4) راجع تاريخ الطبري 3: 232 أحداث سنة إحدى وخمسين: في مقتل حجر بن عدي، وتاريخ دمشق 12: 226، 229، 230 في ترجمة حجر بن عدي.
(5) الاستيعاب 1: 330 في ترجمة حجر بن عدي، واللفظ له. تاريخ دمشق 12: 227، 228، 229 في ترجمة حجر بن عدي. البداية والنهاية 8: 55 في أحداث إحدى وخمسين:مقتل حجر بن عدي.
(6) الاستيعاب 1: 330 في ترجمة حجر بن عدي، واللفظ له. تهذيب التهذيب ج: 3: 211 في ترجمة الربيع بين زياد. تهذيب الكمال 9: 79 في ترجمة الربيع بن زياد.
(7) تاريخ الطبري 3: 232 أحداث سنة إحدى وخمسين: في مقتل حجر بن عدي. الاستيعاب 1: 331 في ترجمة حجر بن عدي. الكامل في التاريخ 3: 337 في أحداث سنة إحدى وخمسين: ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهم. ينابيع المودة 2: 27. شرح نهج البلاغة 2: 262.
-[ 237 ]-
وهناك كلمات استنكار أخرى صدرت من المسلمين عند مقتله (رضوان الله عليه) (1). ونكتفي بالذي ذكرناه.
وفيهم ورد قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : "يقتل بعذراء سبعة نفر يغضب الله وأهل السماء من قتلهم..." (2).
وقد نكَّل بالكثير مِن الصحابة مِن أجل أنّ هواهم مع أهل البيت (صلوات الله عليهم)، كما لا يخفى على مَن نظر في تاريخ تلك الفترة السوداء.
ولما قدم معاوية المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري، وورد في الحديث عن ذلك: "فقال له معاوية: يا أبا قتادة تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار. ما منعكم؟ قال: لم يكن معنا دواب. قال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. قال: نعم يا أبا قتادة. قال أبو قتادة: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لنا: إنا نرى بعده أثرة.
قال معاوية: فما أمركم عند ذلك؟
قال: أمرنا بالصبر.
قال: فاصبروا حتى تلقوه" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3: 232، 233 أحداث سنة إحدى وخمسين: في مقتل حجر بن عدي. تاريخ دمشق 12: 219،232، 233 في ترجمة حجر بن عدي. البداية والنهاية 8: 54، 55 في أحداث سنة إحدى وخمسين: مقتل حجر بن عدي.
(2) أنساب الأشراف 5: 274 في أمر حجر بن عدي الكندي ومقتله، واللفظ له. تاريخ دمشق 12: 226 في ترجمة حجر بن عدي الأدبر. الجامع الصغير 2: 61 حديث:4765. البداية والنهاية 6: 226 ما روي في إخباره عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه، 8: 55 في أحداث سنة إحدى وخمسين: مقتل حجر بن عدي. كنز العمال 11: 126 حديث:30887، 13: 587 حديث:37509،: 588 حديث:37510. تاريخ اليعقوبي 2: 231 في أيام معاوية بن أبي سفيان بعد وفاة الحسن (عليه السلام). النصائح الكافية: 83. فيض القدير 4: 126. ومثله في الإصابة 2: 38 في ترجمة حجر بن عدي.
(3) الاستيعاب 3: 1421 في ترجمة معاوية بن أبي سفيان، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 2: 453ـ454 في ترجمة أبي قتادة الأنصاري السلمي. شعب الإيمان 6: 56 ـ57 التاسع والأربعون من شعب الإيمان وهو باب في طاعة أولي الأمر بفصولها: فصل في ذكر ما ورد من التشديد في الظلم. الجامع لمعمر بن راشد 11: 60ـ61 باب في فضائل الأنصار. تاريخ دمشق 34: 295 ـ 296 في ترجمة عبد الرحمن بن حسان، 67: 151 في ترجمة أبي قتادة الأنصاري. تاريخ الخلفاء 1: 201 معاوية بن أبي سفيان: فصل في نبذ من أخباره.
-[ 238 ]-
وقال ابن أبي الحديد: "قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدًا، فرحب به وأدناه، حتى أجلسه على سريره، ثم قال: حاجتك أبا خبيب. فسأله أشياء. ثم قال له: سل غير ما سألت. قال:
نعم المهاجرون والأنصار، ترد عليهم فيئهم، وتحفظ وصية نبي الله فيهم، تقبل مِن محسنهم، وتتجاوز عن مسيئهم.
فقال معاوية: هيهات هيهات، لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل أليتها" (1).

إغفال الأمويين ماضي الصحابة في خدمة الإسلام
بل تعدى الأمر ذلك إلى إغفال الأمويين ماضي الصحابة في خدمة الإسلام وعدم التذكير به.فحين حضرت وفود الأنصار باب معاوية، وخرج إليهم حاجبه سعد أبو درة، قالوا له: استأذن لنا، فدخل وقال لمعاوية: الأنصار بالباب، وكان عنده عمرو بن العاص - وهو الذي نال مِن الأنصار في أعقاب حادثة السقيفة، وانتصر لهم منه أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى اضطره للخروج من المدينة، كما سبق - فالتَفَتَ لمعاوية حين سمع حاجبه يذكرهم باسم الأنصار - وهو اللقب الذي شاع لهم بين المسلمين، تبعاً للكتاب المجيد والسنة الشريفة - وقال له: ما هذا اللقب الذي قد جعلوه نسبًا؟! ارددهم إلى نسبهم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 20: 141.
-[ 239 ]-
فقال له معاوية: إنّ علينا في ذلك شناعة، قال: وما في ذلك؟ إنما هي كلمة مكان كلمة، ولا مردّ لها.
فقال معاوية لحاجبه: اخرج فناد:
مَن بالباب مِن ولد عمرو بن عامر فليدخل.
فخرج الحاجب، فنادى بذلك، فدخل ولد عمرو بن عامر كلهم إلا الأنصار.
فقال معاوية: اخرج فناد:
مَن كان هاهنا مِن الأوس والخزرج فليدخل.
فخرج فنادى ذلك. فوثب النعمان بن بشير فأنشأ يقول:
يا سعد لا تعد الدعاء فما لنا *** نسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تـخيره الإله لقومنا *** أثقل به نسـباً علـى الكفـار
إن الذين ثووا ببدر منكـم *** يوم القليب هـم وقود النـار
وقام مغضباً فانصرف.
فرده معاوية وترضاه، وقضى حوائجه وحوائج مَن كان معه مِن الأنصار (1).
بل ضاق مروان بن الحكم بحَجَرٍ وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على قبر عثمان بن مظعون، وهو أول مَن مات من المهاجرين بالمدينة المنورة، فدفنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبقيع وجعل على قبره حجرًا، ليعرف به، ويدفن عنده مَن يموت مِن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مِن قبل معاوية مر على ذلك الحجر، فأمر به فرمي به، وقال:
"لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجرٌ يُعرَف به".
فأتته بنو أمية، فقالوا: بئس ما صنعت، عدت إلى حجر وضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورميت به. بئس ما عملت به، فأْمُرْ به فليرد.
قال: "أما والله إذ رميتُ به فلا يرد" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الأغاني 16: 56، واللفظ له،: 50 ـ 51 باكورة شعر النعمان.
(2) تاريخ المدينة 1: 101 ـ 102 فيما ذكر في مقبرة البقيع وبني سلمة والدعاء هناك.
-[ 240 ]-
وذكر الزبير بن بكار أن سليمان بن عبد الملك مرّ بالمدينة - وهو ولي عهد - فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومغازيه، فقال أبان:
"هي عندي قد أخذتها مصححة ممّن أثق به، فأمر بنسخها وألقى فيها إلى عشرة من الكتاب، فكتبوها في رق، فلما صارت إليه نظر، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل. فإما أنْ يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإما أنْ يكونوا ليس هكذا... ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعله يخالفه. فأمر بذلك الكتاب فخُرِّق... فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه... فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟! تعرف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها.
قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين أمرت بتخريق ما كنت نسخته... فصوَّب رأيه" (1).
وما موقف أهل المدينة مِن يزيد في خلعهم له، وموقفه منهم في واقعة الحرة بفجائعها وبشاعتها، إلا امتداد لموقف الآباء، وما بينهم مِن بغض مستحكم وعداء.

تشويه الإعلام الأموي للحقائق
ومِن الطريف بعد ذلك أنْ يستطيع الإعلام الأموي تشويهَ الحقائق، حتى جَعَلَ الجمهورَ مِن السنة يُوَالُون معاويةَ وعمرو بن العاص وأضرابَهما، ويدافعون عنهما، بِمِلاك موالاة الصحابة، والدفاع عنهم، ويَرَوْن في موقْف الشيعة منهم وطعنهم فيهم نيلاً مِن الصحابة، وتجاوزاً عليهم، مُتَجَاهلين موقفَ الصحابة مِن هؤلاء، وتقييمهم لهم، وموقف هؤلاء مِن الصحابة وعداءهم لهم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الموفقيات: 331 ـ 334 خبر أبان بن عثمان يكتب سير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومغازيه.
-[ 241 ]-
موقف الصحابة مِن أهل البيت (عليهم السلام) بعد هلاك معاوية
ونعود إلى موقف الصحابة مِن أهل البيت (صلوات الله عليهم) بعد هلاك معاوية، فنرى جماعة منهم قد خرجوا مع الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) إلى العراق، واستشهدوا بين يديه. وفيهم نفرٌ مِن الأنصار، ومنهم أنس بن مالك الكاهلي، الذي شهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدراً وحنين. وقد حدث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "إنّ ابني هذا (يعني: الحسين) يقتل بأرض كربلاء، فمَن شَهِد ذلك منكم فلينصره" (1).
وكان حين الواقعة شيخاً كبيرًا، وقد برز شادّاً وسطه بالعمامة رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولما نظر إليه الحسين (عليه السلام) بهذه الهيئة بكى، وقال: "شكر الله لك يا شيخ".
وقتل على كبره ثمانية عشر، وقتل (رضوان الله عليه) (2).
إلى غير ذلك مِن مواقف الصحابة في ولاء أهل البيت (عليهم السلام) ودعمهم لهم، ومباينتهم لأعدائهم ومضادتهم.

جهود الصحابة في رواية النص ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)
كما أنّ لكثير مِن الصحابة اليد الطولى في رواية النص على أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وفي إظهاره ونشره بين المسلمين، وفي رواية مناقبه ومناقب أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتنبيه الأمة لذلك كله، وإلفات نظرها إليه.
وقد تقدم في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة عند الكلام
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الإصابة 1: 121 في ترجمة أنس بن الحارث بن نبيه. تاريخ دمشق 14: 224 في ترجمة الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام). البداية والنهاية 8: 199 في أحداث سنة إحدى وستين: في صفة مقتله. ينابيع المودة 3: 8.
(2) مقتل الحسين للمقرم: 313.
-[ 242 ]-
في واقعة الغدير أنّ نفراً مِن الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري سلَّمُوا على أمير المؤمنين بالولاية، تنبيهاً لحديث الغدير الذي يرى الشيعة أنه نصٌّ في إمامة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). ولعل ذلك هو السبب لمناشدة أمير المؤمنين (عليه السلام) مَن شهد واقعةَ الغدير - ممّن حضره حينئذٍ - أنْ يقوم فيشهد بما رأى وسمع، فاستجاب له مَن حضره مِن الصحابة، فقاموا وشهدوا إلا نفر قليل. وربما كان نتيجة ذلك انتشار حديث الغدير وتناقله والإكثار من رواية الصحابة له، كما تقدم.

جَمْعُ الإمام الحسين الصحابة لتثبيت حقّ أهل البيت
كما روى سليم بن قيس الهلالي (رضوان الله تعالى عليه) أنّ الإمام الحسين حجّ في أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان، فجَمَعَ وجوهَ مَن بقي مِن المهاجرين والأنصار، وجماعة ممّن يعرف بالصلاح والنسك مِن التابعين المنتشرين في أقطار الأرض، ثم قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإني أريد أنْ أسألكم عن شيء، فإنْ صدقتُ فصدِّقوني، وإنْ كذبتُ فكذِّبوني: أسألكم بحق الله عليكم، وحق رسول الله، وحق قرابتي مِن نبيكم، لَمَا سيرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أنصاركم مِن قبائلكم مَن أَمِنْتم مِن الناس ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون مِن حقنا، فإني أتخوف أنْ يُدرَس هذا الأمر، ويذهب الحقُّ ويُغلَب. والله متمّ نوره ولو كره الكافرون".ثم ما ترك (صلوات الله عليه) شيئاً ممّا أنزل الله تعالى فيهم في القرآن إلا تلاه وفسره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته (صلوات الله عليهم) إلا رواه.
-[ 243 ]-
وفي كلّ ذلك يقول مَن شهد الحديث مِن الصحابة:
"اللهم نعم، وقد سمعنا وشهدنا"
ويقول التابعي: "اللهم قد حدثني به مَن أصدّقه وأءتمنه مِن الصحابة".
فقال (عليه السلام) : "أنشدكم الله إلا حدَّثتم به مَن تثقون به وبدِينه".
ثم تفرَّقوا على ذلك (1).
وروى جابر بن عبد الله الأنصاري حديث اللوح الذي أنزله الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسماء الأئمة الاثني عشر من آله (صلوات الله عليهم) (2).
بل لولا الصحابة لَمَا وصل كثيرٌ مِن النصوص الدالة على إمامة أمير المؤمنين والأئمة مِن ولده، وكثير مِن فضائله ومناقبه، وفضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومناقبهم، وكثير مِن مثالب أعدائهم وفضائحهم. فإنهم حدثوا بجميع ذلك، خصوصاً بعد ارتفاع الحَجْر عن السنة النبوية، الذي أشرنا إليه في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة.

أسباب تَحْجِير الأوّلين على السنة النبوية
بل مِن القريب أنْ يكون السبب في التحجير على السنة النبوية مِن قِبَل الأولين، وفي مَنْع عُمَرَ كثيراً مِن أعيان الصحابة عن الخروج مِن المدينة، هو الحَذَر مِن روايتهم النصَّ على أمير المؤمنين والأئمة مِن ولده (صلوات الله عليهم)، ونشر فضائلهم ومناقبهم في البلاد، وتنبيه المسلمين في أقطار الأرض له، خوفاً مِن ردود الفعل السيئة على السلطة القائمة، وسلب الثقة بشرعيتها.فإنّ السلطة كانت تُدْرِك أنّ هوى كثيرٍ مِن الصحابة (رضي الله عنهم) مع أمير
ـــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 320 ـ 323.
(2) بحار الأنوار 36: 201 ـ 202.
-[ 244 ]-
المؤمنين (صلوات الله عليه)، وأنهم يؤمنون بالنص عليه، وبأحقيته وأحقية أهل البيت (عليهم السلام) بالأمر، وتَعَدِّي غيرهم عليهم، كما أشرنا إليه آنفًا.
والحاصل: أنّ الناظِر في التاريخ والحديث بتدبر وإمعان يستوضح أنّ هوى كثيرٍ مِن الصحابة - بما فيهم السابقون الأولون مِن المهاجرين والأنصار - مع أمير المؤمنين وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، قبْل استيلائه على الحكم، وبعده، وبعد مقتله (عليه أفضل الصلاة والسلام).

ظهور حال كثير مِن الصحابة في اعترافهم بحق الإمام (عليه السلام)
وحيث كان ذلك منهم قد حصل مع معرفتهم بأنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يرى أنه صاحب الحق في الخلافة مِن اليوم الأول، ويؤكِّد ذلك هو وكثير ممّن معه في المناسبات المختلفة، فلابد أنهم يتَّفِقون معه، ويرونه صاحب الحق فيه، دون غيره ممّن تقدم عليه. وهو راجع بالآخرة إلى إيمانهم بالنص عليه.

بَيْعَة أمير المؤمنين (عليه السلام) رُجُوعُ الحقِّ لأهله بِنَظَرِ كثيرٍ مِن الصحابة
بل الذي يبدو للمتأمل أنّ بيعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قد ابتنت بنظر كثير مِن الصحابة والناس على كَوْنِه هو الأولى بالأمْر ممّن تقدمه، وأنّ الحق قد عاد لأهله، كما يَشْهَد بذلك كثيرٌ مِن كلام أمير المؤمنين وغيره. وقد سبق عن أبي جعفر الإسكافي أنّ الصحابة اجتمعوا بعد مقتل عثمان للتشاور في أمر الخلافة، وأنهم ذكروا فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمنهم مَن فضَّله على أهل عصره، ومنهم مَن فضَّله على المسلمين كلهم كافة.
ومِن الظاهر رُجُوعُ القسم الثاني إلى تقديمه على الأولين، وفيه إيماءٌ إلى كَوْنه أولى منهم بالأمر.
كما سبق في جواب السؤال الثالث في جملة كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)
-[ 245 ]-
في أمر الخلافة قوله في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له:
"والتوبةُ مِن ورائكم. قد كانت [لكم] أمورٌ [ملتم عَلَيَّ فيها ميْلةً] لم تكونوا عندي فيها محمودين ولا مصيبين...".
وتقدم عن حذيفة أنه قال حينما بلغه استنفار أمير المؤمنين (عليه السلام) الناسَ لنصرته على أهل البصرة:
"إنّ الحسن وعماراً قدما يستنفرانكم. فمَن أحبّ أنْ يلقى أميرَ المؤمنين حقّاً حقّاً فليأتِ عليَّ بن أبي طالب" (1).
وقد روى اليعقوبي في تاريخه عند ذكر بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ قوماً مِن الأنصار تكلموا، وكان أوّل مَن تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وكان خطيب الأنصار فقال:
"والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدَّمُوك في الولاية فما تقدّموك في الدين. ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم. ولقد كانوا وكنتَ لا يخفى موضعك ولا يجهل مكانك. يَحْتَاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجتَ إلى أحد مع عِلْمك" (2).
وقد روى الحاكم النيسابوري أنّ خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين أنشد حين البيعة أمام المنبر:
إذا نحن بايعنا عليّاً فحَسْبُنا *** أبو حسن ممـّا نخـاف مِن الفتن
وجدناه أولى الناس بالناس إنه *** أطبّ قريش بـالكتاب و بالسنن
وإنّ قريشاً ما تشقّ غبــاره *** إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن
و فيه الذي فيهم مِن الخير كله *** و ما فيهمُ كلّ الذي فيه مِن حَسَن (3)
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 2: 366 وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
(2) تاريخ اليعقوبي 2: 179 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 124 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له. الإصابة 2: 278 في ترجمة خزيمة بن ثابت بن الفاكه.
-[ 246 ]-
ومِن الظاهر أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينافسه أحد مِن قريش حين البيعة، فذكر خزيمة بن ثابت في هذه الأبيات لقريش لابد أنْ يكون تعريضاً بمَن تقدَّم منهم عليه (عليه السلام). بل مضمون الأبيات ظاهِر في تقدمه (عليه السلام) على جميع قريش بما فيهم مَن تقدمه في الحكم.
وأظهر في ذلك بقية الأبيات التي رواها السيد المرتضى (قدس سره) وهي:
وَصِيّ رسول الله مِن دون اهله‏ *** و فارسه قد كان في سالف الزمن
و أوّل مَن صلى مِن الناس كلهم‏ *** سوى خيرة النسوان و الله ذو منن
و صاحب كبش القوم في كلّ وقعة *** تكون لها نفس الشجاع لدى الذقن‏
فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه‏ *** امامهم حتى أغيب في الكفن (1)
وفي حديث الحسن بن سلمة قال: "لما بلغ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مسير طلحة والزبير وعائشة من مكة إلى البصرة نادى الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى لمّا قبض نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قلنا: نحن أهل بيته، وعصبته، وورثته، وأولياؤه، وأحق خلائق الله به، لا ننازع حقه وسلطانه، فبينما نحن على ذلك إذ نَفَرَ المنافقون، فانتزعوا سلطانَ نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) منا، ووَلَّوه غيرنا، فبكت لذلك والله العيون والقلوب منا جميعًا، وخشنت والله الصدور... وقد وليَ ذلك ولاةٌ و مضوا لسبيلهم، وردّ الله الأمر إليّ، وقد بايعني هذان الرجلان طلحة والزبير فيمَن بايعني، وقد نهضا إلى البصرة، ليفرّقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم. اللهم فخذهما بغشّهما لهذه الأمة وسوء نظرهما للعامة.
فقام أبو الهيثم بن التيهان (رحمه الله)، وقال: يا أمير المؤمنين إنّ حسد قريش
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول المختارة: 267.
-[ 247 ]-
إياك على وجهين، أما خيارهم فحسدوك منافسةً في الفضل، وارتفاعاً في الدرجة. وأما أشرارهم فحسدوك حسداً أحبط الله به أعمالهم، وأثقل به أوزارهم. وما رضوا أن يساووك حتى أرادوا أن يتقدموك، فبعدت عليهم الغاية، وأسقطهم المضمار، وكنت أحق قريش بقريش..."، ثم أنشد أبياتاً نذكر منها:
إنّ قوماً بَغَوا عليك وكادوك *** وعابوك بالأمور القباح
ليس مِن عيبها جناح بعـوض *** فيـك حقّاً ولا كعشر جناح
أبْصَرُوا نعمةً عليـك مِن الل *** ــه وقرماً يدق قرن النطاح
وإماماً تأوى الأمـور إليه *** ولجاماً يلين غرب الجماح
حاكماً تجمع الإمـامة فيه *** هـاشميّاً له عراض البطاح
يا وصـيَّ النـبي نحن مِن الح *** ـق على مثل بهجة الإصباح (1)
وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعقيب ابن التيهان عليه كما ترى شاهد على ما ذكرنا.
ولابن التيهان أبيات أخرى تشير لما ذكرنا يقول فيها:
قل للزبير وقل لطلحة إننا *** نحن الذين شعارنا الأنصـار
نحن الذين رأت قريش فعلنا *** يوم القليب أولئك الكفار
كنا شعار نبينا ودثاره *** يفديه منا الروح والأبصار
إنّ الوَصِيَّ إمامُنا ووليُّنا *** برح الخفاء وباحت الأسرار (2)
وقال عبد الرحمن بن جعيل حين بويع أمير المؤمنين:
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة *** على الدِّين معروف العفاف موفق
عليّاً وصيّ المصطفى وابن عمه *** وأوّل مَن صلّى، أخا الدين والتقى (3)
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أمالي الشيخ المفيد: 154 ـ 156.
(2)، (3) شرج نهج البلاغة 1: 143 ـ 144.
-[ 248 ]-
فإنّ النُّعُوت التي نعت بها أمير المؤمنين (عليه السلام) تناسب تقدمه على غيره حتى الأولين.
وفي حديث لشريح بن هاني مع عمرو بن العاص حينما أرسله أمير المؤمنين (عليه السلام) بنصيحة له قال شريح: "فأبلغتُه ذلك يوم لقيتُه، فتمعّر وجه عمرو، وقال:
متى كنتُ أقبَلُ مشورة عليٍّ أو أنيب إلى أمره، وأعتدّ برأيه؟!
فقلتُ: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبَل مِن مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم (صلى الله عليه) مشورتَه. لقد كان مَن هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه.
فقال: إنّ مثلي لا يكلم مثلك.
فقلتُ: بأيّ أبويك ترغب عن كلامي، بأبيك الوشيظ، أم بأمّك النابغة؟!
فقام مِن مكانه..." (1).

تأكيد الصحابة على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وَصِيُّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بل في تأكيدهم وتأكيد كثير مِن الصحابة - يزيدون على عشرين، كما قيل - والتابعين في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) في أشعارهم وخطبهم وأحاديثهم في المناسبات المختلفة على وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) تذكيرٌ بالنص وتأكيدٌ عليه، لأنّ المراد بها وصية النبوة، وهي قيامه مقامه في أمّته، كسائر أوصياء الأنبياء، فإنّ ذلك هو الظاهر منها في الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2)، دون الوصيّة بالأمور الشخصية الخاصة، وإنْ كانت هي شاملة لها أيضًا.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفين: 543، واللفظ له. ينابيع المودة 2: 23.
(2) فتح الباري 8: 150. مجمع الزوائد 7: 237 كتاب الفتن أعاذنا الله منها: باب فيما كان في الجمل وصفين وغيرهما، 8: 253 كتاب علامات النبوة: باب عظم قدره (صلى الله عليه وآله وسلم)، 9: 165 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). المعجم الكبير 3: 57 بقية أخبار الحسن بن علي (رضي الله عنهم) ، 4: 171 فيما رواه عباية بن ربعي الأسدي عن أبي أيوب، 6: 221 فيما رواه أبو سعيد عن سلمان (رضي الله عنه). المعجم الأوسط 6: 327.فضائل الصحابة 2: 615. الفردوس بمأثور الخطاب 3: 336. كنز العمال 11: 605 حديث:32923. الكامل في ضعفاء الرجال4: 14 في ترجمة شريك بن عبد الله بن الحارث. الموضوعات 1: 369، 374. تاريخ دمشق 42: 130،392 في ترجمة علي بن أبي طالب. شرح نهج البلاغة 13: 210. المناقب للخوارزمي: 85،147. ينابيع المودة 1: 235، 239، 241، 2: 79، 163، 232، 267، 279، 280، 3: 264، 291، 384. وغيرها من المصادر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 7:57 am

-[ 249 ]-
استفزاز دعوى الوصية بعضَ مَن تَبَنَّى خلافةَ الأولين
ولِذا استفزّت دعوى الوصية له بعضَ مَن تبنى خلافة الأولين، وأنكروها، فعن الأسود، قال: "ذكر عند عائشة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى إلى عليّ، فقالت:
مَن قاله؟ لقد رأيتُ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإني لَمُسْنِدَتُه إلى صدري، فدعا بالطست، فانخنث فمات، فما شعرتُ.
فكيف أوصى إلى عَلِيٍّ؟!" (1).
ويأتي في جواب السؤال الثامن عند الكلام في صحاح الجمهور الكلام حول هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
وفي حديث طلحة بن مصرف: "سألتُ عبد الله بن أبي أوفى:
أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال: لا.
فقلت: كيف كُتِب على الناس الوصية، أُمِرُوا بها ولم يُوصِ؟
قال: أوصى بكتاب الله" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 4: 1619 كتاب المغازي: باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته وقول الله تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ))، واللفظ له. صحيح مسلم 3: 1257 كتاب الوصية: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. مسند أحمد 6: 32 في حديث السيدة عائشة (رضي الله عنه). وغيرها من المصادر.
(2) صحيح البخاري 4: 1918 كتاب فضائل القرآن: باب الوصية بكتاب الله عز وجل، واللفظ له، 3: 1006 كتاب الوصايا: باب الوصاي، 4: 1619 كتاب المغازي: باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته وقول الله تعالى ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)). السنن الكبرى للبيهقي 6: 266 كتاب الوصايا: باب من قال بنسخ الوصية للأقربين الذين لا يرثون وجوازها للأجنبيين. مسند أبي عوانة 3: 475 مبتدأ كتاب الوصايا: بيان الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص شيئاً إلى أحد والدليل على أنه لم يوص في المال لأنه لم يترك شيئاً من الأموال ميراثـاً وبيان الخبر المبين أنه أوصى بما وجب عليه. وغيرها من المصادر الكثيرة.
-[ 250 ]-
وفي حديث مالك بن معول عن طلحة قال: "قلت لعبد الله بن أبي أوفى أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: لا.
قلت: فكيف كتب على الناس الوصية ولم يُوصِ؟!
قال: أوصى بالقرآن.
فقال له هزيل بن شرحبيل:
أبو بكر يَتَأَمَّر على خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) !! لَوَدَّ أبو بكر أنه وَجَدَ عَهْداً مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه خزم أنفه خزام" (1).
ويقول ابن كثير بانفعال وعصبية ظاهرة: "وأما ما يفتريه كثيرٌ مِن جهلة الشيعة والقصّاص الأغبياء، مِن أنه أوصى إلى عليٍّ بالخلافة، فكِذْبٌ وبهتٌ وافتراءٌ عظيم، يلزم منه خطأ كبير، مِن تَخْوِين الصحابة، ومُمَالأَتِهم بعده على تَرْك إنفاذ وصيَّتِه... وما قد يقصّه بعضُ القصاص مِن العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها مِن الوصية لعليٍّ في الآداب والأخلاق... كلُّ ذلك مِن الهذيانات، فلا أصل لشيء منه. بل هو اختلاقُ بعض السفلة الجهلة، ولا يُعوِّل على ذلك، ولا يَغْتَرّ به إلا غبيٌّ عَيِيّ" (2).
والحاصل: أنّ شيوع الحديث عن الوصية بعد بيعة الناس لأمير
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أبي عوانة 3: 476، واللفظ له،: 475 مبتدأ كتاب الوصية: بيان الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص شيئاً إلى أحد والدليل على أنه لم يوص في المال لأنه لم يترك شيئاً من الأموال ميراثـاً وبيان الخبر المبين أنه أوصى بما وجب عليه. سنن الدارمي 2: 496 ومن كتاب الوصايا: باب من لم يوص. مسند البزار 8: 297 ـ 298 فيما رواه عبدالله بن أبي أوفى. فتح الباري 5: 361. البداية والنهاية 5: 251 في فصل لم يعنونه بعد قصة سقيفة بني ساعدة. حلية الأولياء 5: 21 في ترجمة طلحة بن المصرف. الرياض النضرة 2: 197 الفصل الثالث عشر في ذكر خلافته وما يتعلق بها من الصحابة: ذكر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعهد في الخلافة بعهد ولم ينص فيها على أحد بعينه. تاريخ الخلفاء 1: 7 فصل في بيان كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف وسر ذلك. الفائق في غريب الحديث 4: 42 في مادة وثب. النهاية في غريب الحديث 2: 29 في مادة خزم، 5: 149 في مادة وثب. لسان العرب في مادة وثب، ومادة خزم. غريب الحديث لابن سلام 3: 212 ـ 213 في حديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه).
(2) البداية والنهاية 7: 225 ـ 226 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه).
-[ 251 ]-
المؤمنين (عليه السلام)، وتأكيد جماعة كبيرة مِن الصحابة وغيرهم لها، ظاهِر في الاعتراف بالنص والإذعان به.
غاية الأمر أنّ الصحابة قد غُلِبُوا على أمرهم مدةً مِن الزمن، فاستسلموا للأمر الواقع. وهو أمر آخر غير تجاهلهم للنص.

شكوى أهل البيت (عليهم السلام) كانت مِن قريش، لا مِن الصحابة
ولذا لم يُعْرَف مِن أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته (صلوات الله عليهم) الشكوى مِن الصحابة عمومًا، وإنما أكثروا الشكوى مِن قريش ومَن تبعهم خاصة، كما يظهر ممّا سبق وغيره ممّا لم يتيسر لنا ذكره.
بل أغلب مَن تعرَّض لأحداث السقيفة وما بعدها إنما نَسَب الموقفَ المُضَادّ لأهل البيت (عليهم السلام) لقريش، لا للمسلمين عمومًا، ولا للصحابة، حتى مثل عمر وعثمان في كلماتهما المتقدمة في جواب السؤال الثالث من هذه الأسئلة.
نعم، قد يَنْسِبُه للمسلمين أو للصحابة مَن يُحَاوِل إضفاءَ الشرعية عليه، كما في كلام أبي بكر مع العباس المتقدم هنا، وكتابي معاوية للإمام الحسن (عليه السلام) المتقدمين في جواب السؤال الثالث.

فوز كثيرٍ مِن الصحابة بالمقام الرفيع
وبذلك فاز كثير مِن الصحابة (رضي الله عنهم) الذين بقوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمقام الرفيع، والمنزلة السامية، والفضل الكبير، والأجر العظيم. كما فاز بجميع ذلك قبْلهم مِن الصحابة مَن صدقوا في نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واهتدوا بهديه، ومضوا على منهاجه في حياته - قبل أنْ يحدث الخلاف والشقاق بين المسلمين - مِن أعلام المهاجرين والأنصار، وذوي الأثر المحمود في الإسلام.
-[ 252 ]-
ثناء الأئمة (عليهم السلام) على الصحابة
وقد عَرف الأئمة (عليهم السلام) لكثير مِن الصحابة ذلك، وشكروه لهم، وأثنوا عليهم، ونوَّهوا بهم وبجهادهم وجهودهم، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: "ولقد كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليمًا، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدو. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما، أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرةً لنا مِن عدونا، ومرة لعدونا منا. فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر" (1).
وقال (صلوات الله عليه) في خطبة له: "لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أرى أحداً يشبههم. لقد كانوا يصبحون شعثاً غبرًا، وقد باتوا سجداً وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم. إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء الثواب" (2).
ولما تكلم عمرو بن العاص على الأنصار، ونال منهم في أعقاب السقيفة بكلامه المتقدم، ونظم شعراً في ذمهم،وحاول جماعة مِن سفهاء قريش - مِن مَسْلَمَة الفَتْح ونحوهم - تشجيعه على ذلك، فعاد للكلام فيهم، استنكر أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه ذلك، ولزم جانب الأنصار، وتكلم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 1: 104 ـ 105.
(2) نهج البلاغة 1: 189 ـ 190، واللفظ له. كنز العمال 16: 200 حديث: 44222. صفوة الصفوة 1: 331 ـ 332 في ترجمة أبي الحسن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : كلمات منتخبة من كلامه ومواعظه (عليه السلام). تاريخ دمشق 42: 492 في ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
-[ 253 ]-
مغضباً فقال: "يا معشر قريش إنّ حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم..." في كلام طويل. وطلب من الفضل بن العباس أن ينصر الأنصار بشعره، فنظم أبياتاً في ذلك.
فمَشَت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا: "أيها الرجل أما إذا غضب عليٌّ فاكفف".
ثم أعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) الكرة، وأثنى على الأنصار، وندّد بمَن نال منهم، وصدقه المسلمون، حتى خرج عمرو بن العاص من المدينة، ولم يرجع حتى رضي عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) والمهاجرون (1).
وقال (عليه السلام) عن الأنصار في كلام آخر له: "هم والله ربوا الإسلام كما يربّى الفلو. مع غنائهم بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط" (2).
وروى زرارة عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: "ما سلت السيوف، ولا أقيمت الصفوف، في صلاة ولا زحوف، ولا جهر بأذان ولا أنزل الله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) حتى أسلم أبناء القيلة [قيلة.ظ] الأوس والخزرج" (3)... إلى غير ذلك مما ورد عنهم (عليهم السلام) في حق الصحابة.
كما أنّ الإمام أبا محمد علي بن الحسين السجاد زين العابدين (صلوات الله عليه) قد خصّ صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفقرات كثيرة في دعائه الرابع من أدعية الصحيفة السجادية في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم.
قال فيه: "اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلو البلاء الحسن في نصره، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 6: 29 ـ 36.
(2) نهج البلاغة 4: 106.
(3) بحار الأنوار 22: 312.
-[ 254 ]-
رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منوطين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته...". إلى آخر ما ذكره (صلوات الله عليه) في دعائه لهم (1).

موالاة مَن ثَبَت على الحق مِن الصحابة مِن فرائض الدين
بل قد عدّ الأئمة (صلوات الله عليهم) موالاة مَن ثبَت على الحق من الصحابة من فرائض الدين، وشرايع الإسلام، التي يجب القيام بها.ففي حديث الأعمش عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه) في بيان شرائع الدين، قال (عليه السلام) : "وحُبّ أولياء الله والولاية لهم واجبة، والبراءة مِن أعدائهم واجبة، ومِن الذين ظلموا آل محمد (عليهم السلام)، وهتكوا حجابه... وأسَّسُوا الظلمَ وغيَّروا سنّةَ رسول الله... والبراءة مِن الأنصاب والأزلام، أئمة الضلال، وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم، واجبة... والبراءة مِن جميع قتلة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة. والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة. مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد ابن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وأبي الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبي أيوب الأنصاري، وعبدالله بن الصامت، وعبادة بن الصامت، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدري، ومَن نحا نحوهم، وفعل مثل فعلهم. والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تجده أيضاً في ينابيع المودة 3: 428، 429.
(2) الخصال: 607 ـ 608 باب الواحد إلى المائة: خصال من شرائع الدين.
-[ 255 ]-
وقد سأل المأمون العباسي الإمام أبا الحسن علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليه) أنْ يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب (عليه السلام) له: "إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله..."، ثم كتب أصول الإسلام وفروعه، وجاء في جملة ذلك في بيان الواجبات في شريعة الإسلام:
"والبراءة مِن الذين ظلموا آلَ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهمّوا بإخراجهم، وسَنُّوا ظلْمَهم، وغيَّروا سنّةَ نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)... والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والذين مضوا على منهاج نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وحذيفة اليماني، وأبي الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت، وأبي أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدري، وأمثالهم (رضي الله عنهم، ورحمة الله عليهم)، والولاية لأتباعهم وأشياعهم، والمهتدين بهداهم، والسالكين منهاجهم (رضوان الله عليهم") (1).
وقد عرف لهم شيعة أهل البيت ذلك، فوَالَوْهم كما قال أئمتهم (صلوات الله عليهم)، أداءً لحقّهم، وبخوعاً لأمر الله تعالى وأمر رسول الله وأوصيائه (صلوات الله عليهم) فيهم.فقد قال عز من قائل: ((وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)) (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا 1: 129ـ 134 باب ماكتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين.
(2) سورة الحشر الآية: 10.
-[ 256 ]-
وقد تقدم عن الأئمة (عليهم السلام) ما يكفي في ذلك.
كما قد تقدم في أواخر الجواب عن السؤال الثاني من الأسئلة السابقة أنَّ مِن تمام الدين الحب في الله تعالى والبغض في الله، وموالاة أولياء الله، والبراءة مِن أعداء الله ومعاداتهم، وأنّ الأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، ذكرنا هناك بعضاً منها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة   الخميس أغسطس 16, 2012 8:02 am

خلاصة ما سبق
وبذلك كلّه ظهر جليّاً ما سبق مِن أنّ النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان موجوداً - كما تقول الشيعة - فالذين رَدُّوه جماعةٌ قليلة مِن المهاجرين والأنصار قادت الانقلابَ على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتبِعَهم كثيرٌ مِن ضِعَاف الدِّين مِن مَسْلَمَة الفَتْح ونحوهم مِمّن دخل الإسلامَ رهبةً أو رغبةً في الدنيا، أما باقي المهاجرين والأنصار فلا يتّضح منهم ذلك، بل الذي يظهر مِن كثيرٍ منهم الإذْعَانُ بالنص.وهم وإنْ فَرَّطُوا في نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أول الأمر ـ عدا القليل منهم ـ إلا أنهم قد رجعوا إليه بعد ذلك، ولزموا جانبَه، وقاتلوا معه، وشدوا أزره. فشكر الله تعالى سعيهم، وغفر ذنبهم، وأجزل ثوابهم، إنه قابل التوبة، شكور غفور.
وفي ختام حديثنا هذا نود التنبيه على أمرين قد يغفل عنهما:

يَكْفِي الشّكُّ في إعْرَاض الصحابة عن النص
الأول: أنّ الذي يَبْدُو مِن السؤال المَفْرُوغِيَّة عن تَبَنِّي الجمهور الأعظم مِن الصحابة لِمَا حصل في السقيفة،(والمفروغية)عن إعراضهم عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). وكَأَنّ ذلك مِن الوضوح بحدٍّ لا يحتاج معه إلى إثباتٍ، ومِن ثَمَّ استنكر السائلُ النصَّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) لاستبعاد
-[ 257 ]-
تجاهلهم له لو كان موجودًا.
لكن طبيعة الاستدلال تقتضي بأَنّ تبنِّي الجمهور الأعظم من الصحابة لما حصل هو الأمر المحتاج للإثبات، ويكفي في عدم صحة الاستدلال التشكيك فيه. ومِن ثَمَّ لا يتوقف ردُّ الاستدلال المذكور على إثبات صحة الأحداث والشواهد التي ذكرناها في الجواب وتمامية سندها، بل يكفي احتمالُ صحتها، أو صحة بعضها.
على أنها من الكثرة والتعاضد بحيث يُعْلَم بحصول كثيرٍ منها، ولا يشك الناظر فيها في عدم تبنِّيهم لِمَا حصل وعدمِ إعراضهم عن أمير المؤمنين وعن النصِّ عليه لو كان واردًا.

إذعان الصحابة للنص شَرَفٌ لهم
الثاني: أنّ الناظر في حديثنا السابق قد يحسب بَدْواً أنا نحاول تأييد النص والدفاع عنه مِن طريق بيان إذعان كثيرٍ مِن الصحابة به وعدم تجاهلهم له، وبيان فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) ورفيع مقامه مِن طريق بيان ولاء الصحابة المذكورين له، ولزومهم جانبه، وحروبهم معه.
لكنّ وضوح النص وجلاءه، وبداهة رفعة مقام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، وكونه عَلَماً للحق، وفارقاً بينه وبين الباطل، كلّ ذلك يجعلهما في غِنًى عن التأييد والاستظهار بغيرهما، كما قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):
"لا يزيدني كثرة الناس حولي عزًّة ولا تفرُّقهم عنّي وحشةً" (1). بل يبقى (صلوات الله عليه) وسام شرف لمَن ائتمّ به، وأذعن بالنص عليه، وشايعه، وجاهد في سبيل دعوته.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 3: 62. الإمامة والسياسة 1: 51 خروج علي من المدينة. الأغاني 16: 290 رسائل بين علي وأخيه عقيل.
-[ 258 ]-
ومِن ثَمّ يكون حديثنا السابق في حقيقته بياناً لفضل الصحابة المذكورين، ودفاعاً عنهم، وتنزيهاً لهم عمّا قد يُوصَمُون به - نتيجة الإعلام المضاد - مِن النُّكُوص على الأعقاب والزيغ عن الحق وأهله.
هذا هو التفسير الصحيح لِمَا حصل، وعليه جرى السلف الصالـح لشيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ففي حديث عبد الرحمن بن الحجاج، قال: "كنا في مجلس أبان بن تغلب، فجاءه شاب، فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) مِن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: فقال له أبان: كأنّك تريد أنْ تعرف فَضْلَ عَلِيٍّ بِمَن تبعه مِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: فقال الرجل: هو ذلك.
فقال: والله ما عرفنا فضْلَهم إلا باتباعهم إيّاه..." (1).
ويشبهه في ذلك حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: "كنتُ بين يدي أبي جالساً ذات يوم، فجاءتْ طائفة مِن الكرخيين، فذكروا خلافة أبي بكر، وخلافة عمر بن الخطاب، وخلافة عثمان بن عفان، فأكثروا، وذكروا خلافة علي بن أبي طالب، وزادوا فأطالوا.
فرفع أبي رأسَه إليهم، فقال:
يا هؤلاء، قد أكثرتم في عَلِيٍّ والخلافة، والخلافة وعَلِيٍّ. إنّ الخلافة لم تُزَيِّن عليًّا، بل عليٌّ زيَّنَها" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1: 133 في ترجمة أبان بن تغلب.
(2) تاريخ دمشق 42: 446 في ترجمة علي بن أبي طالب. تاريخ بغداد 1: 135 في ترجمة علي بن أبي طالب. المنتظم 5: 62 أحداث سنة خمس وثلاثين: ومن الحوادث في هذه السنة أعني سنة خمس وثلاثين من الهجرة خلافة علي (عليه السلام).
-[ 259 ]-
الكلام في آية: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس...))

بقي الكلام في الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ)) (1). وكأنّك تدَّعي أنّ المراد بها هم الصحابة، مِن أجل أنْ تُبْعِد عنهم احتمالَ الجهْل بالنص، والتعامِي عنه.
وما ندري كيف تقول ذلك؟!
فإنّ اللغويين وإنْ ذكروا للأمة معاني مختلفة، إلا أنّ أظهرها وأجمعها ما في مفردات الراغب، قال:
"والأمّة كلّ جماعةٍ يجمعهم أمرٌ ما، إمّا: دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد" (2).
والمناسب للمقام أنْ يُراد بها هي أمّة الإسلام عمومًا.
وإنما صارت خيرَ أمةٍ لأنها خاتمة الأمم، ونبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء وأشرفهم، ودينها خاتم الأديان وأفضلها، وشريعتها خاتمة الشرايع وأكملها، ولأنّ هذه الأمة مهما شذّت واختلفت فإنها لم تكفر بالله تعالى ولم تشرك به، كما أشرك اليهود حين عبدوا العجل، وحين ((قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) (3).
وكما كفر النصارى حين ((قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) (4)، وأشركوا حين ((قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ)) (5)... إلى غير ذلك ممّا فضلت به هذه الأمة على الأمم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران الآية: 110.
(2) مفردات غريب القرآن: 23 في مادة (أم).
(3) سورة الأعراف الآية: 138 ـ 139.
(4) سورة المائدة الآية:72.
(5) سورة المائدة الآية:73.
-[ 260 ]-
وفي الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد قال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيَّكم حتى اختلفتم فيه!
فقال (عليه السلام) له: "إنما اختلفنا عنه، لا فيه. ولكنكم ما جَفَّت أرجلُكم مِن البحر حتى قلتم لنبيكم: ((اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) (1).
أما الصحابة فهم كسائر أفراد هذه الأمة، فيهم الصالـح والطالـح، والحافظ لعهد الله تعالى والناكث له، كما تقدم الحديث عن ذلك مفصلاً في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.
ولو فرض أنه لم يكن المراد منها أمة الإسلام عمومًا، بل خصوص مَن حضر منها الخطاب، حين نزول الآية الشريفة، فهم لا يختصّون بالصحابة، بل هم كلّ المسلمين الموجودين حين نزول الآية، وإنْ لم يصحبوا النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِبعدهم عنه. ومِن الظاهر أنهم ليسوا منزَّهين عن الزيغ، ولا يؤمن عليهم. فلابد مِن حمل الآية على بعضهم.
على أنه لو سُلِّمَ جَدَلاً أنّ المراد بالآية الشريفة خصوص الصحابة، بمعنى: مَن رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع حديثه، فإنْ كان المدّعى أنهم كلّهم خيرٌ لا شرَّ فيه.
فيدفعه..أولاً: أنّ الآية الشريفة لا تقتضي ذلك، لأنه يكفي في التفضيل زيادة نسبة الخير في الأفضل، ولا يتوقف على خُلُوّ الأفضل مِن الشر.
وثانياً: أنّ ذلك لا يناسب حال الصحابة، كما سبق في جواب السؤال المذكور. بل هو أمْرٌ لا يقول به حتى السنة، فإنهم لا ينزهون الصحابة عن الشر، ولا يرون عصمتهم، غاية الأمر أنْ يقولوا- أو يقول بعضهم- بعدالتهم، وهي تجتمع مع صدور الشر منهم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 4: 75.
-[ 261 ]-
وإنْ كان المدّعى أنهم خيرٌ نسبيّاً بأنْ تكون نسبة الخير فيهم أكثر مِن نسبة الخير في غيرهم. فهو لا ينافي إعراضَهم عن النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) - لو كان موجودًا، كما تقول الشيعة - لأنه لا يبلغ حدَّ الكفر بالله تعالى والشرك به، الذي صدر مِن أصحاب الأنبياء السابقين وأممهم. وربما كان الثابتون على الحق مِن صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر نسبةً مِن الثابتين عليه مِن أصحاب الأنبياء السابقين وأممهم. وهذا كافٍ في كَوْن صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خيراً مِن أولئك نسبيًّا.
وعلى كل حال فالآية الكريمة أجنبية عما نحن فيه، ولا تنفع في إثبات المدعى، مِن أجل استبعاد وجود النص على أمير المؤمنين (عليه السلام). بل لابد مِن النظر في النص، وبذل الجهد في الفحص عنه، وتحقيق سنده ودلالته، خروجاً عن تبعة مخالفته لو كان موجودًا، لعظم المسؤولية وخطورة التبعة. مع خلوص النية، والبعد عن اللجاجة والمراء، واللجأ إلى الله تعالى في التوفيق والتسديد، فإنّ الأمر بيده، كما قال عز من قائل: ((وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)) (1).
وقال عز وجل: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) (2). والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل الآية:9.
(2) سورة العنكبوت الآية:69.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
في رحاب العقيدة.كَثِيرٌ ممَّا يمكن أن تتصوّره عن رؤية الصحابة بالنسبة للنَّصِّ على الإمامة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شيعة تبسة :: قسم الواحة الاسلامية السمحة :: منتدى الحوار العقائدي-
انتقل الى: