منتدى يلم شمل شيعة تبسة الجزائرية
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ان الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا
السبت مايو 09, 2015 1:53 pm من طرف أبن العرب

» التوحيد واقسامه
الجمعة مايو 01, 2015 1:29 pm من طرف أبن العرب

» قولوا لا إله إلا الله تفلحوا
الجمعة مايو 01, 2015 1:08 pm من طرف أبن العرب

» برنامج الأذان الشيعي للكمبيوتر -رائع-
الجمعة نوفمبر 21, 2014 1:31 am من طرف أبو حسين

» الرد علي الشبهات تارافضيه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:53 pm من طرف الشناوي احمد

» هل ولد علي بن ابي طالب رضي الله عنه في الكعبه يا رافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:50 pm من طرف الشناوي احمد

» لماذا يكفر من ينكر الامامه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:48 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الرافضه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:46 pm من طرف الشناوي احمد

» سؤال الي الشيعه
السبت نوفمبر 15, 2014 6:44 pm من طرف الشناوي احمد

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
pubarab

شاطر | 
 

 في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:13 pm

كلام السيد الحكيم في كتابه(في رحاب العقيدة)ج3:

-[ 5 ]-
س8 يتّفق المسلمون مِن السنة والشيعة على حجّيّة القرآن وقطعيّة صُدُوره، لكن يـختلفون في مصدر السنة وتلقِّيها، حيث إنّ أهل السنة لا يأخذون إلا ما رُوي عن رسول الله (ص) مِن رواية الثقات، والشيعة يأخذون برواية الأئمة وإنْ تطاول الأمد عن رسول الله (ص) بدعوى العصمة فيهم، والذين يروون عن الأئمة هم رجال غير معصومين، شأنهم شأن رواة أهل السنة. فلماذا لا تكون كتب أهل السنة مَرْجِعاً معتمداً عند الشيعة؟ خصوصاً عند القائلين مِن الشيعة بجواز الرواية عن الثقة وإنْ كان مذهبه مخالفاً وخالَفَت روايتُه مذهبَ الشيعة. وهذا غير لازم لأهل السنة - أي الاعتماد على كتب الشيعة - لأنهم اكتفوا بالرواية عن الرسول (ص)، ولعدم قولهم بعصمة الأئمة.


ج: كلامك هذا يتضمن مطلبين مهمين:

المطلب الأول:
قولك: "فلماذا لا تكون كتب أهل السنة مرجعًا
-[ 6 ]-
معتمداً عند الشيعة؟ خصوصاً عند القائلين مِن الشيعة بجواز الرواية عن الثقة، وإنْ كان مذهبه مخالفًا، وخالفت روايته مذهب الشيعة".


والذي يبدو أنّ عبارة السؤال غير دقيقة، وأنّ المراد: "خصوصاً عند القائلين من الشيعة بجواز العمل برواية الثقة وإن كان مذهبه مخالف...".
وأمّا مجرَّد الرواية - مع قطع النظر عن العمل - فيجوز عن كلّ أحد، حتى عن الكافر غير الثقة، كما هو الحال في رواية القصص والحوادث التاريخية، والأحاديث غير المعوّل عليها في الأحكام الشرعية.
وبعد ذلك نقول:

لا يجوز العَمَل بالرواية المخالفة لمذهب الشيعة
ليس في الشيعة مَن يقول بجواز العمل برواية الثقة المخالف إذا خالَفَت روايتُه مذهبَ الشيعة، بل حتى رواية الثقة الشيعي إذا خالَفَت مذهبَ الشيعة لا يُعمَل بها.
لأنّ المذهب لا يَصحّ نِسْبَتُه للشيعة إلا بعد إجْمَاعهم عليه، وحينئذٍ يُعْلَم بأنه مذهب الأئمة (عليهم السلام)، الذي هو حقٌّ بلا ريبٍ بسبب عصمتهم (صلوات الله عليهم). وما خالَفَه باطلٌ يجب الإعراض عنه، فلابد إمّا مِن طَرْحِه ورَدِّ علْمِه لهم (عليهم السلام)، أو مِن تَأْوِيلِه.

المشهورُ عند الشيعة جوازُ العَمَل برواية المخالف الثقة
وإنما يُعمَل بالرواية - أيّ روايةٍ كانت - في غيْر مَوْردِ العلْم المذكور، إمّا لِكَوْن المسألة خلافيّة بين الشيعة، أو لم يُعْلَم اتِّفاقهم عليها، ولو بسببِ عدمِ ذِكْرِهم لها، أو لعدم ذكْر بعضهم لها، وحينئذٍ فالأمْرُ كما تقول، يجوز العمل برواية المخالف الثقة، كما صرّح به جماعةٌ مِن علمائنا (رضي الله عنهم). بل هو
-[ 7 ]-
المعروف بينهم، وإنْ خالف فيه بعضُهم.
إلا أنّ الإشكال في كيفيّة إحْرَاز وثاقة الراوي مِن الشيعة وغيرهم، حيث لا ريب عندنا في البِنَاء على وثاقته إذا وثَّقَه رجال الجرح والتعديل مِن الشيعة المعوَّل عليهم عندهم. ولذا عَمِل كثيرٌ مِن علماء الشيعة بأخبار جماعة مِن الجمهور ثبَتَت وثاقتُهم عندهم، كإسماعيل بن أبي زياد السكوني، وحفص بن غياث، وغياث بن كلوب، وغيرهم.


لا مَجال للتَّعْويل على توثيق الجمهور وجرْحِهم
أما إذا لم يوثّقه علماؤنا فلا مجال للتعويل على توثيق الجمهور، كما لا يُعوَّل على جرْحهم، لِمَا مُنِيَ به الجرح والتعديل عند الجمهور مِن مفارقات وسلبيات لا تتناسب مع الطرق العقلائية في الاستدلال، التي عليها العمل في سائر الأمور، وبها تقوم الحجة من الله تعالى.
وعليهم أنْ يعيدوا النظر في مناهجهم ومبانيهم، ويهذبوها، في محاولة موضوعية لتنظيم طرق الاستدلال عندهم، إنْ أمكنهم ذلك، ولم تَضِع عليهم المعالمُ.
ولتوضيح ذلك نشير إلى أمور..


لا مجال لقبول رواية الصحابي بمعناه الشامل
الأمر الأول: أنّ مِن المتسالم عليه عندهم قبول رواية الصحابي بمعناه الشامل، وهو مَن رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع حديثه، لِدَعْوى عدالتهم، حتى مثل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، ومروان بن الحكم، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وأبي العادية قاتل عمار، وكثير مِن أمثالهم.
مع أنّ بطلان ذلك أصبح مِن الوضوح بحدٍّ لا ينفع معه الإنكار
-[ 8 ]-
والمكابرة، فإنّ الإصرار على الخطأ، وإحاطته بهالة القداسة، وتأييده بالقضايا الخطابية والكلمات المنمقة، لا يجعله حقًّا. وقد أوضحنا ذلك في غير موضع مما سبق، خصوصاً ما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، حيث اتضح هناك أنّ الصُّحْبَة بالمعنى المذكور لا تستلزم الإيمان، فضلاً عن العدالة. بل لابد مِن عَرْض مواقفهم على الشريعة،فمَن ثبَتَ تَحَرُّجُه والتزامُه فهو عادل - بل قد يرتفع عن مرتبة العدالة إلى مرتبة التقديس - ويتعين قبول حديثه.
ومَن ثبَتَ خروجُه عنها فهو فاسق - بل قد يهبط إلى درك النفاق - ويتعين ردّ حديثه، إلا أنْ تَثْبُت بقرائن خارجية وثاقتُه وتحرُّجُه عن الكذب، ففي قبول روايته الخلاف السابق.
ومَن جُهِل أمْرُه يُتَوَقَّف في حديثه، ويُوكَل أمره إلى الله تعالى، فهو أعلم به، وعليه حسابه.
هذا ما تقتضيه قواعد الاستدلال العلمية، وموازينه العقلائية، التي عليها عمل أهل المعرفة في جميع أمورهم، وبها تقوم الحجة من الله تعالى على عباده. وقد خرج عنها جمهور السنة لِشبهاتٍ أفرزتها الخلافاتُ المذهبية، ودعمها السلطانُ الغالب، واستحكمت في نفوسهم بسبب التعصب لها. وكلما طال الزمن زادت ترسُّباً وتجذُّراً واستحكامًا، حتى صارت دِيناً يُتدَيّن به، ومفاهيم مقدسة يُنافَح عنها بلا حدود.قال الذهبي: "فأمّا الصحابة (رضي الله عنهم) فبِسَاطُهم مَطْوِيّ، وإنْ جَرَى ما جَرَى، وإنْ غلطوا كما غلط غيرُهم مِن الثقات، فما يكاد يسلم أحدٌ مِن الغلط، لكنه غلَطٌ نادر لا يضر أبدًا، إذ على عدالتهم، وقبول ما نقلوه، العملُ، وبه ندين الله تعالى" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 24.
-[ 9 ]-
وقال أيضاً: "وقد كتبتُ في مُصَنَّفِي (الميزان) عدداً كثيراً مِن الثقات الذين احتج البخاري أو مسلم أو غيرهما بهم، لكَوْن الرجل منهم قد دُوِّن اسمه في مصنفات الجرح، وما أوردتُهم لضعفٍ فيهم عندي بل ليُعرَف ذلك. وما زال يمُرّ بي الرجلُ الثَّبت وفيه مقال مَن لا يُعبَأ به. ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدَخَلَ فيه عدّةٌ مِن الصحابة والتابعين والأئمة. فبعضُ الصحابة كَفَّرَ بعضَهم بتأويلٍ مّا، والله يرضى عن الكل ويغفر لهم. فما هم بمعصومين. وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تُلَيِّنهم عندنا أصلاً. وبتكفير الخوارج لهم انحطت رواياتهم(روايات الخوارج). بل صار كلام الخوارج والشيعة فيهم جَرْحاً في الطاعنين. فانظر إلى حكمة ربك! نسأل الله السلامة" (1).

استدلال أبي زرعة على عدالة الصحابة بنحو العموم
بل عن أبي زرعة: "إذا رأيتَ الرجلَ ينتقص أحداً مِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاعلم أنه زنديق. وذلك أنّ الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وإنما يريدون أنْ يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة. والجرْحُ أولى بهم، وهم زنادقة" (2).

رَدّ الاستدلال المذكور
وقد فاته بسبب تعصُّبه..
أولاً: أنّ الذي أوصل ذلك إلينا ليس الصحابة وحدهم، بل التابعون وتابعوهم، وكلُّ مَن يقع في الأسانيد طبقةً بعد طبقةً، فهل يحكم يا ترى بعدالة الكل، وبأنّ مَن تكلم في بعضهم زنديق؟! ولماذا خصّ ذلك بالصحابة؟!
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 22 ـ 23.
(2) تهذيب الكمال 19: 96 في ترجمة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، واللفظ له. الكفاية في علم الرواية: 49 باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة.
-[ 10 ]-
وثانياً: أنّ جميع الأنبياء الماضين (صلوات الله عليهم) وكتبهم وما جاؤوا به حق، فهل يُصِرّ أيضاً على أنّ جميع مَن استجاب لدعوتهم، ورآهم وسمع حديثهم عدول صادقون، لا يَتكلّم فيهم إلا زنديق؟!
وثالثاً: أنّ تقديس مَن لا يستحق التقديس وتصديق مَن ليس أهلاً للتصديق، واختلاط الحديث الصحيح بالسقيم، والْتِبَاس الأمر على الناس، كلُّ ذلك يخدم هدف الزنادقة، ويسهل عليهم الطعن في دين الله تعالى، وفي نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحديثه الشريف، باستغلال الثغرات والسلبيات التي حدثت نتيجة ذلك.
أما التعرُّف على واقع الصحابة، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ونَقْد حَمَلَة الحديث - منهم ومِن غيرهم - وتمييز الصادق مِن الكاذب، وتنقية الحديث الشريف مِن الأكاذيب والموضوعات، والأساطير والخرافات، فهو يَسُدّ الطريق على الزنادقة، ويَحُول دُون تنفيذ مخططهم وتحقيق أهدافهم، لأنّ الحق الخالص خالٍ عن الثغرات والسلبيات.يقول الذهبي: "فكلام الناقد الورع في الضعفاء مِن النصح لدين الله، والذّبّ عن السنة" (1).
وهذا مِن الوضوح بحدٍّ يُغني عن إطالة الكلام فيه. ولكن للناس فيما يعشقون مذاهب. ومَن عشق شيئاً أعشى بصره.

حديث التفتازاني عن الصحابة
أما سعد الدين التفتازاني فيقول: "ما وقع بين الصحابة مِن المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ و على أَلْسِنَة الثقات ، يدل بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حدّ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 286 في ترجمة عبد الرحمن ابن أبي حاتم.
-[ 11 ]-
الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد و العناد، والحسد واللداد، وطلب الملك و الرياسة، والميل إلى اللذات و الشهوات. إذ ليس كلّ صحابي معصومًا، ولا كلّ ممّن لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخير موسومًا،إلاّ أنّ العلماء لِحُسْن ظنِّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صَوْناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، سيما المهاجرين والأنصار المبشرين بالثواب في دار القرار..." (1)

التعقيب على حديث التفتازاني
وهو وإنْ كان أخفّ لهجة ممّن سبق، إلا أنه فاته:
أولاً: أنه لا دليل على وجوب - ولا رجحان- حسن الظن بكلّ مَن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع حديثه، وإنما يلزم حسن الظن بالمؤمن أيّـاً كان. فلابد أوّلاً مِن إثبات ايمان الإنسان وفق المعايير الشرعية،و عدم زيغه ونكوصه على عقبيه في الفتن التي أنذر بها الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين، ثمّ حسن الظن به بعد ذلك.
وأما البشارة بالثواب في دار القرار فلابدّ أنْ تحمل على خصوص مَن آمن ثم استقام، ولزم الحق في عقيدته وعمله، دون المنافقين المنقلبين على الأعقاب نتيجة الفتن المذكورة، كما يتضح مما سبق في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، وجواب السؤال الأول من هذه الأسئلة.
وثانياً: أنّ كثيراً مِن مواقف مَن يُحسَب على الصحابة لا تَقْبَل التأويلَ والحَمْلَ على ما يناسب حسن الظن كما يظهر بالنظرة المنصفة لتلك المواقف. ولذا أنكر عليهم كثيرٌ مِن أكابر الصحابة قولاً و عملاً ووقفوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح المقاصد 5: 311.
-[ 12 ]-
منهم مواقف لا تناسب حسن الظن بهم.
ولاسيما وأنّ في هؤلاء الأكابر مَن جَعَله الله تعالى عَلَماً للحق يُعرَف به المؤمن مِن المنافق والمحق مِن المبطل، كما أنكر عليهم جماعةٌ مِن التابعين، كما يظهر ذلك كله مما سبق في حوارنا هذا، ولاسيما مما سبق في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.
وثالثاً: أنّ العقائد في الصحابة وغيرهم لا ينبغي أنْ تبتني على الشبهات والظنون التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان بل على الدليل القويم والبرهان القاطع والحجة البالغة، قال عزّ من قائل: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) (1).
ثم بعد ذلك كله فوجوبُ حسن الظن بالمؤمن راجِعٌ إلى أنه لا بد مِن عدم اتّهامه، مِن دُون أنْ يُرْجَع إلى وجوب البناء على عدالته وصدْقه في حديثه،بحيث يُعوَّل عليه في الدين، ويكون حجة بين يدي ربّ العالمين يوم العرض الأكبر((يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) (2).
ولذا لا يُعمَل بحديث المؤمن المجهول الحال وإنْ وجب حسن الظن به.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:20 pm

نتائج إهْمَال الجمهور النَّظَر في أمْر الصحابة
وعلى كل حال فقد أهمل الجمهور مِن السنة بسبب ذلك التعرف على واقع الصحابة، وتمييز الثقة منهم عن غيره، حتى ضاعت عليهم موازين الجرح والتعديل في الصحابة، وكثر المجهولون منهم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء: 36.
(2)سورة النحل: 111.
-[ 13 ]-
وانتهى الأمر بهم نتيجة ذلك إلى أنهم لو أرادوا التحرُّرَ مِن أسْر تلك الشبهات، وكسْر طوق التقليد والتعصب في أمر الصحابة، والجرْي في الاستدلال على الطرق العلمية والعقلائية، لعجزوا، لعدم بقاء محصلة لهم معتد بها، يمكن الركون إليها والتعويل عليها، وانقطاع سبل المعرفة نتيجة الفاصل الزمني الطويل.
وذلك يزيدهم تمسُّكاً بالواقع الذي هم عليه وتشبثاً به، وتقديساً له، ودفاعاً عنه، وتغاضياً عن ثغراته وسلبياته، إلا أنْ ينهار جدار الإصرار ببعضهم بفعلِ مطارق النقد والتعرية والحساب، فيرفض ذلك الواقع جملة وتفصيلاً.

رِجال الجرْح والتعديل عند الجمهور مَطْعُونٌ فيهم
الأمر الثاني: أنّ رجال الجرح والتعديل عند الجمهور مطعون فيهم. والطعون فيهم على قسمين:
القسم الأول: الطعون الخاصة في آحادهم. ولنذكر جملة منهم..


مالك بن أنس صاحب المذهب

1 ـ فهذا مالك بن أنس إمام المذهب روى عن حميد بن قيس الأعرج، ووثّقَه، إلا أنه لَمّا تَحامَل عمر بن قيس أخو حميد على مالك، وبلغ ذلك مالكًا، قال مالك:
"لو علمتُ أنّ حميد بن قيس أخوه ما رَوَيْتُ عنه" (1).
وقال ابن المديني: "ذكر مالكٌ حميدَ الأعرج مُوَثِّقًا، ثم قال:
أخوه! أخوه! وضَعَّفَه" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في ضعفاء الرجال 5: 8 في ترجمة عمر بن قيس المكي. تهذيب التهذيب 7: 432 في ترجمة عمر بن قيس المكي.
(2) تهذيب التهذيب 7: 432 في ترجمة عمر بن قيس المكي.
-[ 14 ]-
وما ندري ما ذنب حميد بن قيس إذا كان أخوه قد تحامل على مالك، حتى أنه يترك الرواية عنه ويضعّفه بعد أن روى عنه ووثّقه.
بل ذكر ابن حجر أنّ حميداً هذا وثّقه كلٌّ مِن ابن معين، وأبي زرعة، وأحمد بن حنبل، وأبي داود، وابن خراش، والبخاري، ويعقوب بن سفيان، وابن سعد (1).
وإذا كانت الانفعالات العاطفية تتحكم في جرْحِه للرجال فما المُؤَمِّن مِن تَحَكُّمِها في توثيقه لهم وتعديلهم؟!
ويأتي عند الكلام في طعون المتعاصرين بعضهم في بعض، وفي الطعون بسبب اختلاف المذهب، بعض الطعون الأخرى في مالك.

يحيى بن سعيد القطان
2 ـ ويحيى بن سعيد القطان حين جَرَح همامَ بن يحيى بن دينار، قال فيه أحمدُ بن حنبل:
"شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادةً، فلم يُعَدِّله همامٌ، فنَقمَ عليه" (2).
وهو كما ترى صريح في اتِّهام أحمد ليحيى بن سعيد بأنّ جرْحَه لهمام عدوانٌ بلا حقٍّ. فكيف يُعوَّل مع ذلك على جرْح يحيى لغير همام وتعديله له؟!.


يحيى بن معين
3 ـ وقال الذهبي عن يحيى بن معين: "وقال أبو عمر ابن عبد البر: رويناه عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال:

ليس ثقة... قال ابن عبد البر أيضاً:
قد صحّ مِن طُرُقٍ عن ابن معين أنه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 3: 41 في ترجمة حميد بن قيس المكي.
(2) تهذيب التهذيب 11: 61 في ترجمة همام بن يحيى بن دينار.
-[ 15 ]-
يتكلم في الشافعي.
قلت: قد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت الناس إلى كلامه في الشافعي، ولا إلى كلامه في جماعة مِن الأثبات. كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس، فإنّا نقبَل قوْلَه دائمًا في الجرح والتعديل، ونقدِّمه على كثير مِن الحُفّاظ ما لم يخالف الجمهورَ في اجتهاده، فإذا انفرد بتوثيقِ مَن لَيَّنَه الجمهورُ، أو بتضعيفِ مَن وثَّقه الجمهورُ وقبلوه، فالحكْمُ لعموم أقوال الأئمة، لا لِمَن شَذّ... وقد ينفرد بالكلام في الرجل بعد الرجل، فيلوح خطؤه في اجتهاده بما قلناه، فإنه بشَرٌ مِن البشر، وليس بمعصوم. بل هو في نفسه يوثق الشيخ تارة. يختلف اجتهاده في الرجل الواحد، فيجيب السائل بحسب ما اجتهد مِن القول في ذلك الوقت".
وليت الذهبي اكتفى بذلك! ولكنه عقّب عليه، فقال:
"وكلامه (يعني ابن معين في الشافعي) ليس مِن هذا اللفظ الذي كان عن اجتهاد، وإنما هذا مِن فلتات اللسان بالهوى والعصبية، فإنّ ابن معين كان مِن الحنفية الغلاة في مذهبه وإنْ كان مُحدِّثًا.
وكذا قول الحافظ أبي حامد ابن الشرقي: كان يحيى ابن معين وأبو عبيد سَيِّئَا [كذا في المصدر] الرأْي في الشافعي.
فصدق والله ابنُ الشرقي، أساءا في ذاتهما في عالِم زمانِه" (1).
وعن أحمد بن حنبل أنّ ابن معين لَقِيَ شجاعًا، فقال له: يا كذاب.
فقال له شجاع: إنْ كنتُ كذابًا، وإلا فهَتَكَك الله.
ثم قال أحمد: "فأظنّ دعوة الشيخ أَدْرَكَتْه" (2).
ويأتي عن أحمد موقفه منه ومن أمثاله.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 29 ـ 31.
(2) تهذيب الكمال 12: 386 في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس السكوني. تاريخ بغداد 9: 249 في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس. تهذيب التهذيب 4: 275 في ترجمة شجاع ابن الوليد بن قيس السكوني. بحر الدم: 200 في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس. رسالة في الجرح والتعديل: 25. وقريب منه في سير أعلام النبلاء 9: 353 في ترجمة شجاع بن الوليد، وميزان الاعتدال 3: 364 في ترجمة شجاع بن الوليد.
-[ 16 ]-
يقول أبو زرعة عن يحيى بن معين:
"ولم يُنتفَع به، لأنه كان يتكلم في الناس" (1).
ونحوه روي عن علي بن المديني مِن وجوه، كما قال ابن حجر (2).
ولمّا حدث أبو الأزهر بحديث عبد الرزاق في الفضائل، عن معمر، عن الأزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، قال: "نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي (عليه السلام) فقال:
أنتَ سيّد في الدنيا سيّد في الآخرة... " أخبر بذلك يحيى بن معين. فبينا هو عنده في جماعة من أهل الحديث إذ قال يحيى: مَن هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هوذا أنا، فتبسم يحيى، فقال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب مِن سلامته. وقال الذنب لغيرك في هذا الحديث (3).
فانظر إلى يحيى كيف تسرَّع بتكذيب أبي الأزهر، ثم تراجع عنه مُصرّاً على كذب الحديث الذي رواه، متّهِماً غيره بالكذب فيه، مع أنّ رواة الحديث مِن أعلام القوم وثقاتهم. بل لو فرض عدم ثبوت وثاقتهم عنده فلا يبرر ذلك تكذيب الحديث، إذ ليس كلّ ما يرويه مَن لم تثبت وثاقتُه كذبًا.
ولعل تكذيبه له لعدم ملائمة مَتْنِه لهواه ومَبَانِيه، خصوصاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تتمته:
"حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 11: 248 في ترجمة يحيى بن معين. سير أعلام النبلاء 11: 90 في ترجمة يحيى بن معين. تهذيب الكمال 31: 550 في ترجمة يحيى بن معين.
(2) تهذيب التهذيب 11: 248 في ترجمة يحيى بن معين.
(3) تهذيب التهذيب 1: 10 في ترجمة أحمد بن إبراهيم التيمي، واللفظ له. المستدرك على الصحيحين 3: 138 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). سير أعلام النبلاء 9: 575 في ترجمة عبد الرزاق بن همام، 12: 367 في ترجمة أحمد بن الأزهر. تهذيب الكمال 1: 260 في ترجمة أحمد بن الأزهر بن منيع. تاريخ بغداد 4: 41 ـ 42 في ترجمة أحمد بن زاهر بن منيع.
-[ 17 ]-
عدوي، وعدوي عدو الله. الويلُ لمَن أبغضك" (1).
إما لأنه يبغض أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو لأنه يوالي مَن أبغضه، كمعاوية وعمرو بن العاص وأضرابهما ممّن شهر السيف في وجهه، وأعلن نُصْبَه وسبّه، وسعى في إطفاء نوره.
وإذا كان هذا معيار التكذيب للحديث وراويه عنده، مع استفاضة الأحاديث بهذه المضامين، فكيف يكون معيار التصديق بالحديث ولراويه عنده؟!
وكيف يمكن التعويل في التعديل والجرح عليه؟! خصوصاً للشيعة الذين نوّر الله قلوبهم بحبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وموالاته، وموالاة أوليائه، وبغض أعدائه ومعاداتهم.

علي بن المديني
4 ـ أما ابن المديني أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر - الذي روى عنه البخاري وغيره من رجال الصحيح - فقد كذَّبَه أحمد بن حنبل (2). وتكلم فيه عمرو بن علي (3).
ويقول المزي بسنده: "قال ابن داؤد [كذا في المصدر] للمعتصم: يا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 138 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، وقال بعد ذكر الحديث: "صحيح على شرط الشيخين وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح".
(2) تهذيب التهذيب 7: 309 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبي الحسن بن المديني. تهذيب الكمال 21: 27 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي. تاريخ بغداد 11: 458 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد أبي الحسن السعدي.
(3) تهذيب الكمال 21: 31 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي. تهذيب التهذيب 7: 311 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبي الحسن بن المديني. سير أعلام النبلاء 11: 58 في ترجمة علي بن المديني.
-[ 18 ]-
أمير المؤمنين هذا - يعني: أحمد بن حنبل - يزعم أنّ الله تعالى يرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله تعالى لا يُحدّ.
فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين عندي ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: وما قال (عليه السلام)؟
قال حدثني... عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة أربعة عشر من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: أما إنكم سترون ربكم عزوجل كما ترون هذا البدر، لا تضامون في رؤيته.
فقال لأحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ قال: أنظر في إسناد هذا الحديث. كان هذا في أول يوم، ثم انصرف، فوجَّهَ ابن أبي دؤاد إلى علي ابن المديني - وهو ببغداد مُمْلق ما يقدر على درهم - فأحضره فمَا كلّمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال:
هذه وصَلَك بها أمير المؤمنين، وأمر أنْ يدفع إليه جميع ما استحق مِن أرزاقه. وكان له رزق سنتين.
ثم قال له: يا أبا الحسن، حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ فقال: صحيح. قال فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي مِن هذا.
فقال: يا أبا الحسن هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه.
ولم يزل حتى قال(ابن المديني):
في هذا الإسناد مَن لا يُعمَل عليه ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم. إنّما كان أعرابيّاً بوّالاً على عقبيه.
فقبّل ابنُ أبي دؤاد ابنَ المديني واعتنقه.
فلمّا كان الغد، وحضروا، قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين،(إنّ ابن حنبل) يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم، وهو أعرابيّ بوّال على عقبيه" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الكمال 21: 22 ـ 23 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي. وأخرج هذه القصة كل من الذهبي في سير أعلام النبلاء 11: 52 ـ 53 في ترجمة علي بن المديني، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 11: 458 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر ابن نجيح بن بكر بن سعد أبي الحسن السعدي.
-[ 19 ]-
وقال أبو بكر المروذي: "قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إنّ علي ابن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم... عن عمر: كلوه إلى خالقه.
فقال أبو عبد الله(أحمد بن حنبل): كذب.حدثنا الوليد بن مسلم مرتين، ما هو هكذا، إنما هو: كلوه إلى عالمه.
قلت لأبي عبد الله: إنّ عباس الغبري قال: لمّا حدث به بالعسكر قلت لعلي بن المديني: إنهم قد أنكروه عليك.
فقال: حدّثتُكم به بالبصرة. وذكر أنّ الوليد أخطأ فيه.
فغضب أبو عبد الله، وقال: فنعم، قد عَلِم (يعني: علي بن المديني) أنّ الوليد أخطأ فيه، فلِمَ أراد أنْ يحدّثهم به؟! يعطيهم الخطأ؟!" (1).
وقال ابن حجر: "قيل لإبراهيم الحربي: أكان علي بن المديني يُتَّهَم بالكذب؟
فقال: لا، إنما كان يحدث بحديث، فزاد في خبرِه كلمةً ليرضي بها ابنَ أبي دؤاد.
قيل له: فهل كان علي يتكلم في أحمد؟
قال: لا. إنما كان إذا رأى في كتابه حديثاً عن أحمد قال: أضرب على هذا، ليرضي ابن أبي دؤاد" (2).
وهو كما ترى! فإنّ إرضاء ابن أبي دؤاد لا يُبرِّر تحريفَ الحديث
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ بغداد 11: 458 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد أبي الحسن السعدي، واللفظ له. تهذيب التهذيب 7: 309 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبي الحسن بن المديني. تهذيب الكمال 21: 26 ـ 27 في ترجمة علي بن عبدالله ابن جعفر بن نجيح السعدي. سير أعلام النبلاء 11: 55 في ترجمة علي بن المديني.
(2) تهذيب التهذيب 7: 310 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبي الحسن بن المديني. تهذيب الكمال 21: 29 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي. سير أعلام النبلاء 11: 57 في ترجمة علي بن المديني. تاريخ بغداد 11: 458 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد أبي الحسن السعدي.
-[ 20 ]-
والزيادة فيه، ولا الطعن بمَن هو ثقة، والضرْب على حديثه. وإذا كان لا يستطيع مجاهرةَ ابن أبي دؤاد بما يكره فليتجنّب الاحتكاكَ به، ولو بأنْ يجلس في بيته، ولا يتنعم بعطائه.
وقال العقيلي: "حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان الرازي، قال: سمعت أزهر بن جميل يقول: كنا عند يحيى بن سعيد القطان – وثَمَّ(وهناك) سهل بن حسان ابن أبي جروبة، وابن المديني، والشاذكوني، وسليمان صاحب البصري، والقواريري، وسفيان الراس - فجاء عبد الرحمن بن مهدي، فسلم على أبي سعيد، وجلس إليه، فقال له يحيى: مالي أراك خائر النفس؟ قال: رأيتُ البارحة رؤيا هالتني. فقال: لا يكون إلا خير، إن شاء الله.
فقال له علي بن المديني: أيّ شيء رأيت يا أبا سعيد؟
قال: رأيت قوماً مِن أصحابنا أركسوا.
قال: فقال علي: أضغاث أحلام.

فقال له عبد الرحمن: اسكت، فو الله يا عليّ إنك منهم.
فقال عليّ: إن الله يقول: ((وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)) فقال: ليس هو والله بذاك.
وقرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه. فرأيتُ فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبد الله. ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله.
فسألتُ عبد الله فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: يقول: حدثنا رجل. ثم ترك حديثه بعد ذاك...وقال الحضرمي: قال لنا عمرو بن محمد، وذكر علي بن المديني، وقال: زعم المخذول في هذا الحديث أنه حدثنا مجاهد، وإنما يرويه الأعمش، أخذه مِن ليث بن أبي سليم" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الضعفاء للعقيلي 3: 235 ـ 239 في ترجمة علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح.
-[ 21 ]-

أحمد بن حنبل
5 ـ وهذا أحمد بن حنبل الذي هو مِن أعلام الجرح والتعديل، ومِن الرموز الشاخصة عندهم، قد طَعَن في جرْحه وتعديله بعضُهم.
فعن أبي بكر بن أبي خيثمة قال: "قيل ليحيى بن معين:
إنّ أحمد بن حنبل قال: إنّ علي بن عاصم ثقة.
قال: لا والله ما كان مِن عليٍّ عنده قطّ ثقة، ولا حدَّث عنه بحرفٍ قطّ. وكيف صار اليوم عنده ثقة؟!" (1).
وهو كما ترى صريح في اتّهام ابن معين لأحمد، وطعنه في توثيقه.
أما عامر بن صالـح بن عبد الله الزبيري، فقد قال عنه ابن معين: كذاب (2). وقال الدارقطني: يُترَك (3). وقال النسائي: ليس
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الجرح والتعديل 6: 198 في ترجمة علي بن عاصم الواسطي. ومثله مع اختلاف يسير في تهذيب التهذيب 7: 304 في ترجمة علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، وتهذيب الكمال 20: 517 في ترجمة علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، وذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه: 106 في ترجمة علي بن عاصم. وذكر ذلك الخطيب بسند آخر في تاريخ بغداد 11: 455 في ترجمة علي ابن عاصم بن صهيب.
(2) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2: 72 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. المجروحين لابن حبان 2: 188 في ترجمةعامربن صالـح المديني. المغني في الضعفاء: 323 في ترجمة عامر ابن صالـح بن عبد الله. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. الكاشف 1: 523 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 46 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تاريخ بغداد 12: 235 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله.
(3) ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2: 72 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. المغني في الضعفاء: 323 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. الكاشف 1: 523 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 48 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تاريخ بغداد 12: 236 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. سؤالات البرقاني: 50.
-[ 22 ]-
بثقة (1). وقال الأزدي: ذاهب الحديث (2). وقال الذهبي: واهٍ (3). وقال ابن عدي: وعامة حديثه مسروقات مِن الثقات (4). وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة المناكير. لا شيء (5). وسئل أبو زرعة عنه فقال: يُنْكَر كثيراً (6). وقال ابن حبان: كان ممّن يروي الموضوعات عن الأثبات. لا يحلّ كتابة حديثه إلا على جهة التعجب (7).
وقال ابن حجر: متروك الحديث (8). وقال الحاكم النيسابوري: روى عن هشام ابن عروة المناكير (9).
ومع كلّ هذا روى عنه أحمد بن حنبل ووثّقه.
قال الذهبي:" لعل ما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2: 72 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. الكامل في ضعفاء الرجال 5: 83 في ترجمة عامر ابن صالح الزبيري. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 47 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله.
(2) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2: 72 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 48 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله.
(3) ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله.
(4) الكامل في ضعفاء الرجال 5: 83 في ترجمة عامر بن صالح الزبيري، واللفظ له. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 48 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله.
(5) الضعفاء لأبي نعيم: 124 في ترجمة عامر بن صالـح الزبيري. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله.
(6) سؤالات البرذعي: 426.
(7) المجروحين لابن حبان 2: 188 في ترجمة عامر بن صالـح المديني، واللفظ له. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2: 72 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله. تهذيب الكمال 14: 48 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبد الله.
(8) تقريب التهذيب 1: 287 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله.
(9) المدخل إلى الصحيح: 182 في ترجمة عامر بن صالـح الزبيري.
-[ 23 ]-
روى أحمد بن حنبل عن أحدٍ أوهى مِن هذا.
ثم إنه سُئل عنه، فقال:
ثقة لم يكن يكذب" (1).
وقد أثار هذا حفيظة أعلام الجرح والتعديل. فقد ذكر أحمد بن محمد بن القاسم أنّ يحيى بن معين، قال عن عامر بن صالـح: "كذاب خبيث. عدو الله".
ثم قال: "فقلت ليحيى: إن أحمد بن حنبل يحدث عنه.
فقال: لمه؟! وهو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته.
قال: فقلت: ولِمَ؟
فقال: قال حجاج الأعور: أتاني فكتب عني حديث هشام بن عروة عن أبي لهيعة وليث بن سعد، ثم ذهب فادّعاه، فحدث بها عن هشام" (2).
وقال يحيى أيضاً: "جُنَّ أحمد! يحدث عن عامر بن صالح" (3).
وأيضاً قال محمد بن عقيل: "وقال المقبلي في العلم الشامخ ما مفاده:
إن الإمام أحمد (رحمه الله تعالى) مع فضله وورعه لمّا تكلم في مسألة خلق القرآن وابتلي بسببها جعلها عِدْلَ التوحيد أو زاد، ثم ذكر أنه كان يَرُدّ روايةَ كلِّ مَن خالَفَه في هذه المسألة تعصُّباً منه. وفي ذلك خيانة للسند.
ثم قال: بل زاد، فصار يَرُدّ الواقِفَ، ويقول: فلان واقفي مشؤوم.
بل غلا وزاد، وقال: لا أحب الرواية عمّن أجاب في المحنة، كيحيى بن معين. انتهى" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله، واللفظ له. المغني في الضعفاء: 323 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله.
(2) تهذيب الكمال 14: 47 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله، واللفظ له. ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله.تهذيب التهذيب 5: 62 في ترجمة عامر ابن صالـح بن عبدالله. تاريخ بغداد 12: 236 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبد الله.
(3) ميزان الاعتدال 4: 17 في ترجمة عامر بن صالـح بن عبدالله، واللفظ له. الكامل في ضعفاء الرجال 5: 83 في ترجمة عامر بن صالـح الزبيري.
(4) العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل: 130.
-[ 24 ]-
وقد نقل الذهبي عن أحمد بن حنبل أنه قال:
"أكره الكتابة عمّن أجاب في المحنة، كيحيى وأبي نصر التمار" (1).
فإذا كان الخلاف في هذه المسألة سبباً للتسرُّع في الجرح، ولو مع وثاقة الرجل في نفسه، فما المُؤَمِّن مِن أنْ يكون الخلاف في غيرها - كالتوقف في عدالة الصحابة، وموالاة أهل البيت (عليهم السلام) ومعاداة أعدائهم - سبباً فيه أيضًا؟!
وما المُؤَمِّن مِن أنْ يكون الوفاق في المذهب سبباً للتسرع في التعديل بلا حق؟!
بل سيأتي ما يشهد بما يناسب ذلك في تتمة حديثنا هذا إن شاء الله تعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:25 pm

محمد بن يحيى الذهلي
6 ـ ومحمد بن يحيى الذهلي قال فيه الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام حافظ نيسابور...وانتهت إليه مشيخة العلم بخراسان، مع الثقة، والصيانة، والدين، ومتابعة السنن...وقال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. وقال أبو بكر بن زياد: كان أمير المؤمنين في الحديث..." (2).
ومع ذلك يقول عنه الحسن بن محمد بن جابر: "سمعت محمد بن يحيى يقول:
لمّا ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال(الذهلي):
اذهبوا إلى هذا الرجل العالم الصالـح فاسمعوا منه.
قال: فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى(الذهلي)، فحسده بعد ذلك، وتكلم فيه" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 7: 222 في ترجمة يحيى بن معين.
(2) تذكرة الحفاظ 2: 530 ـ 531 في ترجمة الذهلي.
(3) تاريخ بغداد 2: 30 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة: ذكر قصة البخاري مع محمدبن يحيى الذهلي بنيسابور، واللفظ له. تغليق التعليق 5: 430 ـ 431 فصل في ترجمة البخاري والتعريف بقدره وجلالته وذكر نسبته و نسبه ومولده وصفته: فصل في بيان شرطه فيه وما اتصل بذلك من قصته مع الذهلي.
-[ 25 ]-
ويقول أبو حامد الشرقي: "سمعتُ محمد بن يحيى يقول: القران كلام الله، غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث يتصرف. فمَن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه مِن الكلام في القران. ومَن زعم أن القران مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يُستتاب، فإنْ تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئًا بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومَن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق، فقد ضاهى الكفر. ومَن زعم أن لَفْظِي بالقران مخلوق، فهذا مبتدع، لا يجالس ولا يكلم. ومَن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا مَن كان على مثل مذهبه" (1).
وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالـح بن هانئ يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: "دخلت على البخاري، فقلت: يا أبا عبد الله إنّ هذا رجل - يعني الذهلي - مقبول بخراسان، خصوصاً في هذه المدينة. وقد لـحّ في هذا الحديث، حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟
فقبض على لحيته، ثم قال: أمري إلى الله، إن الله بصير. اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطرًا، ولا طلباً للرئاسة، وإنما أبَت عليّ نفسي الرجوع إلى الوطن، لغلبة المخالفين. وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير.
ثم قال: يا أحمد، إني خارج غدًا، لتتخلصوا مِن حديثه لأجلي" (2).

الجوزجاني
7 ـ وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي، قال فيه ابن حبان:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ بغداد 2: 31 ـ 32 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة: ذكر قصة البخاري مع محمد بن يحيى الذهلي بنيسابور.
(2) تغليق التعليق 5: 434 فصل في ترجمة البخاري والتعريف بقدره وجلالته وذكر نسبته و نسبه ومولده وصفته: فصل في بيان شرطه فيه وما اتصل بذلك من قصته مع الذهلي.
-[ 26 ]-
"كان حروري المذهب، ولم يكن بداعية. وكان صلباً في السنة حافظاً للحديث، إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره" (1).
وقال ابن حجر: "وممّن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح مَن كان بينه وبين مَن جَرَحه عداوة، سببها الاختلاف في الاعتقاد. فإنّ الحاذق إذا تَأَمَّلَ ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النُّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرْح مَن ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة. حتى أنه أخذ يُلَيِّن مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث وأركان الرواية..." (2).
وإذا كان بسبب تعصُّبه يجرح مَن لا يستحق الجرح، فما هو المُؤَمِّن مِن أنْ يجرّه تعصّبُه إلى مدْح مَن لا يستحق المدْح، وتوثيق مَن ليس أهلاً لذلك؟!.
على أنه كان ناصبياً منحرفاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما صرح بذلك ابن حجر في كلامه المتقدم وغيره (3).
وقال ابن عدي: "كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميْل على عليٍّ" (4).
وعن الدارقطني: "فيه انحرافٌ عن عليٍّ. اجتمع على بابه أصحاب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 1: 159 في ترجمة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي. وفي الثقات لابن حبان 8: 81 ـ82 في ترجمة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني،ولكن بدل (حروري) (حريزي).
(2) لسان ميزان 1: 16 في المقدمة.
(3) مقدمة فتح الباري: 390.
(4) تهذيب التهذيب 1: 159 في ترجمة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، واللفظ له. ميزان الاعتدال 1: 205 في ترجمة إبراهيم بن يعقوب أبي إسحاق السعدي الجوزجاني. الكامل في ضعفاء الرجال 1: 310 في ترجمة إسماعيل بن أبان الوراق. تذكرة الحفاظ 2: 549 في ترجمة الجوزجاني.
-[ 27 ]-
الحديث، فأخرجَت جاريةٌ له فرُّوجةً، لتذبحها، فلم تجد مَن يذبحها، فقال: سبحان الله! فرّوجة لا يوجد مَن يذبحها، وعليٌّ يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم!" (1).
وإذا كان ناصبيّاً مبغضاً لأمير المؤمنين (عليه السلام) فهو منافق - كما تظافرت بذلك الأحاديث النبوية، ويأتي الحديث عن ذلك - فكيف يُؤْمَن على الدين؟ ولاسيما عند الشيعة الذين عرفوا حق أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، ودانوا بموالاته.

أبو حاتم الرازي
8 ـ وأبو حاتم محمد بن إدريس يقول عنه الذهبي: "إذا وثق أبو حاتم رجلاً فتمسَّك بقوله، فإنه لا يوثِّق إلا رجلاً صحيح الحديث. وإذا لَيَّنَ رجلاً، أو قال فيه: لا يحتج به. فتوقَّف، حتى ترى ما قال غيره فيه، فإنْ وثّقه أحدٌ فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم، فإنه متعنِّت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة. ليس بقوي. أو نحو ذلك" (2).
وقال في موضع آخر: "يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرّاح" (3).

الترمذي
9 ـ وأما الترمذي فقد طعن فيه الذهبي، حيث ذكر عند الكلام عن يحيى بن يمان حديثًا، وقال:
"حَسَّنَه الترمذي مع ضعْفِ ثلاثةٍ فيه. فلا يُغْتَرّ بتحسين الترمذي، فعند المُحَاقَقَة غالِبُها ضِعَاف" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 1: 159 في ترجمة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي.
(2) سير أعلام النبلاء 13: 260 في ترجمة أبي حاتم الرازي.
(3) سير أعلام النبلاء 13: 81 في ترجمة أبي زرعة الرازي.
(4) ميزان الاعتدال 7: 231 في ترجمة يحيى بن يمان العجلي.
-[ 28 ]-
وقال أيضاً عند الكلام عن كثير بن عبدالله المزني: "لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي" (1).
وقال المباركفوري: "وأما تحسين الترمذي فلا اعتماد عليه، لِمَا فيه مِن التساهل" (2)، وذكر الذهبي عند الكلام عن إسماعيل بن رافع أنّ جماعة مِن علمائهم ضعّفوه، وجماعة قالوا: إنه متروك.
ثم قال: "ومِن تلبيس الترمذي قال: ضعَّفَه بعضُ أهل العلم" (3).
فإنْ كان هذا تلْبِيساً مِن الترمذي فكيف يُعتمَد عليه؟!
وإنْ لم يكن تلبيساً منه فكيف يُعتمَد على الذهبي مع طعْنِه فيه؟!.

ابن حبان
10 ـ وابن حبان محمد، أحد رجال الجرح والتعديل، قال عنه الذهبي: "قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح وذكره في طبقات الشافعية: غلط الغلط الفاحش في تصرفه. وصدق أبو عمرو. وله أوهام، تتبّع بعضها الحافظ ضياء الدين... قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام: سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان، فقال: رأيته. ونحن أخرجناه من سجستان. كان له علم كثير، ولم يكن له كبيرُ دِينٍ... قال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت عبدالصمد بن محمد يقول: سمعت أبي يقول: أنكروا على ابن حبان قوله: النبوة العلم والعمل، وحكموا عليه بالزندقة وهجروه، وكتب فيه إلى الخليفة، فأمر بقتله" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 5: 493 في ترجمة كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف.
(2) تحفة الأحوذي 2: 93.
(3) ميزان الاعتدال 1: 384 في ترجمة إسماعيل بن رافع.
(4) ميزان الاعتدال 6: 99 في ترجمة محمد بن حبان أبي حاتم البستي. تذكرة الحفاظ3: 921ـ922 في ترجمة ابن حبان.
-[ 29 ]-

ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني
11 و 12 ـ وقال ابن حجر في ترجمة أبي نعيم الأصبهاني أحمد بن عبدالله: "أحد الأعلام صدوق. تكلم فيه بلا حجة. ولكن هذه عقوبة من الله، لكلامه في ابن مندة بهوى... وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته. ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان..." (1).
فإذا كان أبو نعيم قد تكلم في ابن مندة بهوى، كيف يُعتمَد عليه في غيره في جرحه وتعديله؟! إذ مَن ركب الهوى تنكّب الطريق.
وكيف يُعرَف مع ذلك صوابه مِن خطئه، وصدْقه مِن كذبه؟!
ومثله الحديث في ابن مندة، فإنّ أبا نعيم إذا كان علماً صدوقاً كيف يكون حال ابن مندة إذا تكلم فيه بلا حجة، كلاماً لا يحب ابنُ حجر حكايتَه، لفظاعتِه؟!
ويأتي عند الكلام في جرح بعض المعاصرين لبعض ما يتضح به تفاقم المشكلة.

الحاكم النيسابوري
13 ـ والحاكم النيسابوري طعن فيه الذهبي، قال في ترجمة ابن قتيبة: "عبد الله مسلم بن قتيبة أبو محمد صاحب التصانيف صدوق... قال الخطيب: كان ثقة ديناً فاضلاً.
وقال الحاكم: أجمعت الأمة على أنّ القتبي كذاب.
قلت: هذه مجازفة قبيحة، وكلام مَن لم يخف الله" (2).
وقال عنه بسبب ذلك أيضاً: "هذه مجازفة، وقلة ورع، فما علمتُ أحداً اتهمه بالكذب قبل هذه القولة. بل قال الخطيب: إنه ثقة. وقد أنبأني
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 1: 251 في ترجمة أحمد بن عبدالله الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، واللفظ له. لسان الميزان 1: 201 في ترجمة أحمد بن عبدالله الحافظ أبي نعيم الأصبهاني.
(2) ميزان الاعتدال 4: 198 في ترجمة عبدالله بن مسلم بن قتيبة.
-[ 30 ]-
أحمد بن سلامة عن حماد الحراني أنه سمع السلفي ينكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة، ويقول:
ابن قتيبة من الثقات، وأهل السنة. ثم قال:
لكن الحاكم قصده لأجل المذهب" (1).
قال ابن حجر: "والذي يظهر لي أنّ مراد السلفي بالمذهب النُّصْب. فإنّ في ابن قتيبة انحرافاً عن أهل البيت، والحاكم على ضدٍّ مِن ذلك" (2).

ابن حزم
14 ـ أما ابن حزم فقد قال فيه ابن خلكان: "وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد مِن لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردّوا قوله، واجتمعوا على تضليله وشنعوا عليه... وفيه قال أبو العباس بن العريف المقدم ذكره: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين.
وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة" (3).
وتعقيباً على حكم ابن حزم على الترمذي بأنه مجهول، يقول الذهبي:
"ولا الْتِفَات إلى قول أبي محمد ابن حزم فيه - في الفرائض من كتاب الإيصال - إنه مجهول، فإنه ما عرفه، ولا درى بوجود الجامع ولا العلل اللذين له" (4).
ويقول ابن حجر تعقيباً على ذلك أيضاً: "وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع... ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي، ولا اطلع على حفظه، ولا على تصانيفه. فإنّ هذا الرجل قد أطلق هذه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 299 في ترجمة ابن قتيبة.
(2) لسان الميزان 3: 358 في ترجمة عبدالله بن مسلم بن قتيبة.
(3) وفيات الأعيان 3: 327 ـ 328 في ترجمة ابن حزم الظاهري.
(4) ميزان الاعتدال 6: 289 في ترجمة محمد بن عيسى بن سورة الحافظ العلم أبي عيسى الترمذي.
-[ 31 ]-
العبارة في خَلْقٍ مِن المشهورين مِن الثقات الحفاظ، كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد بن الصفار، وأبي العباس الصم" (1).
وقال الذهبي عنه أيضاً: "...ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارات وسبّ وجدع، فكان جزاؤه مِن جنْس فعْله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعةٌ مِن الأئمة، وهجروها ونفروا منها، وأحرقت في وقت... وقد حط أبو بكر ابن العربي على أبي محمد في كتاب القواصم والعواصم... فقال:... نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم إنه إمام الأئمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على العلماء ما لم يقولوا، تنفيراً للقلوب منهم... قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين..." (2).
وقال ابن حجر عنه أيضاً: "...وكان واسع الحفظ جدًّا. إلا أنه لثقة حافظته كان يهجم، كالقول في التعديل والتخريج، وتبين أسماء الرواة، فيقع له مِن ذلك أوهام شنيعة... وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حبان: كان ابن حزم... مما يزيد في بغض الناس له بغضه لبني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده بصحة إمامتهم حتى نسب إلى النُّصْب..." (3).
ونُصْبُه أشهر مِن نار على علم.

ابن الجوزي
15 ـ وابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن يقول عنه ابن الأثير:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 9: 344 في ترجمة محمد بن عيسى بن سورة...أبي عيسى الترمذي.
(2) سير أعلام النبلاء 18: 186 ـ 199 في ترجمة ابن حزم.
(3) لسان الميزان 4: 198 ـ 200 في ترجمة علي بن أحمد بن سعيد بن حزم.
-[ 32 ]-
"وكان كثير الوقيعة في الناس، لاسيما في العلماء المخالفين لمذهبه" (1).
ويقول عنه أبو الفداء: "كان كثير الوقيعة في العلماء..." (2).
ويقول الذهبي: "له وهْمٌ كثير في تواليفه يدخل عليه الداخِل مِن العجلة والتحويل إلى مصنف آخر..." (3).
وقال السيوطي: "فذكر في كتابه كثيراً مما لا دليل على وضْعه. بل هو ضعيف. بل وفيه الحسن والصحيح. وأغرب مِن ذلك إنّ فيها حديثاً مِن صحيح مسلم، كما سأبينه. قال الذهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حساناً قوية..." (4).
ويقول عنه أيضاً: "قال الذهبي في التاريخ الكبير: لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة، بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه" (5)... إلى غير ذلك مِن كلماتهم فيه.

الذهبي
16 ـ ومثله في التعصب - خصوصاً على أهل البيت (صلوات الله عليهم) وشيعتهم - الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان، صاحب ميزان الاعتدال وسير أعلام النبلاء وغيرهما. فإنه على جلالته عند الجمهور، وتعظيمهم له، واحتجاجهم به، قد نبّه غيرُ واحد على تعصُّبه، وطعنوا فيه طعوناً شديدة تَمْنع مِن التعويل عليه في الجرح والتعديل.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ 10: 276 في أحداث سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
(2) المختصر في أخبار البشر 3: 101 في أحداث سنة سبعة وتسعين وخمسمائة.
(3) تذكرة الحفاظ 4: 1347 في ترجمة ابن الجوزي.
(4) تدريب الراوي 1: 278.
(5) طبقات الحفاظ: 480 ـ 481 في ترجمة ابن الجوزي.
-[ 33 ]-

كلام السبكي في الذهبي
قال تلميذه السبكي: "وكان شيخنا - والحقّ أحقّ ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل - شديدَ الميْل إلى آراء الحنابلة، كثير الإزراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا يُنْصِفُهم في التراجم ولا يصفهم بخير إلا وقد أُرْغِم منه أنْف الراغم. صنف التاريخ الكبير، وما أحسنه، لولا تعصّبٌ فيه..." (1).
وقال أيضاً: "وهذا شيخنا الذهبي (رحمه الله) مِن هذا القبيل له علم وديانة، وعنده على أهل السنة تحمُّل مفرط، فلا يجوز أن يُعتمَد عليه.
ونقلتُ مِن خطّ الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (رحمه الله) ما نصه: الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي. لا أشك في دينه وورعه، وتحريه فيما يقوله الناس. ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قويّاً إلى أهل الإثبات.فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه مِن المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن.
وإذا ذكر أحداً مِن الطرف الآخر - كإمام الحرمين، والغزالي، ونحوهما - لا يبالغ في وصفه، ويكثر مِن قوْل مَن طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه، ويعتقده دينًا، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها.
وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك.
وسببه المخالفة في العقائد.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات الشافعية الكبرى 9: 103 ـ 104 في ترجمة محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز.
-[ 34 ]-
والحال في حقّ شيخنا الذهبي أزيد ممّا وصف، وهو شيخنا ومعلمنا، غير أنّ الحق أحقّ أن يُتبَع، وقد وصل مِن التعصب المفرط إلى حدٍّ يسخر منه. وأنا أخشى عليه يوم القيامة مِن غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية، فإنّ غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعريٍّ لا يبقي ولا يذر. والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند مَن لعل أدناهم عنده أوجه منه. فالله المسؤول أن يخفف عنه، وأن يلهمهم العفو عنه، وأن يشفعهم فيه.
والذي أدركنا عليه المشايخَ النهْيَ عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوْله. ولم يكن يَسْتَجْرِئ أنْ يُظهِر كتبه التاريخية إلا لِمَن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه.
وأما قول العلائي (رحمه الله): (دينه وورعه وتحريه فيما يقوله) فقد كنتُ أعتقد ذلك، وأقول عند هذه الأشياء إنه ربما اعتقدها دينًا. ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب، وأقطع بأنه لا يختلقها، وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنتشر، وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها، بُغْضاً للمتحدث فيه، وتنفيراً للناس عنه. مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ، ومع اعتقاده أنّ هذا مما يوجب نصر العقيدة التي يعتقدها هو حقًّا، ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة.
غير أني لمّا أكثرتُ بعد موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفتُ في تحرِّيه فيما يقوله. ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه. فلينظر كلامه مَن شاء، ثم يبصر هل الرجل مُتَحَرٍّ عند غضبه أو غير متحر؟ وأعني بغضبه وقت ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية، فإني أعتقد أنّ الرجل كان إذا مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضباً مفرطًا، ثم قرطم الكلام ومزقه، وفعل من التعصب
-[ 35 ]-
مالا يخفى على ذي بصيرة. ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة مِن الذم لو عقل معناها لما نطق بها.
ودائماً أتعجب مِن ذكره الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الميزان في الضعفاء، وكذلك السيف الآمدي، وأقول: يالله العجب! هذان لا رواية لهما، ولا جَرَحهما أحدٌ، ولا سُمِع مِن أحدٍ أنه ضعَّفَهما فيما ينقلانه مِن علومهما، فأيّ مدخل لهما في هذا الكتاب؟! ثم إنا لم نسمع أحدًا يُسمي الإمام فخر الدين بالفخر، بل إما الإمام وإما ابن الخطيب، وإذا ترجم كان في المحمدين، فجعله(الذهبي) في حرف الفاء، وسماه الفخر.
ثم حلف في آخر الكتاب أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه.
فأيّ هوى نفسٍ أعظم مِن هذا؟!
فإمّا أن يكون ورّى في يمينه، أو استثنى غير الرواة، فيقال له: فلم ذكرت غيرهم. وإما أنْ يكون اعتقد أنّ هذا ليس هوى نفس.
وإذا وصل إلى هذا الحد -والعياذ بالله - فهو مطبوع على قلبه" (1).
وقال أيضاً: "وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه - على حسنه وجمعه - مشحون بالتعصب المفرط. لا واخذه الله. فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني: الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير مِن أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المجسِّمة. هذا وهو الحافظ المدره، والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين؟!
فالرأيُ عندنا ألا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة وحبر الأمة - وهو الشيخ الإمام الوالد (رحمه الله) - حيث قال - ونقلته من خطه في مجاميعه -:
ولقد وقفتُ في تاريخ الذهبي (رحمه الله) على ترجمة الشيخ الموفق بن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين بن عساكر. وقد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات الشافعية الكبرى 2: 13 ـ15، 22ـ 24 قاعدة في الجرح والتعديل: في ترجمة أحمد بن صالـح المصري.
-[ 36 ]-
أطال تلك وقصر هذه، وأتى بما لا يشكّ لبيبٌ أنه لم يَحْمِله على ذلك إلا أنّ هذا أشعري وذاك حنبلي. وسيقفون بين يدي رب العالمين" (1).
وهناك كلمات أخر للسبكي لا يسعها المقام.

كلام القنوجي والسخاوي في الذهبي
وقال السخاوي: "وقد قارن حافظ الشام ابن ناصر الدين بين الذهبي والبرزالي والمزي فحكم للمزي بالتفوق في معرفة رجال طبقات الصدر الأول، وللبرزالي في العصرين ومَن قبلهم مِن الطبقات القريبة منهم، وللذهبي في الطبقات المتوسطة بينهم. تأييداً لقول بعض مشايخه.
على أنّ الأهواء قلما تتغلب على المزي والبرزالي في تراجم الناس، بخلاف الذهبي. وقد انتقده على خطته في تراجم الناس انتقاداً مرّاً الحافظُ ابن المرابط محمد ابن عثمان الغرناطي، والتاج ابن السبكي، ونسباه إلى التعصب المفرط. ولا تخلو خطته في التراجم من ذلك. لاسيما في تراجم الحشوية ومخالفيهم..." (2).
وإذا كان هذا حاله مع مَن يوافقه في المذهب مِمَّن على خلاف هواه، فكيف يكون حاله مع الشيعة؟!
بل يظهر نُصْبَه بوضوح لمَن تصفح كتبه. ويأتي بعض شواهد ذلك.
حتى قال أحمد بن الصديق المغربي: "ولكن الذهبي إذا رأى حديثاً في فضل عليٍّ (عليه السلام) بادر إلى إنكاره بحقٍّ وبباطل، حتى كأنه لا يدري ما يخرج مِن رأسه سامحه الله" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات الشافعية الكبرى 2: 13 ـ15، 22ـ 24 قاعدة في الجرح والتعديل: في ترجمة أحمد بن صالـح المصري.
(2) هامش ذيل تذكرة الحفاظ للكوثري: 35ـ36 نقلاً عن السخاوي في الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التواريخ.
(3) فتح الملك العلي: 50.
-[ 37 ]-
وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلماتهم الآتية في الطعون العامة الطعن مِن بعضهم في رجال آخرين غير مَن تقدم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:29 pm

الطعون العامة
القسم الثاني: الطعون العامة التي تَسْلُب الثقة بعامّة أهل الجرح والتعديل مِن الجمهور، لاختلاط الأمر بسببها..

طعْن الأقران بعضهم في بعض
(منه): طعْن الأقران بعضهم في بعض بهوى، حيث يظهر شيوعه فيهم، فقد سبق مِن الحسن بن محمد بن جابر أنّ محمد بن يحيى الذهلي تكلم في البخاري حسداً له.
وسبَق مِن ابن حجر أنّ أبا نعيم قد تكلم في ابن مندة بهوى، وأنّ ابن مندة قد تكلم فيه بكلام فظيع لا يحب ذكْرَه. ومع ذلك هما عنده معاً مقبولان.
وقال في تتمة حديثه المتقدم هناك: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبَأ به، ولاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، لا ينجو منه إلا مَن عصم الله، وما علمتُ أنّ عصْراً مِن الأعصار سَلِم أهلُه مِن ذلك، سوى النبيين والصديقين. ولو شئتُ لسردتُ مِن ذلك كراريس" (1).
وقال أيضاً في الحديث عن عمرو بن علي، بعد أنْ نسب لعلي بن المديني التحامل عليه: "قال الحاكم:
وقد كان عمرو بن علي أيضاً يقول في علي بن المديني. وقد أجلّ الله تعالى محلَّهما جميعاً عن ذلك. يعني: أنّ كلام الأقران غير معتبر في حقّ بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر لا يقدح" (2). ويأتي له كلام آخر يتضمن ذلك.
وقال الذهبي: "وهذا كثيرٌ مِن كلام الأقران بعضهم في بعض، ينبغي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) لسان الميزان 1: 201 في ترجمة أحمد بن عبدالله الحافظ أبي نعيم الأصبهاني.
(2) تهذيب التهذيب 8: 71 في ترجمة عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الباهلي.
-[ 38 ]-
أنْ يُطوَى، ولا يُروَى، ويُطرَح، ولا يُجعَل طعْنًا. ويُعامَل الرجل بالعدل والقسط" (1).
وقال أيضاً في الحديث عن ابن أبي داود، وهو الذي تكلم في حديث غدير خم (2)، بل أنكره (3): "قال أحمد بن يوسف الأزرق: سمعت أبا بكر ابن أبي داود يقول: كلّ الناس منّي في حِلٍّ إلا مَن رماني ببغض علي (عليه السلام).
قال الحافظ ابن عدي: كان في الابتداء يُنسَب إلى شيء مِن النصب، فنفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، فرده ابن عيسى، فحدث وأظهر فضائل عليّ... قلت: كان شهماً قوي النفس. وقع بينه وبين ابن جرير وبين ابن صاعد وبين ابن عيسى الذي قربه، قال محمد بن عبدالله القطان:كنت عند ابن جرير، فقيل: ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي.
فقال ابن جرير: تكبيرةٌ مِن حارس.
قلت: لا يُسمَع هذا مِن ابن جرير، للعداوة الواقعة بين الشيخين" (4).
وقال الذهبي أيضاً: "ابن أبي داود الحافظ العلامة قدوة المحدثين أبو بكر عبد الله بن الحافظ الكبير أبي داود... وأما كلام أبيه فيه فلا أدري أيش تبين له منه... وسمعتُ علي بن عبد الله الداهري: سمعتُ محمد بن أحمد بن عمرو: سمعت علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت أبا داود يقول:
ابني عبد الله كذاب.
ثم قال ابن عدي: وكان ابن صاعد يقول: كفانا أبوه بما قال فيه... قلت: لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه. كما لم نعتدّ بتكذيبه لابن صاعد. وكذا لا يسمع قول ابن جرير فيه. فإنّ هؤلاء بينهم عداوة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 24.
(2) سير أعلام النبلاء 14: 274 في ترجمة محمد بن جرير. تذكرة الحفاظ 2: 713 في ترجمة محمدبن جرير بن يزيد بن كثير.
(3) معجم الأدباء 18: 84 في ترجمة محمد بن جرير الطبري.
(4) سير أعلام النبلاء 13: 230 في ترجمة أبي بكر السجستاني.
-[ 39 ]-
بيِّنة. فقِفْ في كلام الأقران بعضهم في بعض.

وأما قول أبيه فيه فالظاهر أنه إنْ صحّ عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه. لا في الحديث النبوي. وكأنه قال هذا وعبدالله شاب طري، ثم كبر وساد" (1).
وقال أيضاً: "وذكر البخاري هنا فصلاً حسناً عن رجاله، وإبراهيم ابن سعد وصالـح ابن كيسان، فقد أكثرا عن ابن إسحاق.
قال البخاري: ولو صحّ عن مالكٍ تناوله مِن ابن إسحاق فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبَه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها.
قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالكٌ عن شيخين مِن قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ. وهما ممّن يحتجّ بهما. ولم ينجُ كثير مِن الناس مِن كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمَن كان قبلهم، وتناول بعضهم في العرْض والنفْس. ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة. ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة. والكلام في هذا كثير.
قلتُ: لسنا ندّعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة مِن الغلط النادر، ولا مِن الكلام بنَفَس حادّ فيمَن بينهم وبينه شحناء وإحنة. وقد عُلِم أنّ كثيراً مِن كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به، ولاسيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف. وهذان الرجلان (يعني: محمد بن فليح ومالك) كل منهما قد نال من صاحبه. لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة. وارتفع مالك، وصار كالنجم. فله ارتفاع بحسبه. ولا سيما في السير. وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعد منكر..." (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الحفاظ 2: 767 ـ 772 في ترجمة ابن أبي داود.
(2) سير أعلام النبلاء 7: 40 ـ 41 في ترجمة ابن إسحاق.
-[ 40 ]-
ومِن الظاهر أنّ هذا الطعْن يَرْجِع إلى ضعْف دِين الطاعِن وقلّة ورعِه، فكيف يُوثَق بطعنه وجرحه، بل حتى بتوثيقه وتعديله؟!
لأنه إذا لم يَحْجُزْه دِينُه عن طعْن قرينِه بهوى، عداوةً وحسدًا، فهو لا يحجزه عن مدْح مَن لا يستحق المدح وتعديله بهوى أيضًا، لإحسانه إليه، أو لأنه يأمل منه نفعاً أو لغير ذلك. كما لا يختص بالأقران، بل يجري في غيرهم، حتى ممّن هو أسبق عصرًا، إذ لا يختص الحب والبغض بالأقران ولا المتعاصرين، كما لا يخفى.

الجرح لاختلاف المذهب أو الرأي أو السلوك
(ومنه): الجرح والتضعيف لاختلاف المذهب أو الرأي والسلوك أو غير ذلك مما لا ينافي الوثاقة أيضًا. حيث يظهر منهم أيضاً شيوع ذلك مِن أهل الجرح والتعديل. فقد سبق كلامهم في أحمد بن حنبل فيمَن خالفه في مسألة خلق القرآن، وكلام ابن حبان في الجوزجاني، وأنه مِن صلابته في السنة ربما تعدى طوره. وكذلك كلام ابن حجر في الجوزجاني أيضًا. كما تقدم من الذهبي الحديث عن كلام يحيى بن معين في الشافعي، ومِن السبكي وغيره في بيان مواقف الذهبي ممّن يخالفه في المذهب.
وقال القرطبي عن الحارث الأعور الهمداني صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) :
"رماه الشعبي بالكذب. وليس بشيءٍ. ولم يَبِنْ مِن الحارث كذبٌ، وإنما نقم عليه إفراطَه في حبّ عليٍّ، وتفضيله له على غيره. ومِن ههنا - والله أعلم - كذَّبَه الشعبي، لأنّ الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر، وإلى أنه أول من أسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث، وكان أحد الكذابين" (1).
وقال ابن حجر: "واعلم أنه قد وقع مِن جماعة الطعن في جماعة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 1: 5.
-[ 41 ]-
بسبب اختلافهم في العقائد. فينبغي التنبه لذلك، وعدم الاعتداد به إلا بحق. وكذا عاب جماعة مِن الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك. ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق.
وأبعد ذلك كله مِن الاعتبار تضعيف مَن ضعَّفَ بعضَ الرواة بأمْرٍ يكون الحِمْل فيه على غيره. أو للتحامل بين الأقران.
وأشدّ مِن ذلك تضعيف مَن ضعَّف مَن هو أوثق منه، أو أعلى قدرًا، أو أعرف بالحديث. فكل هذا لا يعتبر به" (1).
وقال السبكي: "ومما ينبغي أنْ يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك. وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المُزَكُّون بَرَاء من الشحناء والعصبية في المذهب، خوفاً مِن أن يحملهم ذلك على جرح عدل، أو تزكية فاسق. وقد وقع هذا لكثيرٍ مِن الأئمة، جرحوا بناء على معتقدهم وهم المُخطئون والمجروح مصيب. وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح إلى هذا. وقال: أعراض المسلمين حفرة مِن حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان مِن الناس المحدثون والحكام.
قلت: ومِن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم مِن أجل مسألة اللفظ.
فيالله والمسلمين! أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك، وهو حامل لواء الصناعة، ومقدم أهل السنة والجماعة. ثم يالله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام، فإنّ الحق في مسألة اللفظ معه. إذ لا يستريب عاقل مِن المخلوقين في أنّ تَلَفُّظَه مِن أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى. وإنما أنكرها الإمام أحمد (رضي الله عنه) لبشاعة لفظه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة فتح الباري 1: 385.
-[ 42 ]-
ومِن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم ابن حبان: لم يكن له كبيرُ دَينٍ، نحن أخرجناه من سجستان، لأنه أنكر الحدّ لله.
فياليت شِعْري، مَن أحق بالإخراج: مَن يَجعَل ربَّه محدودًا، أو مَن ينزهه عن الجِسْمية؟!
وأمثلة هذا تكثر.
وهذا شيخنا الذهبي (رضي الله عنه) مِن هذا القبيل له علم وديانة، وعنده على أهل السنة تحمل مفرط، فلا يجوز أنْ يُعتمَد عليه..." (1)... إلى آخر ما تقدم منه عن الذهبي.

لم يسلم أحد من الطعن حتى أئمة الجمهور وأضرابهم
ولذا يظهر مِن كلماتهم أنه لم يَسْلَم مِن الطعْن أحدٌ، حتى أئمة الجمهور وأضرابهم، فقد تقدم الطعن في الشافعي، وأحمد بن حنبل.
وأكْثَرَ الخطيبُ البغدادي مِن ذِكْر كلمات الطاعنين في أبي حنيفة (2).
وتقدم حديث الذهبي عن مالك.
وقال أيضاً: "هذا مالكٌ هو النجم الهادِي بين الأمة، وما سَلِم مِن الكلام فيه. ولو قال قائلٌ عند الاحتجاج بمالكٍ فقد تكلّم فيه، لعُذر وأهين. وكذلك الأوزاعي ثقة حجة. وربما انفرد، ووهم. وحديثه عن الزهري فيه شيء ما. وقد قال فيه أحمد بن حنبل: رأي ضعيف، وحديث ضعيف. وقد تكلف لمعنى هذه اللفظة. وكذا تكلم مَن لا يفهم في الزهري، لكونه خضب بالسواد، ولبس زي الجند، وخدم هشام بن عبدالملك. وهذا باب واسع. والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث. والمؤمن إذا رجحت حسناته وقلت سيئاته فهو مِن المفلحين. هذا إنْ لو كان ما قيل في الثقة الرضي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات الشافعية الكبرى 2: 12 ـ 13 في ترجمة أحمد بن صالـح المصري.
(2) تاريخ بغداد 13: 369 ـ 453 في ترجمة النعمان بن ثابت.
-[ 43 ]-
مؤثر. فكيف وهو لا تأثير له؟!" (1).
وبعد كلّ ذلك كيف يتيسّر جعْلُ الضوابط المقبولة عقلائيًّا، والتي عليها المعيار شَرْعاً في الجرح والتعديل، ورَدّ الحديث وقبوله؟!
ومِن الطريف ما سبق عن البخاري مِن أنّ العدالة لا تَسْقُط إلا ببرهانٍ ثابِت وحجّة، إذ أيُّ حجّةٍ على سقوط العدالة أقوى مِن طعْن الشخص على العادِل ونَيْلِه منه بهوى، أو طعْن الثقة العادل فيه؟!
ولاسيما وأنّ إثبات العدالة للشخص هو الذي يَحْتَاج إلى دليل قاطع لا شبهة فيه.
ومثله قول الذهبي المتقدم: "والماء إذا بلغ..." فإنّ الحديث ليس عن الثواب والعقاب، ليقال: ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ)) (2)، والمؤمن إذا رجحت حسناته وقلت سيئاته فهو من المفلحين. وإنما المهم وثاقة الراوي وضبْطه وعدمهما، وكيف يمكن إحرازهما مع ما سبق؟!
وأطرف مِن ذلك تأويلُ الذهبي المتقدم لكلام أبي داود في ابنه عبدالله، إذ فَتْحُ الباب لِمثْل هذه التأويلات يزيد في الْتِبَاس الأمر، وضياع المعالم، وفقد الضوابط، كما هو ظاهر.
ولنكتف بهذا المقدار من الحديث عن مطاعن أهل الجرح والتعديل، ونترك للمتتبع المزيد من ذلك.

تَعَمُّد تَرْك جَرْح بعض أهل الحديث وإخفاء حالهم
الأمر الثالث: أنه يظهر مِن بعض كلمات أهل الجرح والتعديل تعمُّد تَرْك جَرْح بعض الرواة وإخفاء حالهم صِيَانَةً للحديث.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 25ـ 26.
(2) سورة هود الآية: 114.
-[ 44 ]-
فهذا الحاكمُ ذَكَر أقسامَ التدليس - الذي يأتي شيوعُه منهم - ثم قال: "قد ذكرت في هذه الأجناس الستة أنواعَ التدليس، ليتأمّله طالبُ هذا العلم، فيقيس بالأقلّ على الأكثر. ولَمْ أستحسن ذكْرَ أَسَامِي مَن دَلَّسَ مِن أئمة المسلمين صيانةً للحديث ورواته" (1).( (وامصيبتاه على مَعَالِم الدِّين؟!)
وقال الذهبي: "وكذا لَمْ أَعْتَنِ بمَنْ ضُعِّفَ مِن الشيوخ مِمَّن كان في المائة الرابعة وبعدها، ولو فتحتُ هذا الباب لَمَا سَلِم أحدٌ، إلا النادِرُ مِن رُوَاة الكتب والأجزاء" (2). (وامصيبتاه على مَعَالِم الدِّين المأخوذة مِمَّن وثَّقهم الذهبي إذًا؟!)
وقال أيضاً: "ثُمّ مِن المعلوم أنه لابد مِن صَوْنِ الراوي وسِتْرِه، فالـحَدُّ الفاصِل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة، ولو فتحتُ على نفسي تَلْيِينَ هذا الباب لَمَا سَلِمَ معِي إلا القليل، إذ الأكثر لا يَدْرُون ما يَرْوُون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصِّغَر، واحْتِيجَ إلى عُلُوِّ سَنَدِهم في الكبر، فالعمدة [والعهدة] (3) على مَن قَرَأ لهم، وعلى مَن أَثْبَت طباق السماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث" (4).
ولا ندري كيف يكون صون الحديث النبوي الشريف بالسِّتْر على رواته المطعون فيهم؟!
وكيف يمكن مع ذلك قبول حديث الذين يوثقهم أهلُ الجرح والتعديل إذا كان مِن طريقتهم تَعَمُّد إخفاء الطعون الثابتة عليهم، وكتمان ما يُوجِب جَرْحَهم بنحْوٍ يعارض التوثيقَ، ويُسْقِطه عن الحجية؟!
ثم ألا يكون هذا تدليساً مِن أهل الجرح والتعديل الذين يُفترَض فيهم ذِكْر جميع ما يَرِد في الرجل ممّا له دخل في قبول روايته وردّه؟!
ـــــــــــــــــــــــ
(1) معرفة علوم الحديث: 111.
(2) المغني في الضعفاء: 4.
(3) لسان الميزان 1: 9 عند ذكره خطبة الأصل.
(4) ميزان الاعتدال 1: 115 في المقدمة.
-[ 45 ]-

اضطراب موقف الجمهور إزاء ذوي الاتجاهات المختلفة
الأمر الرابع: أنّ الجمهور يَرَوْن أنّهم على حقّ، وأنهم المؤمنون، وأنّ غيرهم مِن فِرَق المسلمين مبتدعون خارجون عن الحق. وهذا في الجملة أمر طبيعي، لأنّ كلّ فرقة مِن المسلمين ترى لنفسها ذلك، وإنما الكلام في أدلتها على دعواها، ولسنا الآن بصدد ذلك.
كما أنّ الجمهور أيضاً يدّعون أنهم وسَط بين التشيع والنُّصْب، بأقسامهما. وليس هذا مهماً إنما المهم هو موقفهم مِن روايات الفريقين وأحاديثهما..
والذي نفهمه أنّ الأمر يدور بين منهجين..
الأول: أنْ يُشترَط في العمل بالحديث عدالة الراوي له - التي هي فرْعُ الإيمان - ولا يُكْتَفَى بتحرُّزه عن الكذب. ولازمُ ذلك عدَم قبولِ الجمهور روايات الفرق الأخرى، وإنْ كان الراوي ثقةً، مِن دون فرق بين الشيعة بأقسامهم، والنواصب بأقسامهم، مِن العثمانية، والخوارج، وغيرهم.
بل مقتضى ذلك أنّ كلّ صاحب عقيدة مِن الجمهور لا يعمل برواية مَن يُخالِفه في تلك العقيدة إذا كان يراه مبتدعاً خارجاً عن الإيمان، كما تقدم من أحمد بن حنبل وغيره في حقِّ مَن يخالفهم في مسألة خلْق القرآن أو الرؤية أو غيرهما.
الثاني: أنْ يُكتَفى في العمل بالحديث بوثاقة الراوي وتحرُّزه عن الكذب، مِن دون نَظَر إلى عقيدته، كما سبق أنه المشهور عند الشيعة.

يبدو مِن الجمهور أخذهم برواية الثقة وإنْ خالَفَهم في المذهب
والذي يبدو مِن الجمهور عدمُ جَرْيِهم على الأول، لأنهم أكثروا مِن الرواية عمَّن يخالفونه في الرأي، مُعَلِّلِين لذلك بأنه لولا ذلك لذهب جملة
-[ 46 ]-
مِن الآثار النبوية (1).
وقال الجوزجاني: "وكان قومٌ مِن أهل الكوفة لا يَحْمد الناسُ مذاهبَهم، هم رؤوس مُحَدِّثِي الكوفة، مثل أبي إسحاق، ومنصور، والأعمش، وزبيد بن الحارث اليامي، وغيرهم مِن أقرانهم. احْتَمَلَهم الناسُ، لِصِدْق ألسنتهم في الحديث" (2).
وقال علي بن المديني: "لو تركتُ أهلَ البصرة لحال القدر، ولو تركتُ أهل الكوفة لذلك الرأي - يعني التشيع - خَرِبَت الكُتُب".
ويقول الخطيب البغدادي: "قوله: خربت الكتب. يعني: لذهب الحديث" (3)... إلى غير ذلك.
ولكن مع ذلك يبدو منهم أمران لا يتناسبان مع الضابط المتقدم:

ترْكُهم روايةَ الثقة نِكَايَةً به أو بمذهبه
الأول: تَرْك بعض أهل الخلاف لهم، كالداعِيَة في فِرْقَتِه، والرافضي مطلقًا، أو إذا كان داعيةً، لا لعدم وثاقتهم، بل نكايةً بهم وبدعوتهم..
قال الذهبي: "ثم بدْعَة كبرى، كالرَّفْض الكامل، والغُلُوّ فيه والحَطّ على أبي بكر وعمر (رضي الله عنهم) والدعاء إلى ذلك. فهذا النوع لا يُحْتَجّ بهم ولا كرامة" (4).
وقال السيوطي: "الصواب أنه لا يقبل رواية الرافضة وسابّ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 1: 118 في ترجمة أبان بن تغلب.
(2) أحوال الرجال: 78 ـ 80 في ترجمة فائد أبي الورقاء، واللفظ له. ميزان الاعتدال 3: 97 في ترجمة زبيد بن الحارث اليامي، وفيه: "وقال أبو إسحاق الجوزجاني ـ كعوائده في فظاظة عبارته ـ: كان من أهل الكوفة...".
(3) الكفاية في علم الرواية: 129 باب ذكر بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع.
(4) ميزان الاعتدال 1: 118 في ترجمة أبان بن تغلب.
-[ 47 ]-
السلف... لأنّ سُبَاب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف مِن باب أولى...
وقال ابن المبارك: لا تُحَدِّثُوا عن عمرو بن ثابت، فإنه كان يَسُبّ السلف" (1).
وقال ابن حجر في ترجمة يونس بن خباب الأسيدي: "وقال الدوري عن ابن معين: رجل سوء، وكان يشتم عثمان....
وقال الساجي: صدوق في الحديث تكلّموا فيه مِن جهة رأيه السوء....
وقال ابن معين: كان ثقة وكان يشتم عثمان.
وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: يونس بن خباب ثقة صدوق. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه... وقال الحاكم أبو أحمد: تركه يحيى وعبد الرحمن. وأحسنا في ذلك، لأنه كان يشتم عثمان، ومَن سَبّ أحداً مِن الصحابة فهو أهلٌ أنْ لا يُرْوَى عنه" (2).
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن عبدالله بن المبارك أنه قال: "سأل أبو عصمة أبا حنيفة ممّن تأمرني أنْ أسمع الآثارَ؟
قال: مِن كلِّ عَدْلٍ في هواه، إلا الشيعة - فإنّ أَصْلَ عقدهم تضليل أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - ومَن أتى السلطانَ طائعًا. أَمَا إنّي لا أقول إنهم يكذبونهم، أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وَطَّأوا لهم حتى انقادت العامة بهم. فهذان لا ينبغي أنْ يكونا مِن أئمة المسلمين" (3).
لكنه كما ترى! فإنَّ التنكيل بصاحب الدعوة أو بدعوته لا يُبَرِّر طَمْسَ الحق الذي يحمله، وتضييع الآثار النبوية، خصوصاً مِن نُقّاد الحديث الذين يُفترَض فيهم الأمانة فيه، والحفاظ عليه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تدريب الراوي 1: 326 ـ 327 النوع الثالث والعشرون صفة من تقبل روايته وما يتعلق به.
(2) تهذيب التهذيب 11: 385 في ترجمة يونس بن خباب الأسيدي.
(3) الكفاية في علم الرواية: 126 باب ذكر بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع، ومثله في مفتاح الجنة للسيوطي: 38.
-[ 48 ]-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:38 pm

موقف الجمهور غير المتوازن بيْن الشيعة والنواصب
الثاني: الموقف غير المتوازن بين الشيعة والنواصب، فإنّ الجمهور أكثروا مِن الرواية عن النواصب - مِن العثمانية والخوارج - مع تصريحهم بنُصْبِهم وسَبِّهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بل إغراقهم في ذلك، وقد أفرط بعضهم في توثيقهم، فعن أبي داود: "ليس في أصحاب الأهواء أصحّ حديثاً مِن الخوارج".
ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج (1).
أما العثمانية فقد اختلطوا بالجمهور حتى لا يكادون يتميزون عنهم، وما أكثر ما وصفوا الرجل بأنه كان شديداً في السنة وأغرقوا في الثناء عليه، وبالتعرف على حاله نراه زائغاً عن أهل البيت (صلوات الله عليهم) أَمَوِيّ النَّزْعَة، مُغْرِقاً في ذلك. ووضوح ذلك يغني عن الاستطراد بذكر الشواهد. وقد تقدم بعضها.
أما الشيعة فهم يهجرونهم غالباً أو مطلقاً ويرمونهم بقوارص القول. وإذا كان الطعن على الشيعة بأنهم يَنَالُون مِن بعض الصحابة - كما سبق بعض ذلك - فإنّ النواصب ينالون مِن كثيرٍ مِن الصحابة أيضاً، مِمّن لَزِمُوا أهلَ البيت (عليهم السلام) واهتدوا بهداهم. ويزيدون(النواصب) عليهم(على الشيعة) بِنَيْلهم مِن أهل البيت (صلوات الله عليهم) وبغضهم لهم.

موقفهم مِن الخوارج
بل الخوارج يُكَفِّرُون صَرِيحاً أميرَ المؤمنين (عليه السلام) الذي هو سيّد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكفاية في علم الرواية: 130 باب ذكر بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع. سير أعلام النبلاء 4: 214 في ترجمة عمران بن حطان. ميزان الاعتدال 5: 285 في ترجمة عمران بن حطان. تهذيب التهذيب 8: 113 في ترجمة عمران بن حطان. تهذيب الكمال 22: 323 في ترجمة عمران بن حطان. تدريب الراوي 1: 326 النوع الثالث والعشرون صفة من تقبل روايته وما يتعلق به.
-[ 49 ]-
أهل البيت (عليهم السلام) بلا منازع، وسيّد الصحابة، أو مِن ساداتهم - على
الأقل - ويُعْلِنُون هم والعثمانية لعْنَه وسبَّه، وهو الذي سبق في جواب السؤال الرابع أنّ مِن سَبَّه فقد سَبَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومَن أبغضه فقد أبغض النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
"لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" (1).
وهو الذي قال أحمد بن حنبل في حقه: "ما بَلَغَنا عن أحدٍ مِن الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب" (2).
وفي لفظ آخر عنه: "ما جاء لأحدٍ مِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)". (3)
وقال الزرقاني: "قال أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي:
لَمْ يَرِد في حقِّ أحدٍ بالأسانيد الجياد ما ورد في حقِّ عليٍّ" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 1: 95،128 مسند علي بن أبي طالب. فتح الباري 1: 63. المسند المستخرج على صحيح مسلم 1: 157. سنن الترمذي 5: 643 كتاب كتاب المناقب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : باب بعد باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). مجمع الزوائد 9: 133 كتاب المناقب: باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. وغيرها من المصادر الكثيرة جد. ومثله في صحيح مسلم 1: 86 كتاب الإيمان: باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي (رضي الله عنه) من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق، وصحيح ابن حبان 15: 367 كتاب إخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم (رضي الله عنهم أجمعين): ذكر الخبر الدال على أن محبة المرء علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) من الإيمان. وغيرها من المصادر الكثيرة جد.
(2) فتح الباري 7: 74.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 116 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه، واللفظ له. فيض القدير 4: 355. شواهد التنزيل للحسكاني 1: 27. تهذيب التهذيب 7: 297 في ترجمة علي بن أبي طالب. تاريخ دمشق 42: 418 في ترجمة علي بن أبي طالب.
(4) شرح الزرقاني 1: 241، ومثله في الاستيعاب 3: 1115 في ترجمة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه).
-[ 50 ]-
وقال النيسابوري: "لَمْ يَرِدْ في حقِّ أحدٍ مِن الصحابة بالأحاديث الحِسَان ما وَرَد في حقِّ عليٍّ" (1).
وقد سَبَقَهم إلى ذلك - فيما رُوِيَ - عمرُو بنُ العاص، الذي هو مِن المُعَدَّلِين عند الجمهور، فقد ذَكَرُوا أنّ رجلاً مِن همدان يقال له: برد، قدم على معاوية، فسمع عمْراً يقع في عليٍّ، فقال له: "يا عمرو إنّ أشياخنا سمعوا رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:

[مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه]، فحقٌّ ذلك أم باطل؟
فقال عمرو: حقّ.
وأنا أزيدك، أنه ليس لأحد مِن صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب عليٍّ، ففزع الفتى، فقال عمرو: إنه أفسدها بأمْره في عثمان" (2).
ومع كلّ ذلك فقد تقدم عن أبي داود في الخوارج ما تقدم، وخصوصاً عمران بن حطان، الذي مَدَحَ أشقى الآخرين قاتِل أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الرحمن بن ملجم بقوله المشهور:
يا ضَرْبةً مِن تَقِيٍّ ما أراد بها *** إلا ليبْلُغ مِن ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوماً فأحسبـــــه *** أوفى البريّةِ عند الله ميزانا (3)
حيث لم يَمْنَع ذلك البخاري وغيرَه مِن الرواية عنه (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) فيض القدير 4: 355.
(2) الإمامة والسياسة 1: 97.
(3) الإصابة 5: 303 في ترجمة عمران بن حطان، واللفظ له. المحلى 10: 484. سير أعلام النبلاء 4: 215 في ترجمة عمران بن حطان.
(4) راجع صحيح البخاري كتاب اللباس 5: 2194 باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، و: 2220 باب نقض الصور، وصحيح ابن حبان 11: 439 كتاب القضاء: ذكر الاخبار عن وصف مناقشة الله في القيامة الحاكم العادل إذا كان في الدني، ومجمع الزوائد 4: 192 كتاب الأحكام: باب في القضاء والسنن الكبرى للبيهقي 3: 266 كتاب صلاة الخوف: باب من له أن يصلي صلاة الخوف، وسنن أبي داود 4: 72 كتاب اللباس: باب في الصليب في الثوب، والسنن الكبرى للنسائي 5: 466 كتاب الزينة: لبس الحرير، وغيره.
-[ 51 ]-

كلام ابن حجر في توجيه الموقف غير المتوازن
وقد اعترف ابنُ حجر العسقلاني بموقف الجمهور غير المتوازن مِن الشيعة والنواصب، وحاول الدفاعَ عنه، فقال:
"وقد كنتُ أستشكل توثيقَهم الناصبيَ غَالِياً (1)، وتَوْهِينَهم الشيعةَ مطلقًا. ولاسيما أنّ عَلِيّاً ورد في حقه:
لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. ثُمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البُغْض ههنا مُقَيَّدٌ بِسَبَبٍ، وهو كَوْنُه نَصَر النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ مِن الطبْع البشري بُغْضَ مَن وَقَعَت منه إِسَاءَةٌ في حقِّ المُبْغِض، والحبّ بعكسه، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالبًا.
والخَبَرُ في حُبّ عَلِيٍّ وبُغْضِه ليس على العموم، فقد أَحَبَّه مَن أفرط فيه، حتى ادعى أنه نبي، أو أنه إله. تعالى الله عن إِفْكِهم.
والذي وَرَد في حقِّ عليٍّ مِن ذلك قد ورد مثْلُه في حقّ الأنصار. وأجاب عنه العلماء أنّ بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه، وبالعكس، فكذا يقال في حق عليٍّ.
وأيضاً فأكثرُ مَن يُوصَف بالنُّصْب يكون مشهوراً بصِدْق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف مَن يُوصَف بالرفض، فإنّ غالبهم كاذب، ولا يتورع في الاخبار.
والأصل فيه أنّ الناصبة اعتقدوا أنّ عليّاً (رضي الله عنه) قَتَل عثمان، أو كان أعان عليه، فكان بغضُهم له ديانة بزعمهم. ثم انْضَافَ إلى ذلك أنّ منهم مَن قُتِلَت أقاربه في حروب عليٍّ" (2).
وكلامه بطوله يرجع إلى أمرين:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في المصدر. لكن في كتاب العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل: 35 نقلاً عن ابن حجر: (غالب).
(2) تهذيب التهذيب 8: 410 في ترجمة لمازة بن زبار الأزدي.
-[ 52 ]-

الكلام حوْل ما تضمّن أنّ حبّ عليٍّ (عليه السلام) إيمان وبغضه نفاق
الأمر الأول: محاولة حَمْل ما تضمّن أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، على مَن يبغضه لأجل نصره لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، دُونَ مَن يبغضه لا مِن أجل ذلك، بل لِتَخَيُّل قتله (عليه السلام) لعثمان أو ممالأته عليه، أو لأنه قتل أقاربه في حروبه.
وهو - كما ترى - حَمْلٌ غريب، حيث لا خصوصية في ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام) بل يجري في كلّ مَن نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن المؤمنين، مهما كان شأنه.
بل حتى مِن الكفار والمشركين، كهشام بن عمرو بن الحارث، وزهير ابن أبي أمية المخزومي، وزمعة بن الأسود، وأبي البختري بن هشام، الذين سعوا في نقض الصحيفة القاطعة على بني هاشم بعدما حُوصِرُوا في الشعب (1). وكذا المطعم بن عدي، الذي سعى في نقضها، وأجار النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما رَجَعَ مِن الطائف (2). فإنّ بُغْضَهم مِن أجل نصرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما قاموا به نفاقٌ.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 1: 552 ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل (عليه السلام) إليه بوحيه. السيرة النبوية 2: 219 ـ 220 حديث نقض الصحيفة. البداية والنهاية 3: 96 في نقض الصحيفة. الكامل في التاريخ 1: 604ـ605 ذكر أمر الصحيفة. وغيرها من المصادر.
(2) تاريخ الطبري 1: 555 ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل (عليه السلام) إليه بوحيه. الطبقات الكبرى 1: 212 ذكر سبب خروج رسول الله إلى الطائف. البدء والتاريخ 4: 155 قصة الجن الأولى. تهذيب الكمال 4: 507 في ترجمة جبير بن مطعم بن عدي. سير أعلام النبلاء 3: 95 في ترجمة جبير بن مطعم. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 236 في ترجمة جبير بن مطعم. عون المعبود 7: 253. المنتظم 3: 15 رجوعه من الطائف. نيل الأوطار 8: 141. وغيرها من المصادر.
-[ 53 ]-
وحَمْلُ هذه الأحاديث الكثيرة الواردة في حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على ذلك تَجْرِيدٌ لها عن معناها، إلى معنى مِن الوضوح بحدٍّ يكون معه بيانه عبثاً لا يستحسن، خصوصاً مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
بل هو لا يتناسب مع تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام) على ذلك في خلافته، تَعْرِيضاً بمناوئيه ومحاربيه في مثل قوله (عليه السلام) :
"لو ضربتُ خيشومَ المؤمن بسيفي هذا على أنْ يبغضني ما أبغضني، ولو صببتُ الدنيا بحماتها على المنافق على أنْ يحبني ما أحبني. وذلك لأنه قضى فانقضى على لسان النبي الأمي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي: يا علي لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق" (1)، ولا(يتناسب هذا الحَمْل و التفسير) مع قول عُمرَ لِمَن رآه يسبّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) :
"إني أظنّك منافقاً" (2).
ولا(يتناسب) مع تأكيد غيْرِ واحدٍ مِن الصحابة على أنهم كانوا يعرفون المنافقين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ببغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ينابيع المودة 1: 152، واللفظ له. نهج البلاغة 4: 13. وقريب منه في تاريخ دمشق 42: 277 في ترجمة علي بن أبي طالب.
(2) تاريخ بغداد 7: 452 في ترجمة الحسن بن يزيد بن معاوية بن صالـح.
(3) سنن الترمذي 5: 635 كتاب كتاب المناقب: في باب لم يعنونه بعد باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). المستدرك على الصحيحين 3: 139 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). حلية الأولياء 6: 295 في ترجمة جعفر الضبيعي. تذكرة الحفاظ 2: 673 في ترجمة عبيد الجعل. مجمع الزوائد 9: 132 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 579 فضائل علي (عليه السلام) ،: 639 ومن فضائل علي (رضي الله عنه) من حديث أبي بكر بن مالك عن شيوخه غير عبدالله. المعجم الأوسط 2: 328، 4: 264. تاريخ دمشق 42: 285، 286،287،374 في ترجمة علي بن أبي طالب. الكامل في ضعفاء الرجال 5: 79 في ترجمة عمارة بن جوين. تاريخ بغداد 13: 153 في ترجمة مروان بن موسى البغدادي. موضح أوهام الجمع والتفريق 1: 49. تهذيب الأسماء: 318. وغيرها من المصادر.
-[ 54 ]-
لوضوح أنّ الذين كانوا يبغضونه (عليه السلام) لا يُعْلِنُون أنهم أَبْغَضُوه لنصرته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). بل يُعْلمَ بأنّ كثيراً منهم إنما كانوا يبغضونه لخشونته في الحق، ولو أنه لانَ معهم وداهَنَهم لم يبغضوه.
وفي حديث بريدة الذي كان يبغض أمير المؤمنين ويحبّ مَن أبغضه (1)، قال: "بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً أميراً على اليمن، وبعث خالد ابن الوليد على الجبل، قال: إنْ اجتمعتما فعليٌّ على الناس.
فالتقوا، وأصابوا مِن الغنائم ما لم يصيبوا مثله. وأخذ عليٌّ جاريةً مِن الخُمْس.
فدعا خالد بن الوليد بريدة، فقال: اغْتَنِمْه، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما صنع.
فقدمتُ المدينة، ودخلت المسجد ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منزله، وناس من أصحابه على بابه... فقالوا: ما أقدمك؟
قلتُ: جارية أخذها عليٌّ مِن الخمس، فجئتُ لأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
قالوا: فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه يسقط من عين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع الكلام.
فخرج مغضبًا، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):
ما بالُ أقوامٍ يَنْتَقِصُون عليًّا؟! مَن تنقص عليّاً فقد تنقصني، ومَن فارق عليّاً فقد فارقني. إنّ عليّاً منّي، وأنا منه، خُلِق مِن طِينَتِي، وخُلِقْتُ مِن طِينَةِ إبراهيم. وأنا أفضل مِن إبراهيم ((ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)).
يا بريدة أما علمتَ أنّ لعليٍّ أكثر مِن الجارية التي أَخَذ، وأنه وليكم بعدي. فقلتُ: يا رسول الله بالصحبة إلا بسطتَ يدَك، فبايَعْتَني على الإسلام جديدًا.
قال: فما فارقتُه حتى بايعتُه على الإسلام" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 9: 127 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. مسند أحمد 5: 350 حديث بريدة الأسلمي (رضي الله عنه). فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 690 ومن فضائل علي (رضي الله عنه) من حديث أبي بكر بن مالك عن شيوخه غير عبدالله. فتح الباري 8: 66. نيل الأوطار 7: 110.
(2) مجمع الزوائد 9: 128 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه، واللفظ له. المعجم الأوسط 6: 162.
-[ 55 ]-
وفي هذا الحديث دلالة على أنّ حُبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رُكْنٌ مِن أركان الإسلام، حيث جدَّد بريدة البيعة على الإسلام بسببه.
وفي حديثه الآخر: "قال أبغضتُ عليّاً بغضاً لم أبغضه أحداً قط. قال: وأحببت رجلاً مِن قريش لم أحبّه إلا على بغضه عليّاً (رضي الله عنه).
قال: فبُعِثَ ذلك الرجل على جيشٍ، فصحبتُه، ما صحبتُه إلا ببغضه عليّاً (رضي الله عنه)... فكتب الرجل إلى نبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلتُ: ابعثني مصدقًا.
قال: فجعلت أقرأ الكتاب، وأقول: صدق. قال: فأمسك(صلى الله عليه وآله وسلم) يدي والكتاب، وقال:
أتبغض عليًّا؟
قال: قلت: نعم.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): فلا تبغضه، وإنْ كنتَ تحبّه فازدد له حبًّا. فو الذي نفس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده لَنَصِيبُ آلِ عليٍّ في الخمس أفضل مِن وَصِيفَة..." (1).
وفي حديث عمرو بن شاس الأسلمي، وكان ممّن شهد الحديبية، قال: "خرجت مع عليٍّ (رضي الله عنه) إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدتُ في نفسي عليه. فلمّا قدمتُ المدينة أظهرتُ شكايتَه في المسجد، حتى سمع بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... قال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمرو، والله لقد آذيتني.
قلت: أعوذ بالله من أذاك يا رسول الله. قال(صلى الله عليه وآله وسلم): بلى، مَن آذى عليّاً فقد آذاني" (2).
وفي حديث أبي رافع في قضية عمرو بن شاس هذا، قال: "فرجع
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 9: 128 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه.
(2) مجمع الزوائد 9: 129 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه، واللفظ له. المستدرك على الصحيحين 3: 131 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). مسند أحمد 3: 483 حديث عمرو بن شاس الأسلمي (رضي الله عنه). الإصابة 4: 646 في ترجمة عمرو بن شاس الأسدي. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 579 فضائل علي (عليه السلام). تاريخ دمشق 42: 202،203 في ترجمة علي بن أبي طالب. وغيرها من المصادر.
-[ 56 ]-
وهو يذمّ عليّاً ويشكوه، فبعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): أَخْبِرْنا عمرو، هل رأيتَ مِن عليٍّ جوراً في حكمه، أو أثرة في قسمه؟
قال: اللهم لا.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): فعلى ما تقول ما يبلغني؟
قال: بغضه لا أملكه.
قال: فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عرف ذلك في وجهه، ثم قال: مَن أبغضه فقد أبغضني، ومَن أبغضني فقد أبغض الله، ومَن أحبّه فقد أحبني، ومَن أحبني فقد أحب الله تعالى" (1).
وفي حديث سعد بن أبي وقاص، قال: "كنتُ جالساً في المسجد أنا ورجلان معي، فنِلْنَا مِن علي (رضي الله عنه)، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذتُ بالله مِن غضبه.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ما لكم وما لي، مَن آذى عليّاً فقد آذاني" (2)...
إلى غير ذلك مما لا مجال لحَمْلِه على خصوص مَن أبغض أميرَ المؤمنين (صلوات الله عليه) لنصرته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:41 pm

في أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عَلَمٌ يُعْرَف به المؤمن مِن المنافق
ومِن هنا لا ريب في أنّ المراد بهذه الأحاديث ونحوها جَعْل أمير المؤمنين (عليه السلام) عَلَماً يُعرَف به المؤمنون والمنافقون، خصوصاً بعد ارتحال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للرفيق الأعلى، حيث تُقْبِل الفتنُ وتختلط الأوراقُ، فيُنَاسِب ما صَرّحَت به بعضُ الأحاديث الجارية هذا المجرى، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
"لَوْلاك يا عليُّ ما عُرِف المؤمنون بعْدِي" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مسند البزار 9: 323 ما أسند أبو رافع مولى رسول الله (عليه السلام) عن رسول الله، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 129 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. وغيرها من المصادر.
(2) الأحاديث المختارة 3: 267 فيما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه (رضي الله عنهم)، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 129 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. مسند أبي يعلى 2: 109 مسند سعد بن أبي وقاص. تاريخ دمشق 42: 204 في ترجمة علي بن أبي طالب. وغيرها من المصادر.
(3) كنز العمال 13: 152 حديث:36477.
-[ 57 ]-
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "سَتَكُون بعْدِي فتنة، فإذا كان ذلك فالْزَمُوا عليَّ ابن أبي طالب، فإنه أوّلُ مَن يَرَانِي، وأوّلُ مَن يصافحني يوم القيامة، هو الصِّدِّيقُ الأَكْبَر، وهو فارُوقُ هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل. وهو يَعْسُوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين" (1).
وقال أبو رافع: "أتيتُ أبا ذر بالربذة أودّعه. فلمّا أردتُ الانصراف قال لي ولأناس معي:
ستكون فتنة، فاتقوا الله. وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه، فإني سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له:
أنتَ أوّلُ مَن آمَنَ بي، وأوّلُ مَن يصافحني يوم القيامة، وأنت الصِّدِّيقُ الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل. وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين. وأنت أخي ووزيري، وخيْرُ مَن أَتْرُك بعْدِي، تقضي دَيني، وتنجز موعدي" (2).
وهو المناسب لأحاديث أخر، مثل ما عن ابن عباس، قال:
"لما نزلت: ((إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)) وضع (صلى الله عليه وآله وسلم) يَده على صدره فقال:
أنا المنذر، ولكل قوم هاد
وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال:
أنت الهادِي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي" (3). وغيره.
ونعود لابن حجر لنرى ما ساقه مؤيِّداً لِحَمْل الحديث على خلاف ظاهره، وهو عدة أمور، لا تخلو مِن طرافة..
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الاستيعاب 4: 1744 في ترجمة أبي ليلى الغفاري، واللفظ له. الإصابة 7: 354 في ترجمة أبي ليلى الغفاري. ميزان الاعتدال 1: 339 في ترجمة إسحاق بن بشر بن مقاتل. لسان الميزان 1: 357 في ترجمة إسحاق بن بشر بن مقاتل.
(2) شرح نهج البلاغة 13: 228.
(3) تفسير الطبري 13: 108، واللفظ له. تفسير ابن كثير 2: 503. فتح الباري 8: 376. روح المعاني 13: 108. الدر المنثور 4: 608.
-[ 58 ]-

قتْل أمير المؤمنين (عليه السلام) لآباء النواصب لا يسوغ بغضهم له
1 ـ أنّ مِن الطبْع البشري بُغْضَ مَن وَقَعَت منه إساءة في حقّ المبغِض، والحُبّ بالعكس!
وجوابُه: أنّ الذين قتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما قَتَلَهم بأمْر الله عزوجل، لأنهم أعداء الله تعالى، مُشَاقُّون له، خارِجُون عن حكْمِه، فيَحْرُم على المؤمنين مودّتَهم، كما قال تعالى: ((لاتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) (1). ويجب عليهم أنْ يحبّوا أميرَ المؤمنين (عليه السلام)، لتنفيذه حكْمَ الله تعالى فيهم.
وإنْ لم يفعلوا فهُم منافقون - كالذين أبغضوا رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لِقَتْلِه أحبَّتَهم - لأنهم يوادّون مَن حادّ اللهَ تعالى، ويعادُون مَن أحبّ اللهَ تعالى، وأمضى حكْمَه. فبغْضُ الناصبي لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مِن أجل ذلك يؤكِّد نفاقَه.

تَخْصِيص الحديث لا يَقْتَضِي الخروجَ عن ظاهره
2 ـ أنّ الخبر في حب علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من كفر فيه بالله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغلاة.
وجوابه: أولاً: أنّ المراد بالحديث الشريف خصوص مَن يدّعي الإسلامَ، لأنه الذي يُوصَف بالإيمان والنفاق، وينقسم إلى مؤمن وفاسق ومنافق، دون الكافر بأقسامه.
وثانياً: أنه لو فرض عموم الحديث بَدْواً للكافر فاللازمُ الاقتصارُ في التقييد على صَدْرِه، والمُتَضَمِّن إيمان مَن يحبه، ويبقى ذَيْلُه المتضمن نفاقَ مَن يبغضه على إطلاقه، فيدل على نفاق النواصب، كما هو المدعى.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المجادلة الآية: 22.
-[ 59 ]-

وُرُود نظير ذلك في الأنصار لا يَمْنَع مِن الاحتجاج به
3 ـ أنّ المضمون المذكور قد ورد نظيره في الأنصار.
وجوابه: أولاً: أنه لا مانع مِن البناء على جريان ذلك فيهم، فمَن أبْغَضَهم كان منافقًا، مهْما كان سَبَب بُغْضِه لهم، كما سبق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عند التعرض لأحداث السقيفة في جواب السؤال الرابع. وهو الحال في كثيرٍ مِن منافقِي قريش، خصوصاً مَن جَاهَرَهم بالعَدَاء، و جَدَّ في إيذاءهم والاستئثار عليهم، كمعاوية وعمرو بن العاص وأشباههما.
نعم لابد مِن حَمْلِه على بُغْضِ جُمْلَتِهم كمجموعةٍ ذات عنوان خاص، دُونَ الأفراد الشاذة، حيث لا ريب في وجود منافقين في الأنصار، يكون مقتضى الإيمان بغضهم، والبراءة منهم.
وبالجملة: مُشَاركة الأنصار لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في هذه الفضيلة لا يقتضي إبطالها.
وثانياً: أنّ أَخْذَ عنوان الأنصار في الأحاديث الواردة فيهم قد يُشْعِر بعلّة بغضهم الذي هو علامة النفاق، نظير قولنا: مَن أحب المؤمنين حشر معهم، ومَن أبغض الكفار سَلِم مِن معرّتهم، بخلاف أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فإنه ذُكِرَ باسمه مجرّداً عن كلِّ عنوان، وذلك يدلّ على كَوْن بغضه (عليه السلام) لذاته علامة النفاق.
وثالثاً: أنه لو فُرِض - جَدَلاً - الاضطرار للتأويل في الحديث الوارد في الأنصار فذلك لا يُبَرِّر التأويلَ في الأحاديث الواردة في أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بعد عدم المُلْزِم بتأويله، ولاسيما بعد ما سبق مِن تعذُّر التأويل المذكور فيه.
-[ 60 ]-

دعوى: تَدَيُّن النواصب وصِدْقهم بخلاف الروافض
الأمر الثاني: أنّ أكثر مَن يوصف بالنصب مشهور بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض، فإن غالبهم كاذب، ولا يتورع في الإخبار.
(وجوابه): هذا مِن ابن حجر محتمل لوجهين..
الوجه الأول: أنْ يكون قد سَاقَهُ في جملةِ القرائن على حَمْل الحديث على خلاف ظاهره بدعوى: أنّ عَدَم مطابقة ظاهر الحديث للواقع القائِم مُلْزِمٌ بالخروج عن ظاهره، وحمْلِه على ما سبق، حيث لا يمكن البناء على كوْن النواصب منافقين بعد ما هو المعلوم مِن أنهم أهل دين وعقيدة، ولا يكذبون في دعوى الإسلام، وإنْ كانوا مخطئين في عقيدتهم.

توضيح نفاق النواصب
فإنْ كان مرادُه ذلك فجوابه:
أنّ التدين الصحيح هو الذي يَبْتَنِي على الإيمان بجميع ما أنزل الله تعالى وافترضه، مع الاهتمام الصادق بالوصول له والتعرف عليه، وذلك بالتجرُّد مِن التراكمات والأهواء والعصبيات، والنظر في جميع الحجج التي أقامها الله تعالى، بموضوعية كاملة، مِن أجل الوصول للواقع على ما افترضه الله سبحانه ورضيه.
نظير ما إذا أُصِيب الإنسان الرشيد بمرض خطير، واهتم بالشفاء منه، حيث ينظر في سبل الشفاء، بجدية تامة، وموضوعية كاملة، ولا تتحكم العواطف والتعصب مِن أجْل الْتِزَام الطرق غير العقلائية في ذلك، إذ لا ريب في أنّ السلامة في الدِّين وتحرِّي رضا الله تعالى أهم مِن الشفاء والعافية في البدن.
وهذا لو تَمَّ لوَصَل الناسُ كلهم للحقيقة، لأنّ الله عزوجل قد
-[ 61 ]-
أوضحه، وأتم الحجة عليها ((وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ)) (1)، وقد سبق إيضاح ذلك في جواب السؤال السادس.
ولو فُرِض - جَدَلاً - خفاء بعض الحقائق التي هي المعيار في الإيمان والضلال، فلا ريب في وضوح بطلان عقيدة النصب بالنظر للأدلة الكثيرة، ولظروف ظهور هذه العقيدة، والأشخاص الذين رفعوها وروَّجوها، ودوافعها ومقارناتها، والطرق التي سلكوها لترويجها، وعمدتها المال والكذب، وغير ذلك مما يسهل التعرف عليه، خصوصاً في حق أهل العلم وحملة الحديث.
أمّا أنْ يهوى الإنسانُ شيئاً ويتعصّب له، ثم يؤمن بالدين بالمقدار الذي لا يضر بهواه، وبما يتعصب له، ويتجاهل ما عدا ذلك، بل يرفضه ويتعامى عن أدلته، ويتعمد اللجاجة والعناد فيها تكذيباً وتأويلاً، فهذا هو النفاق بعينه، إذ النفاق لا يَتَوقّف على عدم الإيمان بالدين أصلاً، بل يكفي فيه عدم إيمان الإنسان بما لا يعجبه مِن الدين، وإنْ آمَنَ بما لا يَضُرّ بهواه، أو بما ينفعه منه.
وبالمناسبة يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألتُ أبي عن عليّ ومعاوية. فقال: اعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء، ففتَّشَ له أعداؤه عيبًا، فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فَأَطْرَوْه كَيْداً منهم له" (2).
فإنّ هذا كالصريح في أنّ بغض أعداء أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الكثيرين له لا يبتني على حجّة تُصحِّح البغض، بل ولا ما يشبه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة الآية: 115.
(2) تاريخ الخلفاء: 199 في ترجمة معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) : فصل في نبذه وأخباره، واللفظ له. الصواعق المحرقة: 374 الباب الثامن في خلافة علي (كرم الله وجهه): الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه. فتح الباري 7: 104. تحفة الأحوذي 10: 231.
-[ 62 ]-
الحجة. وهل هذا إلا النفاق بعينه؟!
ومِن هنا لا يصلـح صدق اللهجة والتدين الظاهر في النواصب - لو تَمَّ - دليلاً على عدم نفاقهم، والـخروج بها عن مفاد الأحاديث الكثيرة التي جعلت أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) علماً للمسلمين، يفرق به بين الإيمان والنفاق، والحق والباطل، والهدى والضلال.
ومِن الطريف أنْ يُعْرِض حَمَلَةُ الحديث مِن النواصب عمّا وَرَد مستفيضًا، بل متواترًا، في حق أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) - ممّا يناسب كونه علماً فارقاً بين الحق والباطل - ثم يعلن بعضُهم بغضَه وسبَّه، محتجاً بأنه قتل آباءه أو أهله، ومع ذلك يحاول الآخرون الدفاع عنه بأنه صاحب دِينٍ وشُبْهَةٍ، لا يكون معها منافقًا. وأيّ نفاق أعظم مِن الإعراض عن الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب الانفعالات العاطفية نتيجة قتل الأحبة؟!
الوجه الثاني: أنْ يكون قد ساقه توجيهاً لما هو المهم في المقام، وافتتح به كلامه مِن تفريق الجمهور بين الشيعة والنواصب- مع غض النظر عمّا تضمن جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) علماً يعرف به المؤمن من المنافق- وهو حينئذٍ يرجع إلى أمرين:

الكلام في أنّ بغْض النواصب يبتني على الديانة
1 ـ أنّ بغْض النواصب لأمير المؤمنين (عليه السلام) يبتني على الديانة والاعتقاد الخاطئ، مِن دون تمرُّد وعناد.
لكن لم يُصَرِّح برأيه في التشيع والرفض. فإنْ كان يرى أنه ديانة أيضًا، لاعتماد الشيعة على أدلة يرون تماميتها وإنْ خالفهم هو في ذلك، فما الفرق إذاً بين النصب والتشيع، حتى وَثَّق الجمهورُ النواصبَ غالبًا، ووهَّنُوا
-[ 63 ]-
الشيعة مطلقًا؟
وإنْ كان يرى أنّ التشيع مِن الشيعة عناد متعمد، مِن دون شبهةِ دليل ولا تديُّن، فكفاه ذلك مكابرة وعناداً يقضي بالإعراض عن كلامه. إذ هل في شرع الإنصاف أن تعادل حجة النواصب بحجة الشيعة، أو تكون حجة النواصب أقوى مِن حجة الشيعة، فضلاً عن أن يكون النواصب أصحاب حجة ودين، والشيعة لا حجة لهم، ولا دين؟!
ومِن الطريف أنّ ابن حجر - كسائر الجمهور - يُصِرّ على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى شرعية خلافة مَن تقدم عليه، حتى عثمان، فإذا ادعى الشيعة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى عدم شرعية خلافتهم شدد ابن حجر في الإنكار عليهم، ورماهم بالعناد، وتعمد الشقاق، وعدم التدين، وأعرض عن روايتهم لذلك.
أما إذا ادعى النواصب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل عثمان أو مالأ عليه، فهو يخطؤهم، مِن دون أن يكونوا بنظره مشاقين معاندين، بل هم أهل دين معذورون، حقيقون بصدق اللهجة والتوثيق، وقبول الرواية!
وأطرف مِن ذلك أن يكون مِن الدين عند ابن حجر والجمهور موالاة رؤوس النواصب الذين ضللوهم وأوقعوهم في هذا الخطأ العظيم، وهم معاوية وعمرو بن العاص ومَن سار في فلكهم. وما عشت أراك الدهر عجبًا!

الكلام في أنّ أكثر مَن يُوصف بالنصب مشهورٌ بصدق اللهجة
2 ـ أنّ أكثر من يوصف بالنصب مشهور بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض، فإن غالبهم كاذب، لا يتورع في الإخبار.
(وجوابه): أما الأول فهو المناسب لما أشرنا إليه من موقف الجمهور مع النواصب،
-[ 64 ]-
حيث خلطوهم بأنفسهم، وأكثروا الثناء عليهم، ودافعوا عن مواقفهم، من دون فرق بين الرؤوس الذين دعوا الناس إلى ذلك وحملوهم عليه - كمعاوية، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، ونحوهم - والاتباع.
وأما الثاني فكم له مِن نظير في كلمات الجمهور، قال الذهبي عن التشيع المبني على الرفض: "فمَا أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم. فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا" (1).
وقال أيضاً: "قال أشهب: سئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: لم أر أشهد بالزور من الرافضة. وقال مؤمل بن اهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلا الرافضة، فإنهم يكذبون. وقال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعت شريكاً يقول: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه ديناً" (2).
وقال إبراهيم بن أبي شيبة: "لولا رجلان من الشيعة ما صح لهم حديث: عباد بن يعقوب، وإبراهيم بن محمد بن ميمون" (3).

السبب في تكذيب الجمهور للشيعة
ولا يلامون على ذلك بعد ما سبق منا في جواب السؤال الثالث، مِن إعراض الجمهور عن أهل البيت (عليهم السلام) وميلهم إلى أعدائهم، إذ مِن الطبيعي حينئذٍ أن تضيق صدورهم مما يرويه الشيعة من فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ومثالب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 1: 118 في ترجمة أبان بن تغلب.
(2) ميزان الاعتدال 1: 146 في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظهير الكوفي.
(3) تهذيب التهذيب 5: 95 في ترجمة عباد بن يعقوب الرواجني.
-[ 65 ]-
أعدائهم، ويقطعون عليهم بالكذب والافتراء، فالناس أعداء ما جهلوا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:46 pm

بعض الطرائف في تكذيب الجمهور للشيعة
ولهم في ذلك طرائف..
1 ـ فقد تقدم أن يحيى بن معين كذب أبا الأزهر أحمد بن الأزهر، لأنه روى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) : "أنت سيد في الدني، سيد في الآخرة...".

تكذيب الشخص لأنه يروي مثالب معاوية
2 ـ وقال الذهبي: "إبراهيم بن الحكم بن ظهير الكوفي شيعي جلد. له عن شريك. قال أبو حاتم: كذاب. روى في مثالب معاوية، فمزقنا ما كتبنا عنه" (1).
فانظر إلى أبي حاتم كيف كان يوثق إبراهيم بن الحكم حتى كتب عنه. لكنه لما روى مثالب معاوية قطع عليه بالكذب، فمزق ما كتب من حديثه. وكأن الضرورة قامت على أن معاوية خير لا شر فيه، حتى يقطع على من يروي مثالبه بالكذب! بينما تقدم قريباً عن أحمد بن حنبل في حق معاوية ما تقدم. بل أمره أظهر من ذلك.

حديث: "علمني ألف باب..."
3 ـ ويقول الذهبي أيضاً: "ابن حبان، حدثنا أبو يعلى، حدثنا كامل ابن طلحة، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبدالله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبدالله بن عمرو: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه: ادعوا لي أخي. فدعي له أبو بكر، فأعرض عنه. ثم قال: ادعو لي أخي، فدعي له عثمان، فأعرض عنه، ثم دعي له علي، فستره بثوبه، وأكب عليه. فلما خرج
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 1: 146 في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظهير الكوفي.
-[ 66 ]-
من عنده قيل له: ما قال؟ قال: علمني ألف باب، كل باب يفتح ألف باب.
هذا حديث منكر، كأنه موضوع" (1).
ثم قال بعد كلام طويل: "فأما قول أحمد بن عدي في الحديث الماضي - علمني ألف باب يفتح كل باب ألف باب -: فلعل البلاء فيه من ابن لهيعة، فإنه مفرط في التشيع. فما سمعنا بهذا عن ابن لهيعة، بل ولا علمت أنه غير مفرط في التشيع، ولا الرجل متهم بالوضع. بل لعله أدخل على كامل، فإنه شيخ محله الصدق، لعل بعض الرافضة أدخله في كتابه ولم يتفطن هو. فالله أعلم" (2).
فانظر إليهم كيف استنكروا الحديث، لأنه تضمن فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) زويت عن غيره. ولو انعكس الأمر لسارعوا للتصديق بها.
ثم لما لم يجد الذهبي مطعناً في سند الحديث ضاق صدره به، فبدلاً مِن أن يذعن له تشبث باحتمال أن يكون قد أقحم من قبل بعض الرافضة في كتاب كامل من دون أن يتفطن كامل لذلك. وهكذا يتشبث الغريق بالطحلب!
4 ـ وأطرف من ذلك قوله: "الحسن بن محمد بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن زين العابدين علي بن الشهيد الحسين العلوي - ابن أخي أبي طاهر النسابة - عن إسحاق الدبري. روى بقلة حياء عن الدبري عن عبدالرزاق بإسناد كالشمس: [علي خير البشر].
وعن الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن عبد الله الصامت عن أبي ذر مرفوعًا، قال:
[عليٌّ وذرّيتُه يختمون الأوصياء إلى يوم الدين].
فهذان دالان على كذبه، وعلى رفضه (عفا الله عنه).
وروى عنه ابن زرقويه وأبو علي بن شاذان.
وما العجب من افتراء هذا العلوي، بل العجب من الخطيب، فإنه
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) سير أعلام النبلاء 8: 24 في ترجمة عبدالله بن لهيعة.
-[ 67 ]-
قال في ترجمته: أخبرنا الحسن بن أبي طالب، حدثنا محمد بن إسحاق القطيعي... عن جابر مرفوعاً:
[عليٌّ خير البشر، فمَن أبى فقد كفر].
ثم قال: هذا حديث منكر. ما رواه سوى العلوي بهذا الإسناد، وليس بثابت.
قلت: فإنما يقول الحافظ: ليس بثابت في مثل خبر القلتين، وخبر: الخال وارث. لا في مثل هذا الباطل الجلي. نعوذ بالله من الخذلان. مات العلوي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ولولا أنه متهم لازدحم عليه المحدثون، فإنه معمر" (1).

حديث: "علي خير البشر..."
فانظر إليه كيف قطع بكذب الحديث الأول بهذا النحو الصارم، وكيف اعتبر الخطيب مخذولاً، لأنه لم يقطع بكذبه مثله، مع أنّ هذا المضمون قد روي بطرق أخر عن جماعة من الصحابة والتابعين (2)، ورفعه بعضهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 2: 272 ـ 273 في ترجمة الحسن بن محمد بن محمد بن يحيى.
(2) راجع الفردوس بمأثور الخطاب 3: 62، وسير أعلام النبلاء 8: 205 في ترجمة شريك بن عبدالله، وميزان الاعتدال 2: 214 في ترجمة الحر بن سعيد النخعي، و 3: 374 في ترجمة شريك بن عبدالله، و 4: 77 في ترجمة عبدالله بن جعفر التغلبي، والكامل في ضعفاء الرجال 4: 10 في ترجمة شريك بن عبدالله بن الحارث، والمغني في الضعفاء 1: 155 في ترجمة الحر ابن سعيد النخعي، والثقات 9: 281 في ترجمة يوسف بن عيسى المروزي، وتاريخ دمشق 42: 372،373،374 في ترجمة علي بن أبي طالب، كنز العمال 11: 625 حديث:33045، 33046، وينابيع المودة 2: 273.
(3) راجع الكامل في ضعفاء الرجال 4: 10 في ترجمة شريك بن عبدالله بن الحارث، والكشف الحثيث: 243 في ترجمة محمد بن علي بن عبدك الشيعي، ومن حديث خيثمة: 201، وتاريخ دمشق 42: 372،373 في ترجمة علي بن أبي طالب، والبداية والنهاية7: 359 أحداث سنة أربعين من الهجرة: شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والموضوعات لابن الجوزي 1: 348، وينابيع المودة 2: 78، 274.
-[ 68 ]-
وبعض المؤلفين مِن الجمهور يحاول ردَّه بضعف السند. وبعضهم يحاول تأويله وحمله على أنه خير البشر في زمانه حين بيعة الناس له (1)، أو خير البشر بعد الخلفاء الثلاثة الذين تقدموا عليه (2)... إلى غير ذلك مما لا يناسب القطع بوضعه.
مضافاً إلى أنه معتضد بكثير من الشواهد، مثل ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سيد المسلمين، أو المؤمنين (3)، وإمام المتقين (4)، وأنه أعظم الناس عند الله مزية (5).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "علي سيد العرب" (6).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الذهبي في ميزان الاعتدال 3: 374 في ترجمة شريك بن عبدالله، و: 396 في ترجمة صالـح بن أبي الأسود، وفي سير أعلام النبلاء 8: 205 في ترجمة شريك بن عبدالله.
(2) الفردوس بمأثور الخطاب 3: 62.
(3)، (4) تقدمت مصادرهما في جواب السؤال الرابع في 2: 184.
(5) حلية الأولياء 1: 66 في ترجمة علي بن أبي طالب. ذخائر العقبى: 83 ذكر أنه أقضى الأمة. شرح نهج البلاغة 9: 173. كنز العمال 11: 617 حديث:32994. شواهد التنزيل للحسكاني 2: 468. المناقب للخوارزمي: 111. ينابيع المودة 1: 197، 2: 174. تاريخ دمشق 42: 58،59،371 في ترجمة علي بن أبي طالب. ميزان الاعتدال 2: 23 في ترجمة بشر ابن إبراهيم الأنصاري. لسان الميزان 2: 19 في ترجمة بشر بن إبراهيم الأنصاري. الموضوعات لابن الجوزي 1: 343.
(6) المستدرك على الصحيحين 3: 133 وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وفي إسناده عمر بن الحسن وأرجو أنه صدوق ولولا ذلك لحكمت بصحته على شرط الشيخين وله شاهد من حديث عروة عن عائشة"،: 134 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه). مجمع الزوائد 9 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ـ: 116 باب في أفضليته (رضي الله عنه) ،: 131 باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه. المعجم الأوسط 2: 127. المعجم الكبير 3: 88 فيما رواه أبوليلى عن الحسن بن علي (رضي الله عنه). فيض القدير 3: 46. تاريخ دمشق 42: 304، 305، 306 في ترجمة علي بن أبي طالب. حلية الأولياء 1: 63 في ترجمة علي بن أبي طالب، 5: 38 في ترجمة أبي عبدالرحمن زبيد بن الحارث الأيامي. ميزان الاعتدال 5: 223 في ترجمة عمر بن الحسن الراسبي، 6: 430 في ترجمة المسيب بن عبدالرحمن. الكشف الحثيث: 194 في ترجمة عمر بن الحسن الراسبي. المغني في الضعفاء 2: 464 في ترجمة عمر ابن حسن الراسبي. تاريخ بغداد 11: 89 في ترجمة عبدالباقي بن أحمد بن عبدالله. العلل المتناهية 1: 216. كشف الخفاء 1: 561، 2: 93. وغيرها من المصادر.
-[ 69 ]-
وحديث الطائر المشوي الذي يأتي التعرض له قريبًا.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابنته الصديقة فاطمة (صلوات الله عليه):
"يا فاطمة أما ترضين أن الله عزوجل اطلع إلى أهل الأرض، فاختار رجلين أحدهما أبوك، والآخر بعلك" (1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "لو لم يُخْلَق عليٌّ ما كان لفاطمة كفؤ" (2)، وغير ذلك مما لا يسعنا استقصاؤه.
كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
"كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب" (3)
وقال: "قرأت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)" (4)... إلى غير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 140 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 112 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه في منزلته ومؤاخاته. المعجم الكبير 11: 93، 94 فيما رواه مجاهد عن ابن عباس. تاريخ دمشق 42: 130، 135، 136 في ترجمة علي بن أبي طالب. الكشف الحثيث: 215 في ترجمة محمد بن أحمد بن سفيان. ميزان الاعتدال 4: 346 في ترجمة عبدالرزاق بن همام. الكامل في ضعفاء الرجال 5: 313 في ترجمة عبدالرزاق بن همام،: 331 في ترجمة عبدالسلام بن صالح. تاريخ بغداد 4: 195،196 في ترجمة أحمد بن صالـح. العلل المتناهية 1: 223،224، 225. وغيرها من المصادر.
(2) ينابيع المودة 2: 67، واللفظ له،: 80، 244، 286.
(3) مجمع الزوائد 9: 116 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب في أفضليته (رضي الله عنه)، واللفظ له. فتح الباري 7: 58. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 604،646 فضائل علي (عليه السلام).
(4) مجمع الزوائد 9: 116 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب من أفضليته (رضي الله عنه)، واللفظ له. 9: 288 باب ما جاء في عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه). المعجم الأوسط 5: 101. المعجم الكبير 9: 76 من مناقب ابن مسعود.
-[ 70 ]-
وقد تقدم قبل قليل عن أحمد بن حنبل قوله: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب". وعن القاضي إسماعيل والنسائي وأبي علي وغيرهم: أنه لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجِيَاد - أو بالأحاديث الحسان - ما جاء في عليّ.

حديث: "عليٌّ وذرِّيَّتُه يَـخْتمُون الأوصياءَ إلى يوم القيامة"
وكذا الحال في الحديث الثاني، فإنّ وصية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن المشهورات في الحديث وفي ألْسِنَة الصحابة والتابعين، كما تقدم في جواب السؤال الرابع.
وإذا كان هو (عليه السلام) وصيّاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس عزيزاً أنْ تكون الوصية في ذريته مِن بعده، وبهم ختام الوصاية عن الأنبياء.
ولا تفسير - مع كل ذلك - لموقف الذهبي الشديد مِن الحديثين الشريفين، ومِن الشريف العلوي الراوي لهما، إلا التعصب.

حديث: "النظر إلى وجه علي (عليه السلام) عبادة"
5 ـ ومثله في ذلك قول ابن حبان: "الحسن بن علي بن زكريا أبو سعيد العدوي، من أهل البصرة، سكن بغداد. يروي عن شيوخ لم يرهم، ويضع على من رآهم الحديث. كان ببغداد في أحياء أيامنا، فأردت السماع منه للاختبار، فأخذت جزءاً من حديثه، فرأيته حدث عن أبي الربيع الزهراني ومحمد بن عبد بن الأعلى الصنعاني. قالا: ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : النظر إلى وجه علي (عليه السلام) عبادة.
وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع. ما روى
-[ 71 ]-
الصديق هذا الخبر قط، ولا الصديقة روته، ولا عروة حدث به، ولا الزهري ذكره، ولا معمر قاله. فمَن وضع مثل هذا على الزهراني والصنعاني - وهما متقنا أهل البصرة - لبالحري أن يهجر في الروايات.

حديث الأمْر بفَرْض الأولاد على حبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)
وروى عن أحمد بن عبدة الضبي، عن ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نفرض أولادنا على حبِّ علي بن أبي طالب.
وهذا أيضاً باطل، ما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا مطلقًا، ولا جابر قاله، ولا أبو الزبير ولا ابن عيينة حدث به، ولا أحمد بن عبدة ذكر بهذا الإسناد. فالمستمع لا يشك أنه موضوع. فلم أذهب إلى هذا الشيخ، ولا سمعت منه شيئًا..." (1).
وقد يكون له وجهة نظره في ضعف سند الحديثين، أما القطع عليهما بالوضْع فلا يتضح لنا سبب له غير النصب. ولاسيما وأنّ الحديث الأول روي بأسانيد متعددة (2)، ويناسبه أحاديث أخر (3)، أما الحديث الثاني فقد ورد ما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المجروحين 1: 241 في ترجمة الحسن بن علي بن زكري.
(2) راجع المستدرك على الصحيحين 3: 152 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، والمعجم الكبير 10: 76 باب من روى عن بن مسعود أنه لم يكن مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن، وتاريخ دمشق 40: 9 في ترجمة عثمان بن عمرو بن عبدالرحمن بن الربيع، و 42: 350، 351، 352، 353، 355 في ترجمة علي بن أبي طالب، والفردوس بماثور الخطاب 4: 294، وحلية الأولياء 5: 58 في ترجمة سليمان بن مهران الأعمش، وميزان الاعتدال 6: 73 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن موسى بن هارون، و: 445 في ترجمة مطر بن ميمون، و 7: 60 في ترجمة هارون بن حاتم الكوفي، و: 211 في ترجمة يحيى بن عيسى الرملي، ولسان الميزان 5: 80 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن موسى،و 6: 177 في ترجمة هارون بن حاتم الكوفي، والكامل في ضعفاء الرجال 7: 218 في ترجمة يحيى بن عيسى، والكشف الحثيث: 219في ترجمة محمد بن إسماعيل بن موسى، و: 270 في ترجمة هارون ابن حاتم الكوفي، وكشف الخفاء 2: 421، وغيرها من المصادر.
(3) تاريخ دمشق 58: 369 في ترجمة مطيع بن إياس بن أبي مسلم. الفردوس بمأثور الخطاب 2: 244. تاريخ بغداد 12: 351 في ترجمة الفضل بن دكين.
-[ 72 ]-
يشبهه في أحاديث أخر (1)، ويناسبه ما استفاض بل تواتر في حبه وبغضه (عليه السلام).

حديث الطائر المشوي
6 ـ وحديث الطير المشهور الذي صحَّحه جمعٌ مِن الحفاظ المتضمن أنه أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طائر مشوي، فدعا الله تعالى أن يؤتيه بأحبّ خَلْقِه إليه يأكله معه، فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) مرتين، فرده أنس خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رجاءَ أن يأتي رجل من قومه من الأنصار، فينال هذه الفضيلة، وفي الثالثة أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفتح له الباب، فدخل (عليه السلام) وأكل معه (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق 42: 287،288 في ترجمة علي بن أبي طالب. النهاية في غريب الحديث 1: 161 في مادة (بور). لسان العرب 4: 87 في مادة (بور).
(2) راجع المستدرك على الصحيحين 3 كتاب معرفة الصحابة ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه) ـ: 142، و: 141 قال بعد ذكر الحديث: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة وفي حديث ثابت البناني عن أنس زيادة ألفاظ))، وتاريخ دمشق 42: 247، 248، 249،250، 251،252، 253، 254، 255، 256، 257، 258، 259 في ترجمة علي بن أبي طالب، و 45: 84 في ترجمة عمر بن صالـح بن عثمان، و 51: 59 في ترجمة محمد بن أحمد بن الطيب، وغيره، ومجمع الزوائد 9: 125،126 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب في من يحبه أيضاً ويبغضه أو يسبه، والمعجم الأوسط 2: 207، و 6: 336، والمعجم الكبير 1: 253 ومما أسند أنس بن مالك (رضي الله عنه) وغيرها من المصادر الكثيرة.
وروي مختصراً في سنن الترمذي 5: 636 كتاب كتاب المناقب:في باب لم يعنونه بعد باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، والسنن الكبرى للنسائي 5: 107 كتاب الخصائص: ذكر خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : ذكر منزلة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) من الله عز وجل، ومسند أبي حنيفة: 234، ومسند البزار 9: 287 فيما أسند سفينة عن النبي، والمعجم الكبير 7: 82 فيما رواه ثابت البجلي عن سفينة، 10: 282 فيما رواه علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، والتاريخ الكبير 2: 2 في ترجمة أحمد بن يزيد ابن إبراهيم، وغيرها من المصادر الكثيرة.
-[ 73 ]-
هذا الحديث يقول عنه الذهبي: "وحديث الطير - على ضعفه - فله طرق جمّة، وقد أفردتُها في جُزْء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه" (1).
ويقول ابن كثير: "وبالجملة: ففي القلب مِن صحة الحديث هذا نظر، وإنْ كثرت طُرُقه" (2).
وما أدري هل يقفان هذا الموقف منه لو ورد بهذه الطرق في حق غير أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مِن الأولين؟!
أما عبد الله بن أبي داود - الذي سبق عند الكلام في طعن الأقران بعضهم في بعض بهوى، أنه أنكر حديث الغدير - فقد أغرق في ردّ حديث الطير، حيث قال: "إنْ صحّ حديث الطير فنبوّةُ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باطلة، لأنه حكى عن حاجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خيانة، وحاجب النبي لا يكون خائناً" (3).
وقد ردّ الذهبي على هذه العبارة بشدة، حيث قال:
"هذه عبارة رديئة، وكلام نحس، بل نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حقٌّ قطعي، إنْ صح حديث الطير وإنْ لم يصح، وما وجه الارتباط؟!..."
ثم استطرد ببيان هفوات بعض الصحابة.
لكنه حاول التخفيف مِن جناية ابن أبي داود، بل مدحه، حيث قال: "وقد أخطأ ابن أبي داود في عبارته وقوله. وله على خطئه أجر واحد. وليس مِن شرط الثقة أن لا يخطئ، ولا يغلط، ولا يسهو. والرجل من كبار علماء الإسلام، ومن أوثق الحفاظ. (رحمه الله تعالى)ـ" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 233 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
(2) البداية والنهاية 7: 354 في أحداث سنة أربعين من الهجرة: حديث الطير.
(3) الكامل في ضعفاء الرجال 4: 266 في ترجمة عبدالله بن سليمان بن الأشعث، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 13: 232 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
(4) سير أعلام النبلاء 13: 233 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
-[ 74 ]-
مع أنه هو الذي سبق مِن الذهبي نفسه - عند الكلام في طعن الأقران بعضهم ببعض بهوى - أن حكى طعْنَ جماعة فيه، منهم أبوه، وأنه قال: "ابني عبدالله كذاب".
فراجع.
والحديث في ذلك طويل. وعلى هذه فقس ما سواها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:51 pm

طرائف في تصديق الجمهور للنواصب وثناءهم عليهم
كما أنّ لهم طرائف أيضاً في تصديق النواصب، والثناء عليهم، بما يناسب ما سبق مِن ابن حجر وغيره من التأكيد على صدق لهجتهم..

الجوزجاني
1 ـ فقد تقدم من ابن حبان عدّ الجوزجاني - الذي هو من رجال الجرح والتعديل عندهم - في الثقات، ومدحه بصلابته في السنة، إلا أنه مِن صلابته ربما يتعدى طوره. كما تقدم من ابن حجر الإنكار عليه في طعونه في جماعة من الناس.

المصعبي
2 ـ والمصعبي أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب المروزي ذكره الذهبي، ومدحه وأطراه، ثم قال:
"قال الدارقطني كان حافظاً عذب اللسان مجرداً في السنة، والرد على المبتدعة. لكنه يضع الحديث.
وقال ابن حبان: وكان ممّن يَضَع المتون، ويقلب الأسانيد. لعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث، كتبت منها أكثر من ثلاثة آلاف. وفي الآخر ادعى شيوخاً لم يرهم. سألته عن أقدم شيخ له، فقال: أحمد بن سيار. ثم حدث عن علي بن خشرم، فسيرت أنكر عليه، فكتب يعتذر إليّ. على أنه مِن أصلب أهل زمانه في السنة، وأبصرهم بها، وأذبهم لحريمها، وأقمعهم لمَن خالفها. نسأل الله الستر" (1).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الحفاظ 3: 803 ـ 804 في ترجمة المصعبي الحافظ الأوحد أبي بشير أحمد بن محمد بن عمرو.
-[ 75 ]-
حريز بن عثمان الحمصي
3 ـ وحريز بن عثمان الحمصي الذي صرحوا بنصبه (1) ولعنه (2) لأمير المؤمنين (عليه السلام) وسبه (3)، وأنه كان يقول:
لا أحب عليًّا، قتل آبائي (4).
وقيل ليحيى بن صالـح: لِمَ لَمْ تكتب عن حريز؟
فقال: كيف أكتب عن رجل صليتُ معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج مِن المسجد حتى يلعن عليّاً سبعين مرة (5).
وقال ابن حبان: "وكان يلعن علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه) بالغداة سبعين مرة، وبالعشي سبعين مرة، فقيل له في ذلك، فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي" (6).
وهذا الرجل مع كل ذلك روى عنه البخاري (7). وقال ابن حجر: "وقال أحمد، وقد ذكر له حريز وأبو بكر بن أبي مريم وصفوان، فقال: ليس
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: 82 في ترجمة حريز بن عثمان. الكاشف 1: 319 في ترجمة حريز بن عثمان.
(2) تاريخ دمشق 12: 348 في ترجمة حريز بن عثمان.
(3) الضعفاء للعقيلي 1: 321 في ترجمة حريز بن عثمان. المجروحين 1: 268 في ترجمة حريز بن عثمان. تهذيب الكمال 5: 576 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ بغداد 8: 267 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ دمشق 12: 348 في ترجمة حريز بن عثمان. الأنساب للسمعاني 3: 51 في ترجمة الرحبي.
(4) تهذيب الكمال 5: 575 في ترجمة حريز بن عثمان. سير أعلام النبلاء 7: 81 في ترجمة حريزبن عثمان. ميزان الاعتدال 2: 219 في ترجمة حريز بن عثمان. تهذيب التهذيب 2: 209 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ بغداد 8: 267 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ دمشق 12: 348 في ترجمة حريز بن عثمان.
(5) تهذيب التهذيب 2: 209 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ دمشق 12: 349 في ترجمة حريزبن عثمان.
(6) المجروحين 1: 268 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. تهذيب التهذيب 2: 209 في ترجمة حريز بن عثمان.
(7) صحيح البخاري 3: 1302 كتاب المناقب: باب صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
-[ 76 ]-
فيهم مثل حريز. ليس أثبت منه... وقال إبراهيم ابن الجنيد عن ابن معين: حريز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وابن أبي مريم، هؤلاء ثقات.
وقال ابن المديني: لم يزل مَن أدركناه من أصحابنا يوثقونه.
وقال دحيم: حمصي جيد الإسناد، صحيح الحديث. وقال أيضاً: ثقة. وقال المفضل بن غسان: ثبت..." (1).
وعن معاذ بن معاذ: "حدثنا حريز بن عثمان، ولا أعلم أني رأيت بالشام أحداً أفضّله عليه" (2).
وقال ابن عدي: "كان من ثقات الشاميين، وإنما وُضِع منه بغضه لعليٍّ" (3).
وعن أحمد:"حريز صحيح الحديث، إلا أنه يحمل على عليٍّ" (4).
وعن عمرو بن علي أنه: "كان ينتقص عليّاً وينال منه، وكان حافظاً لحديثه" (5). وفي كلام له آخر قال: "ثبت، شديد التحامل على علي" (6).
وقال ابن عمار: "يتهمونه أنه كان ينتقص عليًّا، ويروون عنه، ويحتجون به، ولا يتركونه" (7)... إلى غير ذلك مما قيل في حقه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان.
(2) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. تهذيب الكمال 5: 572 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ بغداد 8: 268 في ترجمة حريز بن عثمان. الكامل في ضعفاء الرجال 2: 451 في ترجمة حريز بن عثمان.
(3) فتح الباري 1: 396.
(4) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 197 في ترجمة حريز بن عثمان. الكامل في ضعفاء الرجال 2: 451 في ترجمة حريز ابن عثمان. تهذيب الكمال 5: 572 في ترجمة حريز بن عثمان.
(5) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان.
(6) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان.
(7) تهذيب التهذيب 2: 208 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. تهذيب الكمال 5: 575 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ بغداد 8: 266 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ دمشق 12: 347 في ترجمة حريز بن عثمان.
-[ 77 ]-
أما صدْق لهجته فقد روي عن إسماعيل بن عياش أنه قال: "سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. حق، ولكن أخطأ السامع. قلت: فما هو؟ فقال: إنما هو: أنت مني بمنزلة قارون من موسى. قلت: عمن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله، وهو على المنبر" (1).
وحكى الأزدي في الضعفاء: "أن حريز بن عثمان روى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحل حزام البغلة، ليقع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2).
وعن الجوهري في كتاب السقيفة بسنده عن محفوظ قال: "قلت ليحيى بن صالح الوحاظي: قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز، فما بالك لم تحمل عن حريز؟ قال: إني أتيته فناولني كتاب، فإذا فيه: حدثني فلان عن فلان... أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما حضرته الوفاة أوصى أن تقطع يد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فرددت الكتاب، ولم استحل أن أكتب عنه شيئاً" (3)!!

الفأفاء الذي كان ينشد الشعر في هجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
4 ـ وخالد بن سلمة بن العاص بن هشام المخزومي، المعروف بالفأفاء، قال ابن حجر: "قال أحمد وابن معين وابن المديني: ثقة. وكذا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 2: 209 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. تهذيب الكمال 5: 577 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ بغداد 8: 268 في ترجمة حريز بن عثمان. تاريخ دمشق 12: 349 في ترجمة حريز بن عثمان. التطريف في التصحيف: 44.
(2) تهذيب التهذيب 2: 209 في ترجمة حريز بن عثمان، واللفظ له. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 197 في ترجمة حريز بن عثمان الرحبي. النصائح الكافية: 117. ورواه في شرح نهج البلاعة بتصحيف 4: 70.
(3) شرح نهج البلاغة 4: 70.
-[ 78 ]-
قال ابن عمار ويعقوب بن شيبة والنسائي. ذكره ابن حبان في الثقات... وقال محمد بن حميد، عن جرير: كان الفأفاء رأساً في المرجئة. وكان يبغض عليّ... وذكر ابن عائشة أنه كان ينشد بني مروان الأشعار التي هجي بها المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1).

عكرمة مولى ابن عباس المشهور بالكذب
5 ـ وعكرمة مولى ابن عباس أثنى عليه ابن حجر ثناءً كثيراً وأطراه، وقال: "وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديثًا واحدًا في الحج مقروناً بسعيد بن جبير، وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه. وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك. وصنفوا في الذب عن عكرمة... فأما أقوال مَن وهّاه فمدارُها على ثلاثة أشياء: على رمْيه بالكذب، وعلى الطعن فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج، وعلى القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز الأمراء... فالوجه الأول فيه أقوال، فأشدُّها ما روي عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكذا ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال ذلك لبرد مولاه... وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله ابن عباس وعكرمة مقيد عنده، فقلت: ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي" (2).
وروي عن ابن سيرين أنه قال فيه لما سئل عنه: "ما يسؤني أن يدخل الجنة، ولكنه كذاب" (3).
وكذَّبَه عطاء أيضاً (4). وكذا يحيى بن سعيد الأنصاري (5). وسعيد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 3: 83 في ترجمة خالد بن سلمة بن العاص.
(2) مقدمة فتح الباري 1: 425 ـ 426.
(3) مقدمة فتح الباري 1: 426.
(4)، (5) مقدمة فتح الباري 1: 426. تهذيب التهذيب 7: 238 في ترجمة عكرمة البربري.
-[ 79 ]-
ابن جبير (1).
وقال عثمان بن مرة: "قلت للقاسم: إن عكرمة قال كذا. قال يا ابن أخي إن عكرمة كذاب، يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية" (2).
وقال ابن حجر: "وقال ابن علية: ذكره أيوب، فقال: كان قليل العقل" (3). وذكر أن جنازته وجنازة كثير عزة اتفقتا عند باب المسجد بالمدينة، فشهد الناس جنازة كثير، وتركوا عكرمة، فما شهده إلا السودان (4).
وقال ابن حجر أيضاً: "ونقل الإسماعيلي في المدخل أن عكرمة ذكر عند أيوب مِن أنه لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: وكان يصلي؟!..." (5).
ومع كل ذلك حاول ابن حجر الدفاع عنه وتصحيح حديثه (6).

خالد بن عبد الله القسري الخبيث الزنديق
6 ـ خالد بن عبد الله القسري - عامل بني أمية والمخنث (7)، الذي عرفت أسرته بالكذب (8) - ذكره ابن حبان في الثقات (9).
وقال عنه الذهبي: صدوق (10). وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وحبيب بن أبي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 7: 238 في ترجمة عكرمة البربري.
(2) مقدمة فتح الباري 1: 426.
(3) تهذيب التهذيب 7: 238 في ترجمة عكرمة البربري.
(4)، (5) تهذيب التهذيب 7: 240 في ترجمة عكرمة البربري.
(6) تهذيب التهذيب 7: 234 ـ 241 في ترجمة عكرمة البربري. مقدمة فتح الباري 1: 426.
(7) الأغاني 22: 11 في أخبار خالد بن عبدالله: تخنثه في حداثته.
(8) الأغاني 22: 18 في أخبار خالد بن عبدالله: عرفت أسرته بالكذب.
(9) 6: 256 في ترجمة خالد بن عبدالله القسري.
(10) ميزان الاعتدال 2: 415 في ترجمة خالد بن عبدالله القسري. المغني في الضعفاء 1: 203 في ترجمة خالد بن عبدالله القسري.
-[ 80 ]-
حبيب الجرمي وحميد الطويل وإسماعيل بن أوسط بن إسماعيل البجلي وغيرهم (1). وأخرج له البخاري وأبو داود (2).
وعن يحيى الحماني أنه قال: "قيل لسيار: تروي عن خالد! قال: إنه كان أشرف من أن يكذب" (3).
وقد بلغ مِن نصبه أنه لما كان أمير العراق كان يلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيقول: "اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله على ابنته، وأبا الحسن والحسين"، ثم يقبل على الناس فيقول: "هل كنَّيْتُ؟" (4).
واتخذ خالد طستاً في مسجد الكوفة ميضأة، وحفر لها قناة من الفرات، ثم أخذ بيد أسقف النصارى يمشي به في المسجد، حتى وقف على الطست، ثم قال للأسف [للأسقف.ظ]: ادع لنا بالبركة، فوالله لدعاؤك أرجى عندي من دعاء علي بن أبي طالب (5).
وأتى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان خالداً يستمنحه، فلم ير منه ما يحب، فقال: أما المنافع فللهاشميين، وأما نحن فما حبوتنا إلا شتمه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 3: 87 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
(2) راجع تهذيب التهذيب 3: 87 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد، والمغني في الضعفاء 1: 203 في ترجمة خالد بن عبدالله القسري.
(3) تهذيب التهذيب 3: 88 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد بن أسد القسري، واللفظ له. الجرح والتعديل 3: 340 في ترجمة خالد بن عبدالله القسري. سير أعلام النبلاء 5: 426 في ترجمة القسري. بغية الطلب في تاريخ حلب 7: 3072 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد. تاريخ دمشق 16: 138 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
(4) شرح نهج البلاغة 4: 57 نقلاً عن الكامل للمبرد، واللفظ له. ورواه البلاذري بسنده في أنساب الأشراف 9: 59 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام. وذكر مثله في الأغاني 22: 25 في أخبار خالد بن عبدالله: كرهه لعلي بن أبي طالب.
(5) أنساب الأشراف 9: 63 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
-[ 81 ]-
عليّاً على منبره. فبلغ ذلك خالد، فقال: إنْ أحب تناولنا له عثمان بشيء (1).
وقال أبو الفرج الأصفهاني: "وقال: المدائني في خبره: وأخبرني ابن شهاب بن عبد الله، قال: قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب... واكتب لي السيرة، فقلت له: فإنه يمر بي الشيء مِن سير علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، فأذكره؟
فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم" (2).
ودخل عليه فراس بن جعدة بن هبيرة وبين يديه نبق، فقال له: العن علي بن أبي طالب، ولك بكل نبقة دينار، ففعل فأعطاه بكل نبقة ديناراً (3). وكان له عامل يقال له خالد بن أمي، وكان يقول: لخالد بن أمي أفضل أمانة من علي بن أبي طالب (4).
ورأى يوماً عكرمة مولى ابن عباس، وعلى رأسه عمامة سوداء، فقال: إنه بلغني أن هذا العبد كان يشبه علي بن أبي طالب. وأني لأرجو أن يسود الله وجهه، كما سود وجه ذاك (5).
وبلغ من استهتاره ما ذكر عن نافع مولى بني مخزوم، قال: "سمعت خالد بن عبد الله يقول على منبر مكة، وهو يخطب: أيها الناس، أيهما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحاً ماءاً أجاجًا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً" (6).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 9: 89 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
(2) الأغاني 22: 21 في أخبار خالد بن عبدالله: أعشى همدان يهجوه ويهجو أمه.
(3)، (4) الأغاني 22: 22 في أخبار خالد بن عبدالله: أخبار عن زندقته.
(5) الأغاني 22: 24 في أخبار خالد بن عبدالله: كرهه لعلي بن أبي طالب.
(6) تاريخ الطبري 3: 678 في أحداث سنة تسع وثمانين، واللفظ له. أخبار مكة 3: 60 ذكر منبر مكة وأول من جعله وكيف كانوا يخطبون بمكة قبل أن يتخذ المنبر ومن خطب عليه. جمهرة خطب العرب 22: 322 خطب خالد بن عبدالله القسري. البداية والنهاية 9: 76 في أحداث سنة ثمان وثمانين. البدء والتاريخ 6: 41 بعد ذكر موت الحجاج. الكامل في التاريخ 4: 250 في أحداث سنة تسع وثمانين: ذكر ولاية خالد بن عبدالله القسري مكة. الأغاني 22: 24 في أخبار خالد بن عبدالله: تطاوله على الخلافة والنبوة. ومثله في أنساب الأشراف 9: 58 في أمر خالد ابن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام، إلا أنه بدل إبراهيم إسماعيل.
-[ 82 ]-
وروي أن خالداً كان يقول: "زمزم لا تنزح ولا تذم. بلى والله إنها لتنزح وتذم. هذا أمير المؤمنين قد ساق لكم قناة بمكة من حالها وحالها" (1). وكان يسمي زمزم أم الجعلان (2)، وساق خالد الماء إلى مكة، فنصب طستاً إلى جانب زمزم، ثم خطب فقال: "قد جئتكم بماء الغادية لا يشبه ماء أم الخنافس،يعني: زمزم" (3).
وكان يقول: والله لأمير المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه (4).
وقال: أيما أكرم عندكم على الرجل رسوله في حاجته، أو خليفته في أهله!. يُعَرِّض بأنّ هشاماً خيرٌ مِن النبي (5).
وأمر خالد ببناء بيعة لأمه، فكلم في ذلك فقال: نعم يبنونها. فلعنهم الله إن كان دينها شراً مِن دينكم (6).
واتخذ كنيسة لأمه في قصر الإمارة، وكانت امتنعت من القدوم عليه. فلم يزل بها حتى قدمت الكوفة، وأمر
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 9: 58 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام، واللفظ له. بغية الطلب في تاريخ حلب 7: 3085 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد. سير أعلام النبلاء 5: 429 في ترجمة القسري. تاريخ دمشق 16: 160 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
(2) الأغاني 22: 22 في أخبار خالد بن عبدالله: أخبار عن زندقته.
(3) أنساب الأشراف 9: 58 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام، واللفظ له. بغية الطلب في تاريخ حلب 7: 3085 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد. سير أعلام النبلاء 5: 429 في ترجمة القسري. تاريخ دمشق 16: 161 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
(4) الأغاني 22: 23 في أخبار خالد بن عبدالله: تطاوله على الخلافة والنبوة.
(5) الأغاني 22: 24 في أخبار خالد بن عبدالله: تطاوله على الخلافة والنبوة.
(6) أنساب الأشراف 9: 60 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
-[ 83 ]-
المؤذنين أن لا يؤذنوا حتى يضرب النصارى بنواقيسهم (1).
وقال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: "لما بنى خالد البيعة بالكوفة لأمه كتب نصارى البصرة إلى من كلم أمه، فكتبت إليه أن يبني لهم بالبصرة بيعة، فكتب إلى بلال يأمره ببنائها. فكتب بلال: إن أهل البصرة لا يقارّوني على ذلك. فكتب إليه: ابنها لهم، فلعنة الله عليهم إن كانوا شراً منهم دينًا.
فبنى بيعة في اللبادين، فقال الفرزدق:
بنى بيعة فيها الصليب لأمه *** وتهدم للبيعات فينا المساجد (2)
ويقول البلاذري: "حدثني أبو مسعود الكوفي قال: بنى خالد لأمه بيعة هي اليوم بسكة البريد بالكوفة، وكانت أمه نصرانية، فقال الفرزدق:
لعمري لئن كانت بجيلة زانها *** جرير لقد أخزى بجيلة خالـد
بنى بيعة فيها الصليب لأمـه *** ولم تبن فينا إذ بناها المساجد
ويروى: وتهدم للبيعات فينا المساجد" (3).
وخطب أخو خالد إسماعيل بن عبد الله عند أبي العباس السفاح - ويقال: عند أبي الجهم بن عطية أحد رجال الدولة - فذم عمال بني أمية، والحجاج، وبني هبيرة، ويوسف بن عمر، ولم يذكر خالدًا. فقام بعض من حضر فقال: جزاك الله من خطيب خيرًا، ذكرت أهل بيت اللعنة وعمالهم، وأحسنت في ذمهم، إلا أنك تركت خالدًا، وهو ابن زوينية، اجتمع في بطن أمه الخمر ولحم الخنزير، وسلط أهل الذمة على المسلمات، فعلقوهن بثديهن، وبنى البيع غير متحرج ولا مرتاب. وقال ابن نوفل:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 9: 63 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام. وقريب منه في الأغاني 22: 21 في أخبار خالد بن عبدالله: أعشى همدان يهجوه ويهجو أمه.
(2) أنساب الأشراف 9: 63ـ64 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
(3) أنساب الأشراف 9: 65 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
-[ 84 ]-
عليك أمير المؤمنين بخالد
بنى بيعة فيها الصليب لأمه
وعماله إن كنت تطلب خالدًا
وخرب من بعد الصلاة المساجدا (1)
وذكر المبرد أيضاً أنه كان يهدم المساجد ويبني الكنائس (2).
وذكر البلاذري عن عمر بن قيس أنه سمع خالداً يقول حين أخذ سعيد بن جبير وطلق ابن حبيب بمكة: "كأنكم أنكرتم ما صنعت. والله لو كتب إليّ أمير المؤمنين أن أنقضها حجراً حجر، لفعلت - يعني: الكعبة -" (3).
وقال المدائني: "كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين نقضت الكعبة حجراً حجرًا، ونقلتها إلى الشام" (4).
وقال البلاذري: "وكلم في عامل له ضرب رجلاً، وسئل أن يقتص منه، فقال: اقتص مِن العامل؟! فوالله لئن اقتصصت منه لأقصّ من نفسي، ولئن اقتصصت من نفسي ليقصن أمير المؤمنين من نفسه، ولئن أقص أمير المؤمنين من نفسه ليقصن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نفسه، ولئن أقص رسول الله من نفسه ليقصن هاه هاه (يريده تبارك وتعالى)" (5).
فكيف يؤمن الكذب مِن مثله ويكون مِن الثقات؟!
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 9: 89ـ90 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام.
(2) الكامل في اللغة والأدب والنحو والتصريف 3: 812 هجاء الفرزدق لخالد بن عبدالله القسري ومدحه لعمر بن هبيرة.
(3) أنساب الأشراف 9: 59 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام، واللفظ له. بغية الطلب في تاريخ حلب 7: 3085 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد. سير أعلام النبلاء 5: 429 في ترجمة القسري. وقريب منه في الأغاني 22: 23 في أخبار خالد ابن عبدالله: تطاوله على الخلافة والنبوة، والمتوارين 1: 60 تواري سعيد بن جبير من الحجاج وفراره منه إلى أن ظفر به، وتاريخ دمشق 16: 161 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
(4) الأغاني 22: 22 في أخبار خالد بن عبدالله: أخبار عن زندقته.
(5) أنساب الأشراف 9: 60 في أمر خالد بن عبدالله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام هشام. ومثله في الأغاني 22: 20 في أخبار خالد بن عبدالله: بنو أسد يتبرؤون منه، وبغية الطلب في تاريخ حلب 7: 3086 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد، وسير أعلام النبلاء 5: 429 في ترجمة القسري، وتاريخ دمشق 16: 161 في ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد.
-[ 85 ]-

أبو بكر عبد الله بن أبي داود
7 ـ أبو بكر عبد الله بن أبي داود، الذي قال فيه الذهبي: "الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد أبو بكر السجستاني صاحب التصانيف" (1).
كما تقدم منه عند الكلام في حديث الطير أنه قال في حقه: "والرجل فمن كبار علماء الإسلام، ومن أوثق الحفاظ".
وقال أيضاً "وقد ذكره أبو أحمد بن عدي في كامله، وقال: لولا أنا شرطنا أن كل من تكلم فيه ذكرناه لما ذكرت ابن أبي داود" (2).
هذا الرجل قد رمي بالنصب، ويشهد له ما تقدم في حديث الطير من تعقيبه الفظيع على الحديث المذكور. وما تقدم عند الكلام في طعن الأقران بعضهم في بعض من أنه قد أنكر حديث الغدير المتواتر المشهور.
وكذا ما رواه في حق أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) من الخبر الفظيع، فقد قال ابن عدي: "سمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم النبيل يقول:أشهد على محمدبن يحيى بن مندة بين يدي الله أنه قال لي: أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال لي: روى الزهري عن عروة، قال: كانت قد حفيت أظافير علي من كثرة ما كان يتسلق على أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 221 ـ 222 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
(2) المصدر السابق 13: 227 ـ 228 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
(3) الكامل في ضعفاء الرجال 4: 266 في ترجمة عبدالله بن سليمان بن الأشعث. ونقلها عنه كل من ابن النجار البغدادي في المستفاد من ذيل تاريخ بغداد 2: 116. وكذلك نقلها كل من الذهبي في ميزان الاعتدال 4: 113 ـ 114 في ترجمة عبدالله بن سليمان بن الأشعث، وفي تذكرة الحفاظ 2: 771 في ترجمة ابن أبي داود الحافظ، وفي سير أعلام النبلاء 13: 229 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث، وابن حجر في لسان الميزان 3: 294 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، ولكن فيها بدل (علي) (فلان).
-[ 86 ]-
يقول الذهبي بعد أن نقل ذلك عن ابن عدي: "وابن أبي داود إن كان حكى هذا فهو خفيف الرأس، فلقد بقي بينه وبين ضرب العنق شبر، لكونه تفوَّه بمثل هذا البهتان، فقام معه وشد منه رئيس أصبهان محمد بن عبد الله بن حفص الهمداني الذكواني، وخلصه من أبي ليلى أمير أصبهان، وكان انتدب له بعض العلوية خصمًا، ونسب إلى أبي بكر المقالة. وأقام عليه الشهادة محمد بن يحيى بن مندة الحافظ، ومحمد بن العباس الأخرم، وأحمد بن علي بن الجارود. واشتد الخطب، وأمر أبو ليلى بقتله، فوثب الذكواني، وجرح الشهود مع جلالتهم... وكان الهمداني الذكواني كبير الشأن، فقام وأخذ بيد أبي بكر، وخرج به من الموت..." (1).
أما وثاقته وحفظه وجلالته التي يصر عليها ابن عدي والذهبي، فيكفي فيها مواقفه هذه من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما سبق عند الكلام في طعن الأقران بعضهم في بعض عن أبيه من أنه كان يقول: "ابني عبد الله كذاب"، حتى قال ابن صاعد الذي يوثقه الذهبي أيضاً: "كفانا ما قال فيه أبوه".
وقال أبوه أيضاً: "من البلاء أن عبد الله يطلب القضاء" (2).
وقال إبراهيم بن أرومة الأصبهاني: "أبو بكر بن أبي داود كذاب" (3).
وقال ابن عدي: "سمعت أبا القاسم البغوي وقد كتب إليه أبو بكر ابن أبي داود رقعة يسأله عن لفظ حديث لجده. فلما قرأ الرقعة قال: أنت عندي والله منسلخ من العلم" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 229 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
(2)، (3)، (4) سير أعلام النبلاء 13: 228 في ترجمة أبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث.
-[ 87 ]-
ومع كل ذلك فقد حاول الذهبي الدفاع عنه كما تقدم عند الكلام في طعن الأقران بعضهم في بعض. فراجع.

عبد المغيث بن زهير
8 ـ عبد المغيث بن زهير بن زهير بن علوي، قال الذهبي: "الشيخ الإمام المحدث الزاهد الصالـح، المتبع بقية السلف، أبو العز ابن أبي حرب البغدادي الحربي. ولد سنة خمسمائة، وعني بالآثار، وقرأ الكتب، ونسخ وجمع وصنف. مع الورع والدين والصدق والتمسك بالسنن، والوقع في النفوس والجلالة... وروى الكثير وأفاد الطلبة..." (1).
أما نُصْبه فيكفي فيه قول الذهبي فيه بعد ذلك:
"وقد ألف جزءاً في فضائل يزيد، أتى فيه بعجائب وأوابد. لو لم يؤلفه لكان خيرًا. وعمله ردّاً على ابن الجوزي. ووقع بينهما عداوة..." (2).
وأما ما ذكره من صدقه وجلالته وإفادته، فيكفي فيها مؤلفه هذا، وما حكاه عنه أيضًا، قال:
"قال مرة: مسلم بن يسار صحابي، وصحح حديث الاستلقاء، وهو منكر. فقيل له في ذلك، فقال: إذا رددناه كان فيه إزراء على مَن رواه" (3).
فهو لا يبالي أن يدعي الصحبة لغير الصحابي، أو يصحح الحديث المنكر، لئلا يزري بمَن روى الحديث... إلى غير ذلك مما لايسعنا استقصاؤه، ولا يصعب على الباحث العثور عليه في كلماتهم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 21: 159ـ160 في ترجمة عبد المغيث.
(2) سير أعلام النبلاء 21: 160 في ترجمة عبد المغيث.
(3) سير أعلام النبلاء 21: 160 ـ 161 في ترجمة عبد المغيث.
-[ 88 ]-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:54 pm

الشيعة أَحْرَى بالصدق والنواصب أحرى بالكذب
وإذا أراد الإنسان أن ينظر للأمر نظرة موضوعية، بعيدة عن التعصب، يرى أن الشيعة أحرى بصدق اللهجة..
أولاً: لاستغنائهم بحقهم الواضح، وحججهم الكثيرة، نظير ما سبق عن أحمد بن حنبل وغيره من الحديث عن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).
وثانياً: لتأدبهم بآداب أئمتهم (صلوات الله عليهم) وتفاعلهم معهم، وهم (عليهم السلام) القمة في الصدق والشرف. وقد تقدم في جواب السؤال الثالث ما ينفع في المقام.
كما أن النواصب أحرى بالكذب والافتراء، لإفلاسهم - كما سبق من أحمد بن حنبل في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) - ولتأسيهم بأئمتهم - من أمثال معاوية وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم - وتفاعلهم معهم، فإنّ كل جنس لجنسه ألف، ولكل مأموم إماماً يأتم به ويتبع أثره.
و((الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ)) (1).

الموقف غير المتوازن إزاء الأحاديث
الأمر الخامس: الموقف غير المتوازن أيضاً للجمهور بين طائفتين من الأحاديث:
الأولى: الأحاديث المتضمنة لفضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومناقبهم ومثالب أعدائهم وما ينفردون (عليهم السلام) به من آراء عقائدية أو فقهية.
الثانية: الأحاديث المتضمنة لمناقب خصومهم، وأعذارهم وما يختصون به مِن آراء عقائدية وفقهية.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف الآية: 43.
-[ 89 ]-
حيث يظهر منهم الميل لرفض الطائفة الأولى مهما أمكن، بالتشديد في أمر الإسناد فيها، ومحاولة جرح رواتها، حتى لو تعددت طرقها واستفاضت روايتها، بينما تراهم كثيراً ما يعتمدون على أولئك الرواة وأمثالهم في روايات أخر، وكثيراً ما يصرحون في غير تلك الموارد بتعاضد الروايات الضعيفة إذا تعددت طرقها ووجدت لها شواهد تناسب مضامينها.
وأشد من ذلك أنهم كثيراً ما يعوزهم الطعن في السند، فيحكمون على الحديث بالنكارة وعدم القبول، بل كثيراً ما يتسرعون بتكذيب الحديث والحكم بوضعه، كل ذلك لمخالفته لهواهم.
بينما لا يقفون الموقف المذكور في الطائفة الثانية، بل ربما يصرحون بالاكتفاء بالحديث الضعيف في الفضائل. وشيوع ذلك ووضوحه في مواقفهم يغني عن استقصاء الشواهد له. وقد تقدم بعض ما يناسب ذلك.
مع أن السنة الشريفة حيث لا تثبت إلا مِن طريق الرواية والأسانيد فاللازم ابتناء القناعات على الأسس السليمة، بحياد وموضوعية كاملة، من دون تحيز ولا تعصب.
بل ملاحظة الواقع التاريخي وما حدث على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم من الضغط عليهم، والتنكيل بهم، من قبل السلطات المتعاقبة، وجهدها في التعتيم على فضائلهم، ومجانبة نهجهم، ومحاولتها نشر فضائل خصومهم وترويج نهجهم، تقضي بأن ينعكس الموقف، حيث يكون احتمال الوضع والافتراء فيما يخدم خطهم وأفكارهم (عليهم السلام) أبعد بكثير منه بالإضافة إلى ما يخدم خط خصومهم وأفكارهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الثلاثاء أغسطس 21, 2012 11:57 pm

-[ 90 ]-

الكلام في كتب الصحاح عند الجمهور
الأمر السادس: أن من المتسالم عليه اليوم عند الجمهور صحة الأحاديث التي تضمنتها أصول الحديث الخمسة أو الستة عندهم، حتى سميت تلك الأصول بالصحاح، وحتى قال ابن روزبهان: "وأما صحاحنا فقد اتفق العلماء على أن كل ما عد من الصحاح سوى التعليقات في الصحاح الستة لو حلف بالطلاق أنه من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من فعله وتقريره لم يقع الطلاق، ولم يحنث" (1).

تميُّز كتابي البخاري ومسلم بالصحة عندهم
ويمتاز كتاب البخاري وكتاب مسلم من بين تلك الأصول بمزيد من العناية والاهتمام، حتى ينصرف إطلاق الصحيحين لهما. وحتى قال ابن حجر الهيتمي: "روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع مِن يُعتَدّ به" (2).
وقال أبو عمرو بن الصلاح: "أول من صنف في الصحيح البخاري أبو عبد الله محمدبن إسماعيل. وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري. ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه، فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه. وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" (3).
وقال النووي: "فصل: اتفق العلماء (رحمهم الله) على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) دلائل الصدق 2: 380 ـ 381 عند ذكر (أنه صاحب الحوض واللواء والصراط والأذن).
(2) الصواعق المحرقة 1: 31.
(3) مقدمة فتح الباري 1: 10.
-[ 91 ]-
وغامضة. وقد صح أن مسلماً كان ممّن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث" (1).
وقال أيضاً: "وقد قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتها" (2).
وقال السيوطي: "وذكر الشيخ (يعني: ابن الصلاح) أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه. قال: خلافاً لمَن نفى ذلك، محتجاً بأنه لا يفيد إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ. قال: وقد كنت أميل إلى هذا، وأحسبه قويمًا، ثم بان لي أن الذي اخترناه أولاً هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم عن الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ... وقد قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ألزمته الطلاق، لإجماع علماء المسلمين على صحته... قلت: وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه" (3).
وقال الدهلوي: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما. وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين" (4).
وقالوا: "ومن روى له الشيخان فقد جاز القنطرة" (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح النووي على صحيح مسلم 1: 14.
(2)المصدر السابق 1: 19 ـ 20.
(3) تدريب الراوي 1: 131 ـ 134 في الخامسة: الصحيح أقسام.
(4) حجة الله البالغة 1: 282 باب طبقات كتب الحديث.
(5) الكشف الحثيث: 112، واللفظ له. فتح الباري 13: 457.
-[ 92 ]-

المنع من انعقاد الإجماع على صحة الكتابين المذكورين
لكن النظر في كلماتهم بقليل من التدبر يشهد بعدم انعقاد الإجماع من جمهور السنة - فضلاً عن الأمة بأجمعها- على صحة كتابي البخاري ومسلم، فضلاً عن بقية الأصول الستة، فقد نسب ذلك لإجماع مَن يعتد به في كلام ابن حجر الهيتمي المتقدم، حيث يظهر منه وجود المخالف في ذلك ممّن لا يعتد به هو، لأنه مخالف لهواه. بل صرح بالخلاف فيه السيوطي في كلامه المتقدم. كما حكي الخلاف صريحاً عن غير واحد. وقد كتب الكثير في ذلك خصوصاً في عصورنا القريبة، ولا يسعنا استقصاؤه.

النبز بالابتداع واتباع غير سبيل المؤمنين
ومن الطريف الذي يكثر حصوله منهم أن يتبنى جماعة منهم أمرًا، ويتجاهلون من يخالف هواهم، ثم يحاولون دعمه وتركيزه بدعوى إجماع الأمة عليه، لينبزوا بعد ذلك من يخالفهم بأنه مبتدع، ومتبع غير سبيل المؤمنين، وغير ذلك من مضامين التشهير والتشنيع.

معنى البدعة واتباع غير سبيل المؤمنين
مع الغفلة أو التغافل عن أن البدعة هي خلاف السنة، والمبتدع هو الذي يُشَرِّع ما لم يشرعه الله تعالى، ولم يبلغ به رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الله تعالى: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)) (1).
كما أن اتباع غير سبيل المؤمنين الممقوت شرعاً ليس هو مخالفة قناعاتهم، فضلاً عن قناعات بعضهم الحادثة في العصور المتأخرة، بل اتباع غير سبيل الله تعالى الذي دعا إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهدى المؤمنين له، بحيث يكون الخارج عنه مشاقاً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)..
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحديد الآية: 27.
-[ 93 ]-
قال سبحانه: ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)) (1).

دعوى القطع بصحة أحاديث الأصول مجازفة ظاهرة
على أن دعوى القطع بصحة أحاديث تلك الأصول مجازفة ظاهرة، إذ كيف يمكن القطع بصحتها وصدورها مع كثرة الوسائط في رجال السند، وتعرض السنة الشريفة لكثير من المحن، كالكذب المتعمد، والوهم، وضياع القرائن الشارحة للمراد بها، والتعارض الموجب للعلم بكذب بعضها، أو حصول الوهم فيه، أو إرادة خلاف ظاهره به... إلى غير ذلك؟!
وغاية ما يُدّعَى هو الوثوق بصدوره، أو جواز العمل به،لتحقق شروط الحجية فيه.

لا مجال للوثوق بصحتها حتى على مباني الجمهور
وهو أيضاً يصعب حصوله - فضلاً عن إحراز الاتفاق عليه - بمقتضى الموازين العقلائية العامة، التي تصلح حجة مع الله عز وجل، بل حتى على مباني جمهور السنة في مواقفهم من غير الكتب المذكورة، لأمور..
الأمر الأول: ما ورد في حَقِّ أصحابه، وفي كيفية جَمْعِه..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:00 am

ما ورد في البخاري وكتابه
1 ـ فقد سبق من البخاري - في أواخر الحديث عن مطاعن أهل الجرح والتعديل - ما يظهر منه عدم وهن الرواة بالطعون الواردة فيهم، وسبق منا الحديث عنه.
2 ـ وقد تكلم محمد بن يحيى الذهلي - وهو من أعلام الجمهور - في
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء الآية: 115.
-[ 94 ]-
البخاري حين ظهر منه القول بأنّ لفظه بالقرآن مخلوق،حتى انقطع عنه أكثر الناس إلا مسلم،فقال محمد بن يحيى: "ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا". فقام مسلم وخرج. فقال محمد بن يحيى عن البخاري: "لا يساكنني هذا الرجل في البلد"، فخشي البخاري على نفسه وسافر (1).
وقد تقدم التعرض لذلك عند الكلام في مطاعن أهل الجرح والتعديل.
3 ـ ولأجل ذلك أيضاً امتنع من الرواية عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (2)، وهما من أكابر علماء الجمهور.
4 ـ وأورد الذهبي البخاري في كتاب المغني في الضعفاء (3)، لوجود مَن تكلم فيه حتى استنكر المناوي مِن الذهبي ذلك (4).
5 ـ وقال محب بن الأزهر السجستاني: "كنت بالبصرة في مجلس سليمان بن حرب والبخاري جالس لا يكتب.
فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟
فقال: يرجع إلى بخارى فيكتب مِن حِفْظِه" (5).
وقال أحمد بن أبي جعفر قال محمد بن إسماعيل:
"رُبَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة كتبتُه بالشام، ورُبَّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر.
قال: فقلت له: يا أبا عبد الله بكماله؟ فسكت" (6).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 12: 460 في ترجمة أبي عبدالله البخاري: ذكر قصته مع محمد بن يحيى الذهلي (رحمهما الله).
(2) الجرح والتعديل 7: 191 في ترجمة محمد بن إسماعيل البخاري. تهذيب التهذيب 9: 49 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة.
(3) المغني في الضعفاء 2: 557 في ترجمة أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري.
(4) فيض القدير 1: 24 كما في الطبعة التي في برنامج المعجم الفقهي.
(5) تغليق التعليق 5: 391 فصل في ترجمة البخاري والتعريف بقدره وجلالته وذكر نسبه...: ذكر منشئه وطلبه الحديث.
(6) تاريخ بغداد 2: 11 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، واللفظ له. تغليق التعليق 5: 417 فصل في ترجمة البخاري والتعريف بقدره وجلالته وذكر نسبه...: ذكر سعة حفظه وسيلان ذهنه سوى ما تقدم. فتح الباري 1: 487.
-[ 95 ]-
6 ـ ومات البخاري قبل أن يُبَيِّض كتابَه(أي:لم يزل مسودة). ولذا اختلفت نسخه ورواياته.
قال أبو الوليد الباجي: "وقد أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ (رحمه الله)، ثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد، قال انتسخت كتاب البخاري من أصله. كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير. وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم في ما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث. وإنما أوردت هذا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليه، وتكلفهم في تعسف التأويل ما لا يسوغ" (1).
وقال ابن حجر: "ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف، ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة. وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية. وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري. كما تقدم مراراً أنه ترك
ـــــــــــــــــــــــ
(1) التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح 1: 310 ـ 311 باب في ذكر تأليفه (أي البخاري) للكتاب الجامع وحكم الكتاب ومعناه.
-[ 96 ]-
الكتاب مسودة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية، ولا السابقية، ولا الأسنية. وهذه جهات التقديم في الترتيب. فلما لم يراع واحداً منها دل على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق" (1).


ما ورد في مسلم وكتابه
7 ـ وقال الذهبي: "ثم إنّ مسلمًا - لـِحِدَّةٍ في خُلُقِه - انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا، ولا سماه في صحيحه. بل افتتح الكتاب بالحطّ على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة (عن). وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني" (2).
8 ـ وقال سعيد البرذعي: "شهدت أبا زرعة ذكر عنده صحيح مسلم، فقال: هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه، فعملوا شيئاً يتسوقون به" (3).
وفي لفظ آخر: "هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه، فعملوا شيئاً يتسوقون به، ألفوا كتاباً ثم يسبقوا إليه، ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها" (4).
وقال البرذعي: "وأتاه ذات يوم - وأنا شاهد - رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال أبو زرعة: ما أبعد هذا من الصحيح! يدخل في كتابه أسباط بن نصر!
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة فتح الباري 7: 93.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 573 في ترجمة مسلم.
(3) ميزان الاعتدال 1: 269 في ترجمة أحمد بن عيسى المصري التستري، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 12: 571 في ترجمة مسلم.
(4) تهذيب الكمال 1: 419 في ترجمة أحمد بن عيسى بن حسان المصري، واللفظ له. تاريخ بغداد 4: 272 في ترجمة أحمد بن عيسى بن حسان. سؤالات البرذعي: 675.
-[ 97 ]-
ثم رأى في كتابه قطن بن نسير، فقال لي: وهذا أطم من الأول، قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس. ثم نظر فقال: يروي عن أحمد ابن عيسى المصري في كتابه الصحيح! قال لي أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة إلى لسانه، كأنه يقول الكذب. ثم قال لي: يحدث عن أمثال هؤلاء، ويترك محمد بن عجلان ونظراءه. ويطرق لأهل البدع علينا، فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج به عليهم: ليس هذا في كتاب الصحيح.
ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب ويؤنبه... وقدم مسلم بعد ذلك الري، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه وعابه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مما قاله لي أبو زرعة: إن هذا يطرق لأهل البدع علينا..." (1).
9 ـ وقال أبو قريش الحافظ: "كنت عند أبي زرعة، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة وتذاكر. فلما أن قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح.
قال: فلمن ترك الباقي؟
ثم قال: هذا ليس له عقل. لو دارى محمد بن يحيى لصار رجلاً" (2).
10 ـ وقال إبراهيم بن أبي طالب لمسلم: "كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح؟"
قال: "فمن أين آتي بنسخة حفص بن ميسرة؟" (3).
وما ندري هل يكون تعذر الرواية عن الثقة مبرراً للرواية عن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الكمال 1: 419 ـ 420 في ترجمة أحمد بن عيسى بن حسان، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 12: 571 في ترجمة مسلم. تاريخ بغداد 4: 272 في ترجمة أحمد بن عيسى بن حسان. سؤالات البرذعي: 675 ـ 676.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 280 ـ 281 في ترجمة الذهلي وابنه، واللفظ له،: 571 في ترجمة مسلم. تهذيب الكمال 26: 627 في ترجمة محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد.
(3) سير أعلام النبلاء 11: 418 في ترجمة سويد بن سعيد، واللفظ له. ميزان الاعتدال 3: 347 في ترجمة سويد بن سعيد. تهذيب التهذيب 4: 241 في ترجمة سويد بن سعيد ابن سهل.
-[ 98 ]-
غيره؟!
ولذا قال الذهبي: "ما كان لمسلم أنْ يُخَرِّج له في الأصول. وليته عضد أحاديث حفص بن ميسرة بأن رواها بنزول درجة أيضاً" (1).
11 ـ وقال الذهبي: "وقال مكي بن عبدان: وافى داود بن علي الأصبهاني نيسابور أيام إسحاق بن راهويه، فعقدوا له مجلس النظر، وحضر مجلسه يحيى بن الذهلي، ومسلم بن الحجاج، فجرت مسألة تكلم فيها يحيى، فزبره داود قال: اسكت يا صبي، ولم ينصره مسلم، فرجع إلى أبيه وشكا إليه داود، فقال أبوه:
ومَن كان ثَمَّ(هناك)؟
قال: مسلم، ولم ينصرني.
قال: قد رجعت عن كل ما حدثته به.
فبلغ ذلك مسلمًا، فجمع ما كتب عنه في زنبيل، وبعث به إليه، وقال: لا أروي عنك أبدًا" (2).
12 ـ ويقول النووي: "وأما قول مسلم (رحمه الله) في صحيحه في باب صفة صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ههنا - يعنى في كتابه هذا الصحيح - وإنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. فمشكلٌ، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفاً في صحتها، لكونها من حديث من ذكرناه، ومن لم نذكره، ممن اختلفوا في صحة حديثه.
قال الشيخ: وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم.
والثاني: أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متناً أو إسنادًا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته. وهذا هو الظاهر من كلامه. فإنه ذكر ذلك لما سئل عن حديث
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 11: 418 في ترجمة سويد بن سعيد.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 571 ـ 572 في ترجمة مسلم.
-[ 99 ]-
أبي هريرة: فإذا قرأ فأنصتوا، هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل: لِمَ لم تضعه ههنا؟ فأجاب بالكلام المذكور.
ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها، لصحتها عنده. وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر. وقد استدركت وعللت. هذا آخر كلام الشيخ (رحمه الله) " (1).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:02 am

ما ورد في النسائي وكتابه
13 ـ وذكر ابن حجر في ترجمة أحمد بن صالح المصري عن الخطيب أنه قال:
"احتجّ بأحمد جميعُ الأئمة إلا النسائي.
ويُقال: كان آفَةُ أحمدَ الكِبْر. ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما" (2).
وعن العقيلي أنه قال: "كان أحمد بن صالح لا يحدث أحداً حتى يسأل عنه، فجاءه النسائي وقد صحب قوماً من أصحاب الحديث ليسوا هناك، فأبى أحمد أن يأذن له. فكلّ شيء قدر عليه النسائي أنْ جمع أحاديث قد غلط فيها ابن صالح، فشنع به، ولم يضر ذلك ابن صالح شيئًا. وهو إمام ثقة" (3).
ومقتضى ذلك أنّ تشنيعه وتركه الرواية عن الشخص، تَبَعٌ للهوى والانفعالات العاطفية، وإذا كان كذلك فمَا المُؤَمِّن مِن أن يكون توثيقه للشخص تابعاً لها أيضًا؟! وكيف يوثق برواية مَن هو كذلك؟!
ـــــــــــــــــــــــ
(1) شرح النووي على صحيح مسلم 1: 16.
(2) تهذيب التهذيب 1: 36 في ترجمة أحمد بن صالـح المصري.
(3) تهذيب التهذيب 1: 36 في ترجمة أحمد بن صالـح المصري، واللفظ له. التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح 1: 325 في ترجمة أحمد بن صالـح أبي جعفر المصري. فتح الباري 1: 386.
-[ 100 ]-

ما ورد في كتاب ابن ماجة
14 ـ وذكر ابن حجر أيضاً أنّ في كتاب سنن ابن ماجة أحاديث ضعيفة جدًّا.قال: "حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر فيه هو ضعيف غالبًا... ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: كلّ ما انفرد به ابن ماجة فهو ضعيف" (1).

ما ورد في كتاب أبي داود
15 ـ وقال أبو داود: "ذكرت في السنن الصحيح وما يقاربه. فإنْ كان فيه وهنٌ شديد بيَّنته" (2).
يقول السيوطي تعقيباً على ذلك: "ففهم أن ثمّ شيئاً فيه وهن غير شديد لم يلتزم بيانه" (3).

ما قيل في كتاب الترمذي
16 ـ وقد سبق عن الذهبي والمباركفوري الطعْن في تصحيح الترمذي وتحسينه، بل نسب الذهبي ذلك للعلماء. فراجع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:06 am

روايتهم عمَّن ضعَّفوه أو كذَّبوه
17 ـ وقال الشيخ المظفر (قدس سره): "وذكر كلٌّ مِن الذهبي وابن حجر أو أحدهما في كتابيهما المذكورين (يعني ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب) أنّ البخاري احتجّ بجماعة في صحيحه ضعَّفَهم بنفسه، كما يعلم من تراجمهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 9: 468 في ترجمة محمد بن يزيد الربعي.
(2) سير أعلام النبلاء 13: 213 في ترجمة سليمان بن الأشعث بن بشر بن شداد، واللفظ له. تدريب الراوي 1: 169. تذكرة الحفاظ 2: 592 في ترجمة أبي داود. المنهل الروي: 38.
(3) تدريب الراوي 1: 169.
-[ 101 ]-
في الكتابين، كأيوب بن عائذ، وثابت بن محمد العابد، وحصين بن عبد الرحيم السلمي، وحمران بن أبان، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، وكهمس بن المنهال، ومحمد بن يزيد الحزامي، ومقسم بن بجرة.
وإنما خصصنا البخاري بهذا لأنه أعظم أرباب الصحاح عندهم، وإلا فكُلُّهم على هذا النمط. بل وجدنا أبا داود كذَّبَ نعيمَ بن حماد الخزاعي، والوليد بن مسلم مولى بني أمية، وهشام بن عمار السلمي، وروى عنهم في سننه.
وقال في حق صالـح بن بشير: لا يُكتَب حديثه، وكذا في حق عاصم ابن عبيد الله، وروى عنهما، مع أنه كان يزعم أنه لا يَروي إلا عن ثقة، كما ذكره في تهذيب التهذيب بترجمة داود بن أمية.
ووجدنا النسائي قال في حقِّ كلٍّ مِن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي، وعبد الرحمن بن أبي المخارق، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: متروك، وروى عنهم في سننه.
وكذا الترمذي قال في حق سليمان بن أرقم أبي معاذ البصري وعاصم بن عمرو بن حفص: متروك، وروى عنهما في سننه" (1).

روايتُهم عن جمْعٍ كثيرٍ مجهولي الحال
18 ـ وقال (قدس سره) : "وذكروا في حق البخاري ومسلم - اللذين هما أجلّ أرباب الصحاح عندهم، وأصحّهم خبراً - ما يخالف الإجماعَ، وهو احتجاجهما بجماعةٍ لا تُحصى مجهولة الحال، لرواية جماعةٍ عنهم، بل لرواية الواحد عنهم، مع أنّ هذا الواحد لم يَنُصّ على قدح أو مدح في المروي عنه. ولنذكر بعضَ مَن اكتفيا في الاحتجاج بخبره بمجرد رواية الواحد عنه، لتراجع تهذيب التهذيب، فترى صدق ما قلناه..." ثم ذكر (عليه السلام) جماعة منهم (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) دلائل الصدق 1: 13 ـ 14و 15.
-[ 102 ]-

شيوع التدليس منهم
19 ـ شيوع التدليس منهم، وهو أنْ يَذْكُرَ الراويَ بما يُوهِم إرادةَ غيْرِه، بالإبهام في شخصه، وكما لو كانت الرواية عن شخص مقبول بواسطة شخص غير مقبول، فيتركون الواسطة، ويروونها عن المقبول ابتداء ونحو ذلك..
قال الذهبي في ترجمة عبد الله بن صالـح بن محمد الجهيني المصري الذي طعنوا فيه كثيراً:
"وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح. ولكنه يدلسه، فيقول حدثنا عبد الله ولا ينسبه" (1).
وروى البخاري أيضاً عن محمد بن سعيد المصلوب الشامي الكذاب الشهير (2)، الذي كان يضع الحديث، ويدلسه (3)، وقُتِل بسبب الزندقة (4). كما روى عنه الترمذي وابن ماجة (5)، وغيرهما كثير، ودلّسوه..
قال الذهبي عن محمد بن سعيد هذا: "روى عن الزهري، وعبادة ابن نسي، وجماعة، وعنه ابن عجلان، والثوري، ومروان الفزاري، وأبو
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 4: 122 في ترجمة عبدالله بن صالـح.
(2) ميزان الاعتدال 6: 165 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب. تهذيب التهذيب 9: 163 في ترجمة محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3: 65 في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس الشامي المصلوب. الكامل في ضعفاء الرجال 6: 140 في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس الأزدي.
(3) المقتنى في سرد الكنى 1: 353 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب. الكامل في ضعفاء الرجال 6: 140 في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس الأزدي. تهذيب التهذيب 9: 163 في ترجمة محمدبن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي.
(4) الجرح والتعديل 7: 262 في ترجمة محمد بن سعيد الشامي. ميزان الاعتدال 6: 164 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب. الكامل في ضعفاء الرجال 6: 140 في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس الأزدي. تهذيب التهذيب 9: 163 في ترجمة محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي.
(5) تهذيب التهذيب 9: 163 في ترجمة محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي.
-[ 103 ]-
معاوية، والمحاربي، وآخرون. وقد غيَّرُوا اسمه على وجوه سِتْراً له، وتدليساً لضعفه... قال عبدالله بن أحمد بن سوادة:
قلبوا اسمه على مائة اسم وزيادة، قد جمعتُها في كتاب" (1).
وقال ابن الجوزي: "محمد بن سعيد بن أبي قيس الشامي المصلوب. وهذا الرجل كان كذاباً يضع الحديث، ويفسد أحاديث الناس. صُلِب على الزندقة. وقد قلب خَلْقٌ مِن الرواة اسمه، وبهرجوا في ذكره. والعتب عليهم في ذلك شديد، والإثم لهم لازم، لأنّ مَن دَلّس كذاباً فقد آثر أنْ يُؤْخَذ في الشريعة بقول باطل" (2). وذكر نحوَه ابنُ حجر (3).
نعم، حاول الذهبي أن يحسن الظن بالبخاري، فحمَلَه على الخطأ في ذلك، فقال: "وقد أخرجه البخاري في مواضع، وظنَه جماعة" (4) يعني: أن البخاري ظن أنّ المروي عنه في هذه المواضع جماعة تشابهوا معه في الاسم، لا الشخص الواحد المشهور بالكذب. وهو - مع بُعْدِه - عيْبٌ آخر في صحيح البخاري، راجع إلى عدم المعرفة بالرجال.
وقال ابن حجر: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الإمام وصفه بذلك (أي التدليس) أبو عبدالله ابن مندة في كلام له فقال فيه:
أخرج البخاري قال فلان، وقال لنا فلان. وهو تدليس. ولم يوافَق ابن مندة على ذلك. والذي يظهر أنه يقول فيما لم يسمع، وفيما سمع لكن لا يكون على شرطه، أو موقوفاً: قال لي، أو قال لنا. وقد عرفت ذلك بالاستقراء مِن صنيعه" (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 6: 164 ـ 166 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب.
(2) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3: 65 في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس الشامي المصلوب.
(3) تهذيب التهذيب 9: 163 في ترجمة محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي.
(4) ميزان الاعتدال 6: 166 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب.
(5) طبقات المدلسين لابن حجر: 24 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة.
-[ 104 ]-
ونقل أيضاً عن ابن مندة أنه قال في حق مسلم:
"أنه كان يقول فيما لم يسمعه مِن مشائخه: قال لنا فلان. وهو تدليس" (1).
وقد أطال المرحوم الشيخ المظفر (قدس سره) الكلام في تدليسهم، بنحوٍ لا يسعنا استقصاؤه (2).

شيوع التدليس في عامة رجال الحديث
بل التدليس شايع في عامّة رجال الحديث، حتى قال شعبة:
"ما رأيتُ أحداً مِن أصحاب الحديث إلا يُدَلِّس إلا عمرو بن مرة وابن عون" (3).
وقال الذهبي: "وبقية ذو غرائب وعجائب ومناكير. قال عبد الحق في غير حديث: بقية لا يحتج به. وروى له أيضاً أحاديث، وسكت عن تليينه. وقال أبو الحسن بن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك. وهذا إنْ صحّ مُفسِد لعدالته.
قلت: نعم والله، صحّ هذا عنه، إنه يفعله. وصحّ عن الوليد بن مسلم. بل عن جماعةٍ كبار فعْله. هذه بلية. وهذه بلية منهم. ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد. وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يُسْقِطُون ذِكْرَه بالتدليس أنه تعمَّد الكذب. هذا أمثل ما يُعتذَر به عنهم" (4).
وقال أيضاً في سير أعلام النبلاء بعد ذكر كلام أبي الحسن بن القطان: "قلت:
نعم تيقَّنّا أنه كان يفعله. وكذلك رفيقه الوليد بن مسلم وغيرُ واحد. ولكنهم ما يُظَنّ بهم أنهم اتَّهَمُوا مَن حدَّثهم بالوضع لذلك" (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات المدلسين لابن حجر: 26 في ترجمة مسلم بن الحجاج القشيري.
(2) دلائل الصدق 1: 15 ـ 16.
(3) سير أعلام النبلاء 5: 197 في ترجمة عمرو بن مرة، واللفظ له. تهذيب التهذيب 8: 89 في ترجمة عمرو بن مرة بن عبدالله. ميزان الاعتدال 5: 346 في ترجمة عمرو بن مرة. التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح 3: 975 في ترجمة عمرو بن مرة.
(4) ميزان الاعتدال 2: 53 ـ 54 في ترجمة بقية بن الوليد.
(5) 8: 528 في ترجمة بقية بن الوليد.
-[ 105 ]-
وقال ابن حبان: "دخلت حمص، وأكبر همّي شأن بقية، فتتبعت حديثَه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو، فرأيته ثقة مأمون. ولكنه كان مدلس، يدلس عن عبيد الله بن عمر، وشعبة، ما أخذه عن مثل المجاشع بن عمرو، والسري بن عبدالحميد، وعمر بن موسى الميتمي، وأشباههم. فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم ما سمع مِن هؤلاء الضعفاء عنهم، فكان يقول: قال عبيدالله، وقال مالك، فحملوا عن بقية عن عبيدالله وبقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهم..." (1).
وقد ألف جماعة كتباً ورسائل خاصة في المدلسين، كحسين بن علي الكرابيسي (2)، وعلي بن المديني (3)، والنسائي (4)، والدارقطني (5)، وأبي الوفاء الحلبي، وابن حجر العسقلاني (6)، والسيوطي (7)، وغيرهم.

ذَمُّ أهل العلم للتدليس
وقال الخطيب البغدادي: "التدليس للحديث مكروه عند أكثر أهل العلم. وقد عظم بعضهم الشأن في ذمه، وتبجح بعضهم بالبراءة منه" (8).
وعن شعبة أنه قال: "التدليس أخو الكذب" (9).
وقال أيضاً: "التدليس في الحديث أشد من الزنا. لأَنْ أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس" (10).
وعن أبي أسامة أنه قال: "ضرب الله بيوت المدلسين. ما هم عندي إلا كاذبون" (11).
وعن ابن المبارك أنه قال: "لأن نخر مِن السماء أحب إلي من أن أدلس حديثاً" (12)...
إلى غير ذلك من كلماتهم في ذمه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 2: 47 في ترجمة بقية بن الوليد.
(2) الفهرست لابن النديم 1: 256. كشف الظنون 1: 89.
(3) الفهرست لابن النديم 1: 322.
(4)، (5)، (6)، (7) كشف الظنون 1: 89.
(8)، (9)، (10)، (11)، (12) الكفاية في علم الرواية: 355، 356.
-[ 106 ]-

روايتهم عن رجال مطعون فيهم
20 ـ لا ريب في أن البخاري ومسلم، بل جميع أصحاب الأصول الستة التي يطلقون عليها الصحاح، رووا في كتبهم المذكورة عن رجال مطعون فيهم بمختلف الطعون، كالكذب، والتدليس، والنصب وغيرها. وقد جمع قسماً كبيراً منهم المرحوم الشيخ المظفر (قدس سره) في مقدمة دلائل الصدق، كما ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري المطعونين من رجال البخاري، وحاول الدفاع عنهم.
ولسنا الآن بصدد الحكم فيهم، إلا أنّ القدر المتيقن أنّ الطعون المذكورة لا تناسب الإجماعَ المدعى على قبول كتابي البخاري ومسلم، بل جميع الأصول الستة المذكورة، ولا تسميتها بالصحاح، والقطع بما تضمنته من الأخبار، بل ولا الوثوق بها.

اشتمال الأصول المذكورة على الأحاديث المرسلة والمنقطعة
21 ـ كما لا يناسبه ما هو المعلوم من اشتمالها على الأحاديث المرسلة (1) والمنقطعة (2). ولا طريق لأصحاب هذه الكتب - فضلاً عمّن بعدهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) راجع على سبيل المثال صحيح البخاري 1: 150 كتاب الصلاة: باب الصلاة على الفراش، و 2: 506 كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة وقول الله تعالى: ((وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ))، و: 572 كتاب الح باب من أين يخرج من مكة، و: 631 كتاب الحج أبواب العمرة: باب كم اعتمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و 4: 1833 كتاب التفسير: باب تفسير سورة الحجرات: باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي... الآية، وغيره.
(2) راجع على سبيل المثال صحيح البخاري 1: 445 كتاب الجنائز: باب فضل اتباع الجنائز، و 2: 885 كتاب الشركة: باب الاشتراك في الهدي والبدن وإذا أشرك.... و 3: 1166 كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ...))، و: 1249 كتاب الأنبياء: باب طوفان من السيل، و 5: 2020 كتاب الطلاق: باب إذا قال لامرأته وهو مكره هذه أختي فلا شيء عليه، وغيره.
-[ 107 ]-
لتحصيل القطع بصحة تلك الأحاديث، مع بُعْدهم عن زمان صدورها، وعدم وجود مرجع لهم معصوم يتسنى لهم عرض تلك الأحاديث عليه، ليعرفوا منه صحتها وسقمها. وليس إلا الأهواء والاجتهادات والظنون - التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان - أو التسامح والتساهل في أمر الحديث.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:10 am

اشتمال الكتب المذكورة على ما يعلم بطلانه
الأمر الثاني: اشتمال أحاديث الكتب على ما يعلم بطلانه، لمخالفته للعقل، أو الكتاب الكريم، أو النَّقْل القَطْعِي..
1 ـ مثل ما تضمّن تجسيمَ الله تعالى، وإثبات المكان، والانتقال والتغير له جل شأنه. والكلام في ذلك طويل، ذكره نقاد الحديث من علمائنا وغيرهم. ولا يسعنا استقصاؤه.
2 ـ وروى الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة: "قالت أول ما بُدِئ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن الوحي الرؤيا الصادقة في النوم... حتى فَجَأَه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...)) حتى بلغ ((عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)).
فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال: يا خديجة ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا، أبشر. فوالله لا يخزيك الله أبدًا. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري
-[ 108 ]-
الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيه، وكان امرأ تنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى..." (1).
وهو - كما ترى - صريح في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعرف أنه نبي من نزول الملك عليه، وإقرائه له - مع الإرهاصات والأمارات السابقة على أنه مهيأ للنبوة، التي ذكرها أهل الحديث والمؤرخون - حتى أخبره ورقة بن نوفل من طريق الحدس. وكيف يمكن التصديق بذلك؟!
ثم كيف يمكن تصديقه (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوى الرسالة مع ذلك؟!
3 ـ وروى الشيخان أيضاً عن أبي هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "اللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأيّ المؤمنين آذيتُه، شتمتُه، لعنتُه، جلدتُه، فاجعلها له صلاة، وزكاة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 6: 2561 كتاب التعبير: باب أول مابدئ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوحي الرؤيا الصالـحة، واللفظ له، 1: 4 كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقول الله جل ذكره: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ))، 4: 1894 كتاب التفسير: باب تفسير سورة ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...)) العلق. صحيح مسلم 1: 140 كتاب الإيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
(2) صحيح مسلم 4: 2008 كتاب البر والصلة والآداب:باب من لعنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة، واللفظ له. صحيح البخاري 5: 2339 كتاب الدعوات وقول الله تعالى ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)): باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة.
-[ 109 ]-
فانظر هل يمكن التصديق بذلك؟!
وما الفرق إذاً بين نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) - الذي هو القمة في الكمال - والطغاة مِن ولاة الجور وغيرهم؟!
وإذا كان بشراً عاديّاً محكوماً للاندفاعات العاطفية في اعتدائه على مَن لا يستحق، فما المؤمِّن مِن أنْ يكون محكوماً لها في ثنائه على مَن لا يستحق؟!
وكيف يمكن مع ذلك أن نعرف إيمان إنسان ونفاقه من ثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك الشخص أو لعنه له؟!
وهل هذا إلا انتهاك لحرمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإسقاط مواقفه مِن الناس عن الاعتبار؟!
ويكاد يقطع المتبصر بأنّ ذلك إنما افْتُرِيَ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن أجل الحفاظ على اعتبار كثيرٍ مِن منافقي قريش الذين جرحهم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولعَنَهُم، في محاولةٍ منهم ثانيةً بعد أن كانت محاولتهم الأولى منْع كتابة الحديث النبوي، كما تضمنه حديث عبد الله بن عمرو - المتقدم في أواخر جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة - قال:
"كنتُ أكتب كلَّ شيء أسمعه مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:
اكتب. فو الذي نفسي بيده ما خرج منّي إلا حقّ" (1).
وربما يكون التحجير على السنة النبوية الذي أشرنا إليه هناك مرتبط
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 2: 162 مسند عبدالله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، واللفظ له،: 192 مسند عبد الله ابن عمرو بن العاص (رضي الله عنه). سنن أبي داود 3: 318 أول كتاب العلم: باب كتاب العلم. سنن الدارمي 1: 136 باب من رخص في كتابة العلم. المستدرك على الصحيحين 1: 187 كتاب العلم. تحفة الأحوذي 7: 357 في شرح أحاديث باب ما جاء في الرخصة. المدخل إلى السنن الكبرى 2: 415 باب من رخص في كتابة العلم.... الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2: 36 الكتابة عن المحدث في المذاكرة.
-[ 110 ]-
بذلك أيضًا. فراجع.
4 ـ وأخرج مسلم بسنده عن ابن عباس قال: "كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه. فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا نبي الله، ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجملها أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها.
قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك. قال: نعم.
قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم" (1).
وقد طعن فيه جماعة مِن أعلام الجمهور.. قال ابن القيم: "وقد روى مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه.... وقد رَدّ هذا الحديث جماعةٌ من الحفاظ، وعدوه من الأغلاط في كتاب مسلم. قال ابن حزم: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه. والآفة فيه من عكرمة بن عمار (2). فإنه لم يختلف في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر.
وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له: هذا الحديث وهْمٌ مِن بعض الرواة. لا شك فيه، ولا تردد. وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه. وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال: ليست بصحاح. وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف. وكذلك لم يخرج عنه البخاري. إنما أخرج عنه مسلم، لقول يحيى بن معين: ثقة.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 4: 1945 كتاب فضائل الصحابة (رضي الله عنهم) من فضائل أبي سفيان بن حرب (رضي الله عنه).
(2) إذا كانت الآفة فيه من عكرمة بن عمار هذا، وهو من الطبقة الأولى من التابعين فكيف خفي الأمر على مَن بعده مِن رواة الحديث طبقة بعد طبقة حتى انتهى الأمر إلى مسلم؟! وما هي المفاهيم التي كانوا يعيشونها، والدوافع التي كانوا يحملونها، حتى أغفلتهم عن هذا الخطأ الواضح؟!
-[ 111 ]-
قال: وإنما قلنا: إنّ هذا وهم، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيدالله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها - وهما مسلمان - إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على دينها. فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إياها، وأصدقها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة آلاف درهم. وذلك سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل عليها، فنحت بساط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّر أبا سفيان.
وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث. كقول بعضهم: إنه سأله تجديد النكاح عليها. وقول بعضهم: إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام، فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يزوجه إياها نكاحاً تامًّا، فسلم له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاله وطيب قلبه بإجابته. وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاق، فسأل رجعتها، وابتداء النكاح عليها. وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها، لا ابتداءه. وقول بعضهم: يحتمل أن يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النكاح. وقول بعضهم: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه، كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطينيهن. وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه، وطوّل في تقريره.
وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهي أختها، وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين، لقرب عهده بالإسلام، فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، وغلط الراوي في اسمها.
وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان. وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات
-[ 112 ]-
الفاسدة، والتأويلات الباردة، التي يكفي في العلم بفسادها تصورها وتأمل الحديث.
وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فسادًا، فهو أكذبها وأبطلها، وصريح الحديث يرده، فإنه قال: أم حبيبة أزوجكها. قال: نعم. فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك (صلى الله عليه وآله وسلم). فالحديث غلط، لا ينبغي التردد فيه. والله أعلم" (1).
وقد ذكرنا هذه العيّنَات الثلاث لننبّه إلى وجود أمثالها مِن الأحاديث المعلومة البطلان في الأصول المذكورة. ونترك الباقي لمَن يريد الاستقصاء.

ظُهُور المَيْل في الكتب المذكورة على أهل البيت (عليهم السلام)
الأمر الثالث: ظهور الميل في الأصول المذكورة على أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومجافاتهم..
أولاً: بِتَرْك الرواية عن كثير منهم، ممّن هو في القمة من الدين والصدق والقدسية، كالإمام الصادق، والأئمة مِن ولده (صلوات الله عليهم)، وغيرهم مِن أهل البيت، وروايتهم عن جماعة كثيرة من أعداء أهل البيت ممّن لا تلتقي بذمِّهم الشفتان، كمروان بن الحكم، وسمرة ابن جندب، وعمران بن حطان، وغيرهم.
وثانياً: بالتقليل مِن ذكر الأحاديث المُنَوِّهَة بأهل البيت (عليهم السلام)، والمتضمنة لفضائلهم ومناقبهم، أو تحويرها والحذف فيها. وحَشْر ما يمكن حشْرُه مِن الأحاديث المنوهة بمخالفيهم، وتخفيف حدّة بعض الأحاديث المتضمنة لنقاط الضعف في أولئك المخالفين بالحذف والتحوير وغيرهما.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود 6: 75ـ76، وقريب منه في زاد المعاد 1: 109 ـ 112 فصل في أزواجه0: في ترجمة أم حبيبة، وجلاء الأفهام: 248.
-[ 113 ]-
خصوصاً كتابي البخاري ومسلم، حيث يظهر ذلك جليّاً فيهما..
1 ـ فقد تقدم في أواخر جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة أنّ البخاري لم يذكر حديث الغدير، مع اشتهاره واستفاضته بما يزيد على التواتر.
2 ـ كما بَتَرَ مسلمٌ مِن حديث الغدير ما يتضمن ولاية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، الذي هو المهم فيه، ومن أجله خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خم.
3 ـ ولم يرو البخاري حديث الثقلين، مع استفاضته بنحو يزيد على التواتر.
4 ـ وروى البخاري ومسلم عن الأسود: "ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً (رضي الله عنه) كان وصيًّا.
فقالت: متى أوصى إليه؟!
وقد كنت مسندته إلى صدري- أو قالت: حجري- فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنه قد مات.
فمتى أوصى إليه؟!" (1).
أما أم سلمة فقد صحّ عنها أنها قالت: "والذي أحلف به إنْ كان عليٌّ لأقرب الناس عَهْداً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عُدْنا رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غداةً، وهو يقول: جاء علي؟ جاء علي؟ مرارًا.
فقالت فاطمة (عليه السلام): كأنك بعثتَه في حاجة
قالت: فجاء بعْدُ، فظننتُ أنّ له إليه حاجة. فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب. وكنت أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل يسارّه ويناجيه. ثم قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يومه ذلك. فكان عليٌّ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 3: 1006 كتاب الوصايا: باب الوصايا وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصية الرجل مكتوبة عنده وقول الله تعالى ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية...))، واللفظ له، 4: 1619 كتاب المغازي: باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته وقول الله تعالى ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)). صحيح مسلم 3: 1257 كتاب الوصية: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. وغيرها من المصادر الكثيرة.
-[ 114 ]-
أقرب الناس عهْداً" (1).
ورواية أم سلمة مُعْتَضِدَة بما استفاض عن أمير المؤمنين والأئمة مِن ولده (صلوات الله عليهم) مِن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توفي في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه (عليه السلام) كان آخر الناس عهداً به (2).
وقد أكد ذلك ابن عباس، وأنكر حديث عائشة، فقد روي عن أبي غطفان أنه قال: "سألتُ ابن عباس: أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توفي ورأسه في حجر أحد؟
قال: توفي وهو لمستند إلى صدر عليٍّ.
قلتُ: فإنّ عروة حدثني عن عائشة أنها قالت: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين سحري ونحري.
فقال ابن عباس: أتعقل؟! والله لتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه لمستند إلى صدر عليٍّ. وهو الذي غسّله وأخي الفضل بن عباس..." (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 149 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له، وقال بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".مجمع الزوائد 9: 112 كتاب المناقب:باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه في منزلته ومؤاخاته، وقال بعد ذكر الحديث: "رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال فيه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قبض في بيت عائشة والطبراني باختصار ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى وهي ثقة". المصنف لابن أبي شيبة 6: 365 كتاب الفضائل: فضائل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). مسند إسحاق بن راهويه 1: 129ـ130 فيما يروى عن رجال أهل البصرة مثل بريدة وسفينة ومسة الأزدية وغيرهم عن أم سلمة (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال بعد ذكر الحديث: "لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله". مسند أحمد 6: 300 في حديث أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). مسند أبي يعلى 12: 364،404 فيما روته أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 686. البداية والنهاية 7: 360 أحداث سنة أربعين من الهجرة: شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
(2) الطبقات الكبرى 2: 263 ذكر من قال توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر علي بن أبي طالب. فتح الباري 8: 139.
(3) الطبقات الكبرى 2: 263 ذكر من قال توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر علي بن أبي طالب، واللفظ له. فتح الباري 8: 139. كنز العمال 7: 253 ـ 254 حديث:18791.
-[ 115 ]-
وكذا ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "إنّ كعب الأحبار قام زمن عمر، فقال - ونحن جلوس عند عمر-:
أمير المؤمنين ما كان آخر ما تكلم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال عمر: سَل عليًّا.
قال: أين هو؟
قال: هو هنا، فسأله.
فقال علي: أسندتُه إلى صدري، فوضع رأسَه على منكبي، فقال: الصلاة الصلاة.
فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء. وبه أمروا. وعليه يبعثون.
قال: فمَن غسّله يا أمير المؤمنين؟
قال: سل عليًّا.
قال: فسأله، فقال:
كنتُ أغسِّله، وكان العباس جالس..." (1).
بل هي معتضدة بما روي عن عائشة نفسها، حين سألتها امرأتان، فقالتا: "فأخبرينا عن عليٍّ.
قالت: أيّ شيء، تسألنَ عن رجلٍ وضع يَدَه مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) موضعًا، فسالت نفسُه في يده، فمسح بها وجهه، واختلفوا في دفنه، فقال: إنّ أحب البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيه.
قالتا: فَلِمَ خرجت عليه؟
قالت: أمر قضي. لوددتُ أن أفديه ما على الأرض" (2).
وحديثها الآخر قالت: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيتي لما حضره الموت: ادعوا لي حبيبي. فدعوتُ أبا بكر فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم وضع رأسه.
ثم قال: ادعوا لي حبيبي. فقلت: ويلكم، ادعوا له علي بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره. فلما رآه استوى جالساً وفرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه، حتى قبض، ويدُه عليه" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبقات الكبرى 2: 263 ذكر من قال توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر علي بن أبي طالب. فتح الباري 8: 139.
(2) مسند أبي يعلى 8: 279 في مسند عائشة، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 112 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب منه في منزلته ومؤاخاته. تاريخ دمشق 42: 394 في ترجمة علي بن أبي طالب. البداية والنهاية 7: 360ـ361 أحداث سنة أربعين من الهجرة: شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
(3) المناقب للخوارزمي: 68، واللفظ له. تاريخ دمشق 42: 393 في ترجمة علي بن أبي طالب. ينابيع المودة 2: 163. ذخائر العقبى: 72 باب في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : ذكر أنه أدخله النبي في ثوبه يوم توفي واحتضنه إلى أن قبض.
-[ 116 ]-
واختلاف موقف عائشة في القضية الواحدة، تبعاً لاختلاف الظروف والدوافع، ليس غريبًا، خصوصاً بعد موقفها في أمر عثمان.
ولا نظن أنّ أحداً يشك في أن ما تضمنته هذه الأحاديث هو الأنسب بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعظيم مسؤوليته، مِن موْته بغتةً في حجر امرأته مِن دون أن يعهد بما يهمه، ويوصي بما يريد. ولعله لذا قال ابن عباس منكراً على مَن روى ذلك:
أتعقل؟!
ومع كل ذلك اقتصر البخاري ومسلم على حديث عائشة الأول، وأهملا حديث أمّ سلمة، مع صحته - حتى استدركه الحاكم عليهما - واعتضاده بما ذكرنا.
5 ـ ويذكر البخاري ومسلم رزية يوم الخميس، حين أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب لأمته كتاباً يعصمهم مِن الضلال، لكنْ إنْ أُبْهِمَ ذِكْر الرّادّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يُصَرِّح باسمه يكون التعبير هكذا:
"هَجَرَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1).
أما حين يُصَرَّح باسم الرادّ عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)- وهو عمر- فيكون التعبير:
"إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غَلَبَ عليه الوَجَعُ" (2).
لِتخفيف حِدّة التعبير وبشاعته(وإلا فالمعنى واحد).
6 ـ وقد تقدم عن الصحيحين حديث عمرو بن العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : "أنه قال: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء. إنما وليي الله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) كما في صحيح البخاري 3: 1111 كتاب الجهاد والسير: باب جوائز الوفد هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم، واللفظ له. صحيح مسلم 3: 1259 كتاب الوصية: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه.
(2) كما في صحيح البخاري 5: 2146 كتاب المرضى: باب قول المريض قوموا عني، واللفظ له. صحيح مسلم 3: 1259 كتاب الوصية: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه.
-[ 117 ]-
وصالـح المؤمنين" (1).
7 ـ كما تقدم قريباً رواية مسلم حديث أبي سفيان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أجل أن يرد اعتباره حين قاطعه المسلمون، الذي تقدم أنه مخالف لإجماع المؤرخين على زواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أم حبيبة قبل إسلام أبي سفيان... إلى غير ذلك مما لا يسعنا استقصاؤه.
وهو يكشف عن أن التعصب ضد أهل البيت يتحكم في كتب الجمهور، خصوصاً كتابي البخاري ومسلم اللذين هما أصحها عندهم.

مَنْشَأ تقديم كتابي البخاري ومسلم على غيرهما عند الجمهور
ولعل تخصيص الجمهور لكتابي البخاري ومسلم بمزيد العناية والتعظيم ينعكس فيهم - ولو لا شعورياً - نتيجة ما سبق في جواب السؤال الثالث وغيره مِن انحرافهم عن أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومجافاتهم لهم. وإلا فلا يظهر منشأ معتدّ به لتمييزهما بمزيد الإجلال والتعظيم والتصحيح.

موقفهم مِن أحمد لا يتناسب مع موقفهم مِن مُسنده
ولعل مِن أقوى الشواهد على ذلك أنّ أحمد بن حنبل إمام الجمهور من السنة في الأصول، وهو المقدم فيهم، لموقفه الصلب في المحنة، حتى قال علي بن المديني: "إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وبأحمد ابن حنبل يوم المحنة" (2).
وقال أبو عبيد: "انتهى العلم إلى أربعة أفقههم أحمد" (3).
وقال الشافعي: "خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، من أحمد بن حنبل" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تقدمت مصادره في جواب السؤال الأول في 2: 54.
(2)، (3)، (4) تذكرة الحفاظ 1: 432 في ترجمة أحمد بن حنبل.
-[ 118 ]-
وهو بَعْدُ إمام الحنابلة - الذين هم أشد الناس تعصُّباً - في الفروع. وهو أقدم طبقة مِن جميع أصحاب الأصول الستة، البخاري فمَن بعده.
وقد ألف أحمد المسند ليكون مرجعاً للأمة، فقد روى أبو موسى محمد بن عمر المديني بسنده عنه أنه قال: "إنّ هذا الكتاب قد جمعته واتقنته [انتقيته.ظ] من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا. فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فارجعوا إليه، فإن كان فيه [وإلا.ظ] فليس بحجة" (1).
وروى بسنده عن عبدالله بن أحمد بن حنبل أنه قال: "قلت لأبي (رحمه الله تعالى): لمَ كرهت وضع الكتب، وقد عملت المسند؟
فقال: عملت هذا الكتاب إماماً إذا اختلف الناس في سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجع إليه" (2).
وقال أبو موسى المديني المذكور في كلام له عن مسند أحمد: "ولم يخرج إلا عمّن ثبت عنده صدقه وديانته، دون مَن طعن في أمانته..."، ثم ذكر الشاهد على ذلك (3).
ومَن ثمّ ذكر السبكي أن مسند أحمد أصلٌ مِن أصول الأمة (4)، وقال السيوطي: "كل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب مِن الحسن" (5).
ومع كل ذلك لم يُعَد في جملة الصحاح عندهم، فضلاً عن أن يُقرَن بصحيحي البخاري ومسلم، أو يُفضَّل عليهما، بل كثيراً ما يحاول بعضهم تهوين أمر الحديث الذي لا يعجبه بأنه لم يذكر إلا في مسند أحمد.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) خصائص مسند أحمد: 13، واللفظ له. التقييد: 161. المقصد الأرشد 1: 366 في ترجمة حنبل بن إسحاق بن حنبل.
(2) خصائص مسند أحمد: 14، واللفظ له. التقييد: 161.
(3) خصائص مسند أحمد: 14 ـ15.
(4) طبقات الشافعية الكبرى 2: 31 في ترجمة أحمد بن محمد بن حنبل.
(5) كشف الخفاء للعجلوني 1: 9، واللفظ له. كنز العمال 1: 10.
-[ 119 ]-
ولا يظهر لنا سبب لذلك إلا اشتمال المسند المذكور على كثير من مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت (صلوات الله عليهم) وفضائلهم مما لم يذكره غيره، فلو جعلوه في جملة الصحاح المعدودة عندهم، أو قدّموه عليها - لِتقدُّم أحمد عندهم - لفتحوا على أنفسهم باباً يصعب عليهم التخلص من تبعات فتحه.
وعلى كل حال فمهما كان منشأ تقديمهم للأصول الستة المذكورة، وتسالمهم المدعى على قبول أحاديثها، فإنّ سلبياتها لا تبرر التعويل عليها من دون تمحيص وعرض على ضوابط الحجية المعروفة عند العقلاء التي عليها المعول شرعًا.
ولا ينفعهم مع ذلك ما أحاطوها به من هالات التعظيم والتقديس، وما استعانوا به لتركيزها من الكلمات الرنانة، والنعوت الضخمة، والتهويلات الرادعة، مثل ما تقدم عن كتابي البخاري ومسلم من أنهما أصح الكتب بعد القرآن المجيد، وقول الدهلوي المتقدم: "كل من يهون أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين"، ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة الجمود والتقليد التي تتحكم في مواقف كثير من الناس، فتفرض عليهم مسلمات لا حقيقة لها، بل هي ((كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) (1).

وبعد هذا الاستعراض الطويل يتضح مدى اضطراب الجمهور، وخروجهم عن الطرق العقلائية التي عليها المعوّل في قبول الأخبار، وأنهم يفقدون المبررات العقلية، والحجج الشرعية المعذّرة مع الله تعالى يوم العرض الأكبر ((يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)) (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النور الآية: 39.
(2) سورة الدخان الآية: 41.
-[ 120 ]-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:12 am

ما ينبغي للجمهور بعد ما تقدم
والأولى بهم نتيجة ما سبق أن يتفرغوا أولاً: لتمهيد قواعد قبول الحديث بالنحو المناسب للأدلة الشرعية، والعقلية المعول عليها عند العقلاء كافة، في جميع الأمور. ثم تطبيق تلك القواعد، والجري عليها، بشجاعة، في عملية انتقاء الأحاديث والعمل بها، مع التجرد عن جميع التراكمات والمسلمات، التي أفرزتها الخلافات والتعصبات، ونسجتها الأوهام التي ما أنزل الله بها من سلطان.

موقف الشيعة السليم
أما الشيعة فهم - بحمد الله تعالى - قد جَرَوُا على ذلك بطبيعتهم المبنية على التزام الدليل والوقوف عليه، فالباحث منهم لا يكون مجتهداً في عمل نفسه، ومرجعاً لغيره من عامة الناس في دينهم، إلا بعد أن يخرج بمحصلة كاملة في قواعد العمل بالحديث، وتعيين ما هو الحجة منه.
وهم لا يعتمدون في الجرح والتعديل إلا على مَن تمَّت الموازين العقلائية والشرعية على معرفته ودينه، بحيث يبتني جرحه وتعديله على مراعاة الواقع والشهادة به، مِن دون تدخُّل للهوى والتعصب الشخصي وغيرهما.
كما لا يعتمدون من كتب الحديث إلا على ما ألَّفَه مَن تسالموا على معرفته ودينه وورعه مِن دون أي قدح مسقط للوثوق به.
ثم هم لا يقطعون على صحة جميع أحاديث تلك الكتب، حتى لو عمل بها أصحابها وصححوها، بل لابد من النظر في أسانيدها ودلالتها، بمقتضى الضوابط التي يجري كل مجتهد حسب الأدلة التي اعتمدها.
وباب الاجتهاد عندهم في جميع ذلك مفتوح. ولا يشرع التقليد لهم إلا في حق العامي العاجز عن النظر في أدلة الأحكام.
-[ 121 ]-
كل ذلك بفضل أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم)، حيث أدبوهم فأحسنوا أدبهم، وعلموهم فأحسنوا تعليمهم، وسلكوا بهم سبل الاستدلال العلمي الرصين، حتى ألفوه، وتركز في نفوسهم، وعرفوا به، وعليه قام كيانهم.
و((الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَاوَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ)) (1). وله الشكر على ذلك أبداً واصبًا. وهو حسبنا، ونعم الوكيل. نعم المولى، ونعم النصير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:18 am

المطلب الثاني:
قولك في سؤالك هذا: "وهذا غير لازم لأهل السنة - أي الاعتماد على كتب الشيعة - لأنهم اكتفوا بالرواية عن الرسول (ص)، ولعدم قولهم بعصمة الأئمة".

ونقول: تذكر في كلامك هذا مبررين لعدم الاعتماد على كتب الشيعة..

اكْتفاء السنة برواياتهم لا يُبرِّر إعراضَهم عن أحاديث الأئمة (عليهم السلام)
المبرر الأول: اكتفاء جمهور السنة بما عندهم من الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
لكنّ هذا لا يصلـح مُبرِّراً لترك أحاديث الأئمة (عليهم السلام)، فإنّ أحاديثهم (عليهم السلام) مِن أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكما يجب الرجوع لأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي يرويها الجمهور عنه بطرقهم - إذا تمت شروط الحجية فيها - يجب الرجوع لأحاديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) التي يرويها الأئمة (عليهم السلام) عنه.
ولا معنى للاكتفاء ببعض أحاديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بعض، وإلا كان للشيعة أن يكتفوا بالأحاديث التي يروونها بطرقهم - بما في ذلك الأحاديث
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف الآية: 43.
-[ 122 ]-
التي يروونها عن الأئمة (عليهم السلام) - عن الأحاديث التي رواها الجمهور بطرقهم، وأودعوها في كتبهم إذا بلغت مرتبة الحجية سنداً ودلالة.
وما ندري كيف تدعي اكتفاء الجمهور بما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ الكثير منهم يضطرون - بسبب عدم وفاء الأحاديث النبوية التي عندهم بأحكام الوقائع الابتلائية - للعمل بأمور أخرى غير الأحاديث، كالقياس والاستحسان، وعمل أهل المدينة وغيرها؟!
بل قال أبو المعالي الجويني: "الذي ذهب إليه أهل التحقيق أنّ منكري القياس لا يُعَدَّوْن مِن علماء الأمة، ولا مِن حملة الشريعة، لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترًا، لأنّ معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشاره..." (1).

أَثَرُ رجوع الجمهور لأحاديث الأئمة (عليهم السلام)
وعلى أي حال يظهر الأثر لرجوع الجمهور لأحاديث الأئمة (عليهم السلام)..
1 ـ في المسائل التي ورد فيها الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن طرق الأئمة (عليهم السلام) ولم يرد فيها الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق الجمهور، حيث يتعين حينئذٍ الرجوع للأحاديث التي رواها الأئمة (عليهم السلام)، ولا يرجع للقياس والأصل ونحوهما مما يرجع إليه عند فقد النص.
2 ـ في المسائل التي ورد فيها الحديث من طريق الجمهور، وورد فيها الحديث من طريق الأئمة (عليهم السلام)، إذا كان الحديث الوارد من طريق الأئمة (عليهم السلام) صالحاً لتفسير الحديث الوارد من طريق الجمهور، ومُبيِّناً له على خلاف ما يظهر منه بَدْوًا، حيث يتعين حينئذٍ الجمع بين الحديثين، وتحكيم الحديث الوارد من طريق الأئمة (عليهم السلام)، لأنه مفسر وشارح للحديث الوارد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 105 في ترجمة داود بن علي.
-[ 123 ]-
من طريق الجمهور، كما هو الحال في سائر موارد ورود حديثين يصلـح أحدهما لتفسير الآخر.
3 ـ في المسائل التي ورد فيها الحديث من طريق الجمهور ومن طريق الأئمة (عليهم السلام) معًا، وكانا متعارضين متنافيين، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، ولا يكون أحدهما مفسراً للآخر، حيث يتعين حينئذٍ الأخذ بالراجح من الحديثين، ومع عدم الترجيح بينهما يتعين التوقف عنهما، ولا يعمل بالحديث الوارد من طريق الجمهور. نظير ما لو ورد من طريق الجمهور، حديثان متعارضان لا يمكن الجمع بينهما.
والحاصل: أنّ اشتمال كتب الحديث عند الجمهور على مجموعة من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطرقهم لا يبرر لهم الإعراض عن أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المروية من طريق أهل البيت (عليهم السلام) والموجودة في كتب الشيعة، فإنّ بعض الحق لا يكفي عن بعض، بل هو نظير اكتفاء الجمهور بأحاديث بعض كتبهم عن بعض.

الموازين العقلائية تَقْضِي بتقديم ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)
على أن استعراض الأحداث، والتدبر فيها، وفيما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقضي بتقديم ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على غيره، ولزوم الرجوع إليهم (عليهم السلام)، حيث قد تعرضت السنة النبوية في الصدر الأول قبل التدوين لمحن ومشاكل أوجبت ضياع الحق منها..

كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن المحن التي مُنِيَ بها الحديث الشريف
فقد ورد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال (عليه السلام) :
"إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذبًا، وناسخاً ومنسوخًا، وعاماً وخاصًّا، ومحكماً ومتشابهًا،
-[ 124 ]-
وحفظاً ووَهْمًا، ولقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده، حتى قام خطيبًا، فقال: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:
رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم، ولا يتحرج، يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمدًا. فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله. ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رأى وسمع منه، ولقف عنه، فيأخذون بقوله. وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك. ثم بقوا بعده (عليه وآله السلام)، فتقربوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا، إلا مَن عصم الله. فهو أحد الأربعة (1).
ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه، ولم يتعمد كذبًا. فهو في يديه يرويه، ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً يأمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء، ثم أمر به، وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ، ولم يحفظ الناسخ. فلو علم أنه منسوخ لرفضه. ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تقدم التعرض لهذا المقطع من كلامه (عليه السلام) في جواب السؤال الأول من هذه الأسئلة. كما تقدم منا التعليق عليه بما ينبغي الرجوع له والتدبر فيه. وإنما أعدناه هنا لتسهيل الإحاطة بمراده (عليه السلام) من كلامه بتمامه.
-[ 125 ]-
خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يهِم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه، ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ، فعمل به، وحفظ المنسوخ، فجنب عنه، وعرف الخاص والعام، فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه.
وقد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام له وجهان، فكلام خاص، وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، ولا ما عنى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيحمله السامع، ويوجهه على غير معرفة بمعناه، وما قصد به، وما خرج من أجله. وليس كل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كان يسأله ويستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله (عليه السلام) حتى يسمعوه. وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلا سألته عنه، وحفظته.
فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم" (1).
ويبدو أن سؤال السائل لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان نتيجة شيوع أحاديث البدع، واختلاف الخبر، بنحوٍ أوجب تحير السائل والتباس الأمر عليه، بحيث لا يستطيع تمييز الحق بنفسه، حتى رجع لأمير المؤمنين (عليه السلام) وسأله. كما يبدو من جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) أن عامة المسلمين في غفلة عن هذا الاختلاط والالتباس، فكلّ منهم يعمل بما وصل إليه من الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لحسن ظنه بمَن حدثه به من الصحابة، من دون أن يتسنى لهم التمييز بينهم، ومعرفة المنافق المتعمد للكذب من غيره، والواهم من غيره، والذي يروي الناسخ من الذي يروي المنسوخ.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 2: 188 ـ 191، واللفظ له. ينابيع المودة 3: 409.
-[ 126 ]-

أسباب المِحَن التي مُنِيَ بها الحديث الشريف
كل ذلك بسبب الحَجْر على الحديث النبوي، والمَنْع مِن تدوينه، ومِن الحديث به إلا في حدود ضيقة، تحت إشراف السلطة، وتبعاً لها، كما أشرنا إليه في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة.
وبسبب ما هو المعلوم مِن عدم انتشار كبراء الصحابة وصلحاءهم في البلدان إلا ضمن رقابة مشددة، لا يأخذون معها حريتهم في نشر حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إما لمجافاتهم للسلطة القائمة وعدم تعاونهم معها، أو لتخوّفها منهم، حتى حجرت عليهم، خصوصاً في عهد عمر حيث منعهم من الانتشار في البلاد. وكان اعتماد السلطة وتعاونها مع كثير من المنافقين والمؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح ونحوهم، كما تضمنه كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم، وتقدمت الإشارة إليه في جواب السؤال الرابع من هذه الأسئلة.
كل ذلك أوجب اختلاط الأوراق والتباس الحق بالباطل، وضياع الأمر على المسلمين، فكان عامتهم يعملون بكل ما وصل إليهم، ويعتقدون صدقه غفلة عن حقيقة الحال، وقد أدرك بعض الخاصة ذلك، فبقي متحيراً قد خفيت عليه معالم الحق، حتى اضطر للسؤال.
هذا كله في الصدر الأول بعد مضي أقل من ثلاثة عقود من السنين على وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والصحابة متوافرون، وفيهم العدد الكثير من أهل الورع والمعرفة، وقد أخذوا حريتهم في بيان الحقيقة، وفي نشر الحديث الصادق عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما ضعفت سيطرة السلطة في أواخر عهد عثمان، وخصوصاً في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان عهده عهد انتصارهم، وانتصار أفكارهم التي يحملونها ويؤمنون بها، كما تقدم في جواب السؤال الرابع.
-[ 127 ]-

بَدْءُ محاولة التصحيح وإيضاح الحق في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)
وليت الأمر وقف على ذلك، ليبدأ التصحيح وبيان الحق في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) منه (عليه السلام) ومن أهل البيت (عليهم السلام) ومن المستحفظين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين أخذوا منهم، وحدثوا عنهم، والذين كان لهم - بسبب ما عرفوا به من صدق اللهجة - الأثر المهم بعد ذلك في التنبيه للحق والتذكير به، حيث حملوه وحفظوه ووعوه، وحدثوا به ونشروه، ودعوا له، وروجوه، على شدة المحنة، وطول المدة، وما عانوه من قسوة مواقف السلطة، وعامة الناس الذين تأثروا بتثقيفها وإعلامها.
نظير من ذكرهم الجوزجاني في كلامه المتقدم عن بعض الشيعة، ممّن لا يرتضي هو ولا النواصب مذهبهم، حيث قال: "كان من أهل الكوفة قوم لا يحمد الناس مذاهبهم. هم رؤوس محدثي الكوفة. مثل أبي إسحاق،ومنصور، وزبيد بن الحارث اليامي، والأعمش، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس لصدق ألسنتهم في الحديث".

الانتكاسة بمقتل أمير المؤمنين وإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عن الحكم
أقول: ليت الأمر وقف على ذلك، ليتم التصحيح وبيان الحق بجهود هؤلاء،غير أن الأمر لم يطل حتى انطوى عهد حكم أهل البيت (عليهم السلام)، وجاء عهد معاوية الذي هو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :
"ظاهِر غَيُّه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحكيم بخلطته" (1).
وقد جاء ليعلن - بكل صلافة وصفاقة وجه - عن استهتاره في أول خطبة له بعد استيلائه على أمور المسلمين في النخيلة، قبل أن يدخل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 3: 64.
-[ 128 ]-
الكوفة، حيث قال:
"ما قاتلتُكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا- وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك- ولكن إنما قاتلتُكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون" (1).

عهْدٌ جديد في تحريف السنة النبوية وتضييع الكثير منها
وجاء عهد جديد في تحريف السنة النبوية، بدأ بخطبته في أهل الشام حينما رجع من الكوفة بعد اجتماع الناس عليه، حيث قال: "أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي: إنك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدسة، فإن فيها الأبدال. وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب" فلعنوه.
فلمّا كان من الغد كتب كتابًا، ثم جمعهم فقرأه عليهم. وفيه: "هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبيًّا، وكان أمّيّاً لا يقرأ ولا يكتب، فاصطفى له مِن أهله وزيراً كاتباً أمينًا، فكان الوحي ينزل على محمد، وأنا أكتبه، وهو لا يعلم ما أكتب. فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه".
فقال الحاضرون كلهم: صدقت يا أمير المؤمنين (2).

عود التحجير على الحديث النبوي
وأدبر عهد الصحابة، وعادوا للانكماش في هذا العهد الأسود، وانحسر نشاطهم في التثقيف الصحيح، وخمد صوتهم، وأخفيت كثير من الحقائق فقد جرى معاوية على سنن الماضين في التحجير على الحديث
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المصنف لابن أبي شيبة 6: 187 كتاب الأمراء: ما ذكر من حديث الأمراء والدخول عليهم، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 3: 147 في ترجمة معاوية بن أبي سفيان. شرح نهج البلاغة 16: 46. تاريخ دمشق 59: 150 في ترجمة معاوية بن صخر أبي سفيان ابن حرب بن أمية. البداية والنهاية 8: 131 أحداث سنة ستين من الهجرة النبوية: وهذه ترجمة معاوية وذكر من أيامه وما ورد في مناقبه وفضائله.
(2) شرح نهج البلاغة 4: 72.
-[ 129 ]-
النبوي الصحيح.
ومِن كلامه:
"يا ناس أَقِلُّوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنْ كنتم تتحدثون فتحدَّثوا بما كان يُتحدَّث به في عهد عمر..." (1).
بل رجعت الفتنة إلى أوج طغيانها، وشدة شراستها.
كما يظهر بمراجعة ما تقدم في جواب السؤال الرابع من هذه الأسئلة، عند التعرض لمواقف الصحابة في نصرة أمير المؤمنين وأهل البيت (صلوات الله عليهم) وما قاموا به وما عانوه بعد مقتله (عليه السلام) في العهد الأموي.

حملة التثقيف بالأحاديث الموضوعة
ثم جاءت حملة التثقيف العام بالأحاديث الموضوعة، والمنع عن ذكر الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البيت (صلوات الله عليهم).
تلك الحملة التي تقدم التعرض لها في جواب السؤال الأول من هذه الأسئلة، والتي ذكرها الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام)، والمدائني، ونفطويه. فراجع تفصيل ذلك هناك.

تدوين السنة بعد انتشار الأحاديث الموضوعة
ولم تدوَّن السنة عند الجمهور إلا في عهد عمر بن عبدالعزيز، تحت إشراف السلطة طبعًا، وبعد مدة طويلة من انتشار الأحاديث الموضوعة، قبل حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده، وبعد أن رواها الديّانون، واعتقدوا أنها حقًّا، لشيوعها وكثرة رواتها، كما سبق عن الإمام الباقر (عليه السلام)، والمدائني، ونفطويه والإسكافي.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) كنز العمال 10: 291 حديث:29473، واللفظ له. المعجم الكبير 19: 370 فيما رواه عبد الله ابن عامر اليحصبي القارئ عن معاوية.
-[ 130 ]-

النتائج الطبيعية لما سبق
أترى بعد كل ذلك كيف يكون أمر السنة الشريفة، وكم ضاع منها في الفترات المتعاقبة، أو ضُيِّع؟
وكم ظهر منها مُحَرَّفاً نتيجة وَهْم الرواة عن حسن نية، أو نتيجة تعمُّد المضللين والمنافقين؟
وكم كان مما ظهر منها منسوخاً قد خفي نسخه؟
وكم ظهر منها معارضاً بما يناقضه من الموضوعات، بحيث يلتبس الأمر فيها على الناس؟
وما مقدار ما ظهر منها سالماً من جميع ذلك؟
وكيف يمكن التمييز، ومعرفة الحق في ذلك كله؟
وكيف يكون عمل الناس في الأمور التي يتعرضون لها، ويحتاجون فيها لمعرفة تعاليم دينهم وأحكامه؟
وكذا الحال في الوقائع المتجددة بعد عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي لم يرد فيها لعامة الناس سنة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرجع إليها ويعمل بها.
هذا كله في فترة قصيرة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تبلغ قرناً من الزمن.

مشاكل ما بعد تدوين السنة النبوية الشريفة
أما بعد التدوين فما أكثر المشاكل والمحن التي تعرض لها الحديث النبوي الشريف، والتي لا نستوفيها مهما أسهبنا في الموضوع..

امتناع أصحاب كتب الحديث عن تدوين كثير مما رووه
1 ـ فما أكثر ما تَرَكَ حَمَلَةُ الحديث ومَن دوَّنوه كثيراً مِن الحديث الذي رووه لم يدوّنوه.
فقد تقدم في أواخر الكلام حول أصول الحديث المعتمدة عند الجمهور عن أحمد بن حنبل أنه انتقى مسنده من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث.
وقد ذكر أبو علي الغساني عن البخاري أنه قال: "خرجت الصحيح
-[ 131 ]-
من ستمائة ألف حديث" (1).
وقال الإسماعيلي عنه أيضاً: "لم أخرج في الكتاب إلا صحيحًا. وما تركت من الصحيح أكثر" (2).
وقال إبراهيم بن معقل: "سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول" (3).
وورد عن البخاري أيضاً أنه قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح" (4).
مع أن كتابه لم يتضمن إلا تسعة آلاف واثنين وثمانين حديثاً بما فيه المكرر (5).
وعن أبي بكر بن داسة أنه قال: "سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب (يعني:كتاب السنن) جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثماني مائة حديث.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة فتح الباري 1: 7.
(2) سير أعلام النبلاء 12: 471 في ترجمة أبي عبدالله البخاري، واللفظ له. تغليق التعليق 5: 426 فصل في ترجمة البخاري والتعريف بقدره وجلالته وذكر نسبته و نسبه ومولده وصفته: فصل في بيان شرطه فيه وما اتصل بذلك من قصته مع الذهلي. مقدمة فتح الباري 1: 7.
(3) مقدمة فتح الباري 1: 7، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 10: 96 في ترجمة الإمام الشافعي. تهذيب التهذيب 9: 42 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. تهذيب الكمال 24: 442 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. تاريخ بغداد 2: 9 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. وغيرها من المصادر.
(4) التقييد: 33، واللفظ له. تذكرة الحفاظ 2: 556 في ترجمة البخاري. سير أعلام النبلاء 12: 415 في ترجمة أبي عبدالله البخاري، 24: 461 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. تاريخ بغداد 2: 25 في ترجمة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. وغيرها من المصادر.
(5) مقدمة فتح الباري 1: 465 في آخر الفصل العاشر في عد أحاديث الجامع.
-[ 132 ]-
ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه..." (1).
وروى البيهقي: أن أبا زرعة قد حفظ ستمائة ألف حديث (2).
وذكر صالـح بن محمد عن أبي زرعة أنه قال: "أنا أحفظ عشرة آلاف حديث في القراءات..." (3).
وعن أحمد بن حنبل: "صحّ من الحديث سبعمائة ألف وكسر" (4)، مع أنّ الموجود أقل من ذلك بكثير جدًّا... إلى غير ذلك مما لا يسعنا استقصاؤه.

ما هي معايير الانتقاء؟
ويا ترى كيف كانت معايير الانتقاء؟
وما هو المُؤَمِّن مِن اشتمال كثيرٍ ممّا تُرِك وأُهْمِل على الحق، وأنْ يكون قد أُهمِل لعدم ملاءمته لميول المدوِّنِين وأهوائهم، وميول العامة الذين كانوا يجارونهم، خصوصاً بعد ما سبق من الحديث عنهم.
ولنذكر مثالاً واحداً من ذلك، ليتضح مدى تلاعب الأهواء بالحديث، قال الخلال: "وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا مهنى، قال سألت أحمد. قلت: حدثني خالد بن خداش. قال: قال سلام. وأخبرني محمد بن علي. قال: ثنا يحيى قال: سمعت خالد بن خداش قال: جاء سلام بن أبي مطيع إلى أبي عوانة، فقال:
هات هذه البدع التي قد جئْتَنا بها مِن الكوفة.
قال: فأخرج إليه أبو عوانة كتبَه.
فألقاها في التنور.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 13: 209، 210 في ترجمة أبي داود.
(2)، (3) تهذيب التهذيب 7: 30، 29 في ترجمة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ.
(4) تهذيب التهذيب 7: 30 في ترجمة عبيدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 13: 69 في ترجمة أبي زرعة الرازي. تهذيب الكمال 19: 96 في ترجمة عبيدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ، وغيرها من المصادر.
-[ 133 ]-
فسألت خالداً: ما كان فيها؟
قال: حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : استقيموا لقريش. وأشباهه.
قلت لخالد: وأيش؟
قال: حديث علي:
[أنا قسيم الجنة والنار].
قلت لخالد: حدثكم به أبو عوانة عن الأعمش؟
قال: نعم. إسناده صحيح. وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سلام بن أبي مطيع من الثقات من أصحاب أيوب. وكان رجلاً صالحًا، حدثنا عنه عبد الرحمن بن مهدي.
ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتاباً فيه معايب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه بلايا، فجاء إليه سلام بن أبي مطيع، فقال: يا أبا عوانة أعطني ذلك الكتاب، فأعطاه، فأخذه سلام، فأحرقه. إسناده صحيح" (1).
2 ـ ثم ما أكثر ما تركوا الرواية عن بعض حملة الحديث لا لعدم وثاقتهم، بل لمخالفتهم لهم في المذهب والهوى.
ولنذكر مثالاً واحداً لذلك. ففي حديث الجراح بن مليح قال: "سمعت جابراً يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلها" (2).
ويقول محمد بن عمر الرازي: "سمعت جريراً يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه، كان يُؤْمِن بالرجعة" (3).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) السنة للخلال 3: 510 في التغليظ على من كتب الأحاديث التي فيها طعن على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
(2) صحيح مسلم 1: 20 باب: بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة، واللفظ له. ميزان الاعتدال 2: 107 في ترجمة جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي. الضعفاء للعقيلي 1: 193 في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي. وغيرها من المصادر.
(3) صحيح مسلم 1: 20 باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة، واللفظ له. ميزان الاعتدال 2: 104 في ترجمة جابر بن يزيد ابن الحارث الجعفي. الضعفاء للعقيلي 1: 192 في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي. وغيرها من المصادر.
-[ 134 ]-
ومِن المعلوم أنّ الإيمان بالرجعة ليس مِن شواهد الكذب، وإنما هو عقيدة مستمدة مِن أدلة وأحاديث لا يعجبه التصديق بها، وقد اختص بها طائفة تخالفه في المذهب والهوى.

الضغط على أهل الحديث من السلطان والعامة
3 ـ وأيضاً ما أكثر ما مُنِع أصحاب الحديث مِن الحديث، أو ضويقوا، لا لكذبهم، بل لعدم ملاءمة أحاديثهم لهوى السلطان أو العامة. ويكفينا حديث عيسى بن يونس: "ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة. فإنه حدثنا بهذا الحديث: قال علي:
[أنا قسيم الجنة والنار].
فبلغ ذلك أهل السنة، فجاؤوا إليه، فقالوا: أتحدث بأحاديث تقوي بها الروافضة والزيدية والشيعة.
فقال: سمعته، فحدثت به.
فقالوا: فكل شيء سمعته تحدث به! قال: فرأيته خضع ذلك اليوم" (1).
ويبدو أنّ تلك المضايقات اضطرت الأعمش للتراجع عن الحديث، يقول أبو بكر بن عياش: "قلت للأعمش: أنت حين تحدث عن موسى بن ظريف عن عباية عن علي:
[ أنا قسيم الجنة والنار]!
قال: فقال: والله ما رويته إلا على جهة الاستهزاء. قال: قلت حمله الناس عنك في الصحف، وتزعم أنك رويته على جهة الاستهزاء" (2).
ويقول الذهبي: "قال شبابة: حدثنا ورقاء، قال: انطلقت أنا ومسعر
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الضعفاء للعقيلي 3: 416 في ترجمة عباية بن ربعي الأسدي، واللفظ له. لسان الميزان 3: 247 في ترجمة عباية بن ربعي.
(2) الضعفاء للعقيلي 3: 416 في ترجمة عباية بن ربعي الأسدي، واللفظ له. لسان الميزان 3: 247 في ترجمة عباية بن ربعي. ميزان الاعتدال 4: 56 في ترجمة عباية بن ربعي. العلل المتناهية 2: 945.
-[ 135 ]-
إلى الأعمش نعاتبه في حديثين: أنا [قسيم الجنة والنار]، وحديث آخر: [فلان كذا وكذا على الصراط].
فقال: ما رويت هذا قط. وقال الخريبي: كنا عند الأعمش. فجاءنا يوماً وهو مغضب فقال: ألا تعجبون، موسى بن طريف يحدث عن عباية عن علي قال: [أنا قسيم الجنة والنار]" (1).
وفيما تقدم من مواقفهم من فضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومناقبهم، ومثالب أعدائهم، الكثير مما يناسب ذلك.
4 ـ ثم ما أكثر كتب الحديث التي تَلَفَت نتيجة الإهمال والآفات والطوارئ، كالحريق والحروب وغيرها، كما يظهر بأدنى ملاحظة لكتب التاريخ والتراجم، ومن الطبيعي أن يكون قد ضاع بسبب ذلك حديث كثير جدّاً قد دون فيها، ولم يدون في غيرها.
بل قد أَتْلَفَ بعضُ المحدثين كتبَهم لمختلف الدواعي. ولنذكر مثالاً واحداً من ذلك، فقد قال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: "بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن: ابعث إليّ بكتب أبيك، فبعث إليّ: إنه لما ثقل قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها. فقال للخادم: استجري التنور، ثم أمر بها فأحرقت، غير صحيفة واحدة، فبعث بها إليّ..." (2).
والحديث في ذلك طويل لا يسعنا استقصاؤه. ويسهل التعرف عليه للباحث، خصوصاً بعد أن أفاضت في الحديث عنه بعض الكتب التي صدرت وانتشرت في هذه الأيام.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الاعتدال 4: 55 ـ 56 في ترجمة عباية بن ربعي، واللفظ له. لسان الميزان 3: 247 في ترجمة عباية بن ربعي.
(2) الطبقات الكبرى 7: 175 في ترجمة الحسن بن أبي الحسن واسم أبي الحسن يسار، واللفظ له. سير أعلام النبلاء 4: 584 في ترجمة الحسن البصري.
-[ 136 ]-
5 ـ أضف إلى ذلك محنة الحديث الشريف في ضوابط الجرح والتعديل والتضعيف والتصحيح التي أطلنا الكلام فيها في القسم الأول من الجواب عن هذا السؤال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:23 am

لابد مِن حلٍّ للمشكلة من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
وبعد كل هذا لا ريب في أن الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عالمان بما يؤول إليه أمر الأمة من الاختلاف والتفرق، والفتنة والحيرة، وقد أعلما بذلك في كثير من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، كما أنهما عالمان بما يؤول إليه أمر السنة الشريفة من الضياع والتحريف والالتباس، نتيجة العوامل المختلفة التي أشرنا إلى بعضها.
أضف إلى ذلك ما يؤول إليه أمر المسلمين على الأمد البعيد، وفي القرون المتعاقبة، نتيجة حصول المستجدات، وتطور الفكر الإنساني، ونزوع الطبيعة البشرية للتحلل من قيود الماضي، والتكيف مع الحاضر، وعدم استقرار الأمور بمجملها على حال، حيث يتعرض المسلمون بسبب ذلك للتحلل من قيود الدين أو التخفيف منها، ولو بتحوير الدين، وتحريف نصوصه، وتفسيرها بما يناسب ذلك.
فهل يمكن مع كل ذلك أن يهمل الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر، ويتركا الدين والأمة من دون أن يضعا حلاً لهذه المشاكل ومخرجاً منها؟!
ولاسيما مع ما هو المعلوم من أن هذا الدين خاتم الأديان، ونبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء، فلا ينتظر أن يكون الحلّ بوحي جديد من السماء، بل لابد أن يكون من ضمن هذا الدين القويم، وفي جملة تشريعاته الرفيعة، التي بلغ بها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولا أظن أحداً يملك شيئاً من الإنصاف يشك - بعد التفاته لذلك-
-[ 137 ]-
في الحاجة لحلّ هذه المشاكل، لتفادي السلبيات والمضاعفات الخطيرة التي تنشأ عنها. بل هي حاجة تبلغ حدّ الضرورة القصوى، ولاسيما بعد ملاحظة واقع المسلمين اليوم، وشدة اختلافهم في الدين، في الأصول والفروع، وعجزهم عن الحل بأنفسهم. حيث يتجلى حجم المشكلة، وأهميتها. وشدة الحاجة لحلها.

لا حَلَّ للمشكلة إلا بتعيين مَرْجِعٍ للأمة مِن قِبَل الله تعالى

ولا حلّ لذلك إلا بتعيين الله تعالى للناس عَلَماً في جميع العصور يرجعون إليه في دينهم، عالماً به على حقيقته، من أجل أن يوضح معالمه، ويرفع الخلاف فيه، ويمنع من تحويره وتحريفه، ليكون المسلمون على بينة من أمرهم، وبصيرة من دينهم، وتقوم به لله تعالى الحجة البالغة على الناس. ولم يقل أحد بذلك إلا في حق الأئمة من أهل البيت (صلوات الله عليهم).
وقد سبقنا إلى ذلك الإمام أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين صلوات الله عليه في كلام له رواه ابن حجر الهيتمي، حيث يقول (عليه السلام) : "وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن، فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر.. فإلى مَن يَفْزَع الى خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام هذه الملة، و دانت الأمة بالفرقة والاختلاف، يكفر بعضهم بعضًا، والله تعالى يقول: ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ))فمَن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلى [إلا. ظ] أهل الكتاب، وأبناء ائمة الهدى ومصابيح الدجى، الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله
-[ 138 ]-
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وبَرَّأهم من الآفات، وافترض مودتهم في الكتاب؟!" (1).
وتلك هي سنة الله تعالى في دينه، لم يكتف في الأديان السابقة بإرسال مُشَرِّعِيها مِن الأنبياء أولي العزم صلوات الله عليهم، بل تعاهد تلك الأديان على مرّ الزمن بمَن يحملها ويعلم بها حقيقتها ويحميها مِن التحريف والضياع، ويكون مرجعاً لأهلها وحجة عليهم في دينهم، من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
وقد روي أن آدم (عليه السلام) أوصى الى ولده شيث (عليه السلام) - (2)، وأوصى شيث إلى مَن بعده مِن ولده، ثم استمرت الوصية في ولد آدم إلى أن انتهت إلى نوح (عليه السلام) - (3).
وكذلك أوصى موسى (عليه السلام) الى يوشع بن نون (عليه السلام) (4)، فكان هو
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الصواعق المحرقة 2: 444 الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبوي: الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم: الآية الخاصة ((واعتصموا بحبل الله جميعًا)). واللفظ له. ينابيع المودة 2: 368.
(2) الطبقات الكبرى 1: 37، 38 ذكر من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنبياء. تاريخ الطبري 1: 96، 100 ذكر ولادة حواء مثبتاً ـ ص:102 ذكر وفاة آدم (عليه السلام) ـ: 518 ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده. تفسير القرطبي 6: 140. تفسير البغوي 2: 31. شذرات الذهب 2: 108 نقلاً عن السيوطي في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة. تهذيب الأسماء 1: 236. العظمة 5: 1602. تاريخ دمشق 23: 271 في ترجمة شيث ويقال شيث بن آدم واسمه هبة الله. الكامل في التاريخ 1: 47 ذكر شيث بن آدم عليه السلام، ذكر عقب شيث. مسائل الإمام أحمد 1: 12 ذكر ترتيب كبار الأنبياء. وغيرها من المصادر
(3) تاريخ الطبري 1: 101، 102 ذكر وفاة آدم عليه السلام ـ: 109 ثم رجعنا إلى ذكر اخنوخ وهو إدريس عليه السلام. الطبقات الكبرى 1: 38، 40 ذكر من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنبياء. تاريخ دمشق 62: 241 في ترجمة النبي نوح بن لمك بن متوشلخ.... العظمة 5: 1602، 1604.
(4) مجمع الزوائد 9: 113. كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه: باب فيما أوصى به رضي الله عنه. المعجم الكبير 6: 221 فيما رواه أبو سعيد عن سلمان رضي الله عنه. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 615 ومن فضائل علي رضي الله عنه من حديث أبي بكر بن مالك عن شيوخه غير عبد الله. تاريخ دمشق 430: 395 في ترجمة عبد الله ويقال عتيق بن عثمان بن قحافة... ابو بكر الصديق ـ 21: 175 في ترجمة النبي موسى بن عمران بن بصهر بن قاهت... تفسير الطبري 2: 596. تاريخ الطبري 1: 271 ذكر أمر بني إسرائيل والقوام الذين كانوا بأمرهم... وغيرها من المصادر.
-[ 139 ]-
القائم بعده في بني إسرائيل وجميع من اعتنق دين الله تعالى، وقام بعد يوشع كالب بن يوقنا (1)، وتعاقبت الأوصياء من بعده (2)، وأوصى داود (عليه السلام) إلى ابنه سليمان (عليه السلام)، وأقامه مقامه (3).
كما أوصى عيسى (عليه السلام) إلى مَن بعده في الفترة التي بينه وبين نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قيل إنّ بعض المسلمين أدركوا بعض أوصيائه (4).
بل روي أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إلى آدم:"إني قد استكملتُ نبوتك وأيامك فانظر الاسم الأكبر وميزان علم النبوة فادفعه إلى ابنك شيث، فإني لم أكن لأترك الأرض إلا وفيها عالم يدل على طاعتي وينهى
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 15: 115. تفسير الطبري 2: 596. تاريخ دمشق 50: 908 في ترجمة كالب ابن يوقنا بن بارص... تاريخ الطبري 1: 271، 272 أمر بني إسرائيل والقوم الذين كانوا بأمرهم....
(2) مسائل الإمام أحمد 1: 12 ذكر ترتيب كبار الأنبياء. تفسير الطبري 2: 596، 597. تاريخ الطبري 1: 271، 272 ذكر أمر بني إسرائيل والقوم الذين كانوا بأمرهم....
(3) تاريخ اليعقوبي 1: 56 عند ذكر داود عليه السلام.
(4) تاريخ دمشق 21: 378 ـ: 459 في ترجمة سلمان بن الإسلام أبو عبد الله الفارسي. سير أعلام النبلاء 1: 512 قصة سلمان الفارسي. ميزان الإعتدال 4: 257 في ترجمة سلمان الخير أبو عبد الله بن الإسلام. تهذيب التهذيب 4: 121 في ترجمة سلمان الخير أبو عبد الله بن الإسلام. تهذيب الكمال 11: 248 ـ 255 في ترجمة سلمان الخير الفارسي أبو عبد الله بن الإسلام: تاريخ بغداد 1: 164 في ترجمة سلمان الفارسي. صفوة الصفوة 1: 555 ذكر وفاة سلمان رضي الله عنه. الإصابة 1: 489 في ترجمة جعونة ابن نضلة الأنصاري. 3: 141 في ترجمة سلمان أبو عبد الله الفارسي. وغيرها مصادر.
-[ 140 ]-
عن معصيتي" (1).
وعلى ذلك إجماع شيعة أهل البيت، تبعاً لما رووه مستفيضًا، بل متواتراً عن النبي (ص) والأئمة من آله صلوات الله عليهم أجمعين.
ومن الظاهر أن الاسلام العظيم أولى بالرعاية والحماية بعد أن كان خاتم الأديان ونبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء، ولا ينتظر بعده وحي جديد يكون به تصحيحه وتوضيحه على حقيقته.

أدلة مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) للأمة
ولو كابر المكابر مع كل ذلك، ونفى الحاجة إلى نصب المرجع في الدين من قِبَل الله تعالى، مُدّعياً كفاءة الأمة، واكتفاءها بنفسها، أو رضا الله تعالى لها بالاختلاف والتفرُّق، كفانا حجة عليه ما ورد في مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) للأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)..
1 ـ كحديث الثقلين المشهور، على اختلاف ألْسِنَتِه التي تضمنتها طرقه الكثيرة، والتي تبلغ حد التواتر، بل تزيد عليه. وقد تقدم توضيح دلالته في جواب السؤال السادس من الأسئلة السابقة. وإن كانت هي من الوضوح بحيث لا تحتاج للتوضيح.
2 ـ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق" (2).
حيث لا ريب في الكناية بذلك عن أن النجاة إنما تكون بالاهتداء بهديهم، والهلاك إنما يكون بالإعراض عنهم وتركهم.
3 ـ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "النجوم أمان لأهل الأرض مِن الغرق، وأهل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) العظمة 5: 1602.
(2) تقدمت مصادره في جواب السؤال الرابع في 2: 181.
-[ 141 ]-
بيتي أمان لأمتي مِن الاختلاف..." (1).
فإنّ الأمان بهم مِن الاختلاف ليس إلا لكونهم مَرْجِعاً في موارد الشك والحيرة. وحيث كان الاختلاف متوقعاً في كل عصر، فلابد مِن أن يكون فيهم في كل عصر مَن يكون أماناً مِن الاختلاف لو رَجَع الناسُ إليه، واعتصموا به.
4 ـ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "مَن أحبّ أنْ يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربي، قضباناً مِن قضبانها غرسها بيده - وهي جنة الخلد - فَلْيَتَوَلَّ عليّاً وذريتَه مِن بعده، فإنهم لن يُخْرِجُوكم مِن باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة" (2).
فإنّ القطع عليهم (عليهم السلام) بأنهم لن يخرجوا الأمة من باب هدى، ولن يدخلوها باب ضلالة، راجع إلى ملازمتهم للحق ومعرفتهم به، بحيث لا يخطؤونه، فيتعين الرجوع لهم من أجل معرفته والوصول إليه.
ونظيره حديث زيد بن أرقم، إلا أن فيه: "فليَتَوَلَّ عليَّ بن أبي طالب، فإنه لن يخرجكم..." (3). وإذا كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مرجع
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 162 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 174 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). مسند الروياني 2: 253 فيما رواه أياس بن سلمة عن أبيه. المعجم الكبير 7: 22 فيما رواه أبو مريم عبدالغفار بن القاسم عن إياس بن سلمة. موضح أوهام الجمع والتفريق 2: 463. نوادر الأصول في أحاديث الرسول 3: 61 الأصل الثاني والعشرون والمائتان. الفردوس بمأثور الخطاب 4: 311. المجروحين 2: 236 في ترجمة موسى بن عبيدة بن نسطاس الربذي. كشف الخفاء 2: 177، 435. فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 671. وغيرها من المصادر.
(2) كنز العمال 11: 611 حديث:32960، واللفظ له. الإصابة 2: 587 في ترجمة زياد بن مطرف. تاريخ دمشق 42: 240 في ترجمة علي بن أبي طالب.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 139 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه)، واللفظ له. مجمع الزوائد 9: 108 كتاب المناقب: باب مناقب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : باب قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كنت مولاه فعلي مولاه. تاريخ دمشق 42: 242 في ترجمة علي بن أبي طالب. المعجم الكبير 5: 194 فيما رواه ثوير بن أبي فاختة عن زيد بن أرقم. حلية الأولياء 1: 86 في ترجمة علي بن أبي طالب، 4: 174 في ذكر بقية أصحاب عبدالله بن مسعود،: 349 ـ 350 في ترجمة أبي اسحاق عمرو بن عبدالله السبيعي. لسان الميزان 2: 34 في ترجمة بشر ابن مهران الخصاف. التدوين في أخبار قزوين 2: 485. ميزان الاعتدال 2: 38 في ترجمة بشر بن مهران. وغيرها من المصادر.
-[ 142 ]-
للأمة كفى في مرجعية الأئمة مِن ولده مِن بعده النصوص الواردة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنه (عليه السلام) في تعيينهم (عليهم السلام).
5 ـ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "في كُلِّ خَلَفٍ مِن أمّتي عُدُولٌ مِن أهل بيتي، يَنْفُون عن هذا الدِّين تحريفَ الغالِين، وانْتِحَالَ المُبْطِلِين، وتأويلَ الجاهلين. ألا وإنّ أئمتكم وَفْدكم إلى الله تعالى، فانظروا مَن تُوفِدُون" (1).
فإنه صريح في أنهم (عليهم السلام) المرجع للتمييز بين الحق والباطل، وتصحيح تعاليم الدين الحنيف من الشوائب التي تطرأ عليه، نتيجة التحريف المتعمد، والخطأ غير المتعمد.
6 ـ وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "إني وأَطَائِب أَرُومَتِي وأبْرَار عِتْرَتِي أَحْلَم الناس صغارًا، وأعلم الناس كبارًا، بِنَا يَنْفِي اللهُ الكذب، وبنا يعقر الله أنيابَ الذئب الكلب، وبنا يفكّ الله عنوتكم، وينزع ربق أعناقكم، وبنا يفتح الله ويختم" (2)... إلى غير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــ
(1 ) ينابيع المودة 2: 113ـ 114، واللفظ له،: 366، 439. الصواعق المحرقة 2: 441، 442، 676. جواهر العقدين في فضل الشرفين: القسم الثاني 1: 91 الرابع: ذكر حثه (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمة على التمسك بعده بكتاب ربهم وأهل بيت نبيهم وأن يخلفوه فيهما بخير...، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 17 ذكر إخباره أنهم سيلقون بعده أثرة والحث على نصرتهم وموالاتهم.
(2) كنز العمال 13: 130 حديث:36413.
-[ 143 ]-
وهو المناسب لتطهيرهم مِن الرجس، الذي تضمنه قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) (1). فإنّ الخطأ في الدين مِن أعظم الرجس... إلى غير ذلك مما تضمنه الكتاب المجيد والسنة الشريفة.
وقد أطال فيه علماؤنا الأعلام (قدس الله أسرارهم). وقد تضمن كتاب المراجعات الواسع الانتشار للمرحوم المجاهد البحاثة السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره) الكثير من ذلك.
ومثل ذلك ما ورد في حق أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مِن أنه مع الحق، والحق معه، وأنه عَيْبَة علْم النبي ووارثه، وباب مدينته... إلى غير ذلك مما تقدم في جواب السؤال الرابع والسادس والسابع من هذه الأسئلة وغيرها. مع ما هو المعلوم لمَن آمن له بذلك بأنه قد أَوْرَثَ الأئمةَ مِن ذرِّيَّتِه علْمَه، فهو باق فيهم (صلوات الله عليهم).
مضافاً إلى ما يأتي في جواب السؤال التاسع من أدلة بقاء الإمامة فيهم وعدم خروجها عنهم.

بولاية أهل البيت (عليهم السلام) كمال الدين وتمام النعمة
ومِن ثم كان بولايتهم كمال الدين، وتمام نعمة التشريع من رب العالمين، اللذين تضمنهما قوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)) (2)، حيث تقدم عند الكلام في حديث الغدير - في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة - الأحاديث الدالة على نزولها في المناسبة المذكورة.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب الآية: 33.
(2) سورة المائدة الآية: 3.
-[ 144 ]-

موقف الجمهور مِن أهل البيت (عليهم السلام)
أما الجمهور فهم مع روايتهم ذلك كله أَعْرَضُوا عنه جملةً وتفصيلاً، وفَرَضُوا قناعاتهم مسبقًا، وجعلوها مرجعاً في تمييز الحق والباطل، وتركوا أهل البيت (صلوات الله عليهم) وراءهم ظهريًّا.

كلام الجوزجاني في المقام
قال الجوزجاني: "وكان قومٌ مِن أهل الكوفة لا يحمد الناس مذاهبهم، هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، ومنصور، والأعمش، وزبيد بن الحارث اليامي، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث... فإذا روى تلك الأشياء التي إذا عرضها الأمة على ميزان القسط - الذي جرى عليهم [عليه.ظ] سلف المسلمين وأئمتهم الذين هم الموئل - لم تتفق عليه، كان الوقف في ذلك عندي الصواب، لأنّ السلف أعلم بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأويل حديثه الذي له أصل عندهم.
وقال وهب بن زمعة: سمعت عبدالله يقول: إنما أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق. قال إبراهيم وكذلك حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير: سمعت مغيرة يقول غير مرة: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا. قال إبراهيم: وكذلك عندي من بعدهم إذا كانوا على مراتبهم من مذموم المذهب وصدق اللسان" (1).

تعقيب كلام الجوزجاني ونقْده
فهو في الوقت الذي يعترف فيه بصدق لسان هؤلاء يتوقف عن أحاديثهم إذا لم تتناسب مع ما عليه سلف المسلمين وأئمتهم. لأنه قد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أحوال الرجال: 78 ـ 81.
-[ 145 ]-
فرض أولئك السلف المرجع في معرفة الدين، والأعلم بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأويل حديثه، ولا يريد بهم إلا مَن هُم على خلاف خطّ أهل البيت (صلوات الله عليهم) ممّن تقدَّمَ عليهم، وجرى على ذلك.
ونتيجة لذلك لابد أن يكون هؤلاء النفر مِن رواة أهل الكوفة مذمومي المذهب، وأن يكونوا قد أفسدوا حديث أهل الكوفة، مع الاعتراف لهم بصدق اللسان.
وهل هناك أطرف من أن يكون أهل صدق اللسان قد أفسدوا بأحاديثهم حديث أهل الكوفة؟!
وما عشت أراك الدهر عجبًا!!
ولو أن هؤلاء رجعوا إلى أهل البيت (صلوات الله عليهم) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وجعلهم هو - جل شأنه - ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرجعاً للأمة يعصمونها من الضلال والفرقة، لتبدلت الموازين، ولكان أهل صدق اللسان من المحدثين هم أهل المذهب الحق، ولكانت أحاديثهم هي الحق الذي يتبع، وبها صلح حديث أهل الكوفة. ولظهر أنهم أنقذوا أهل الكوفة من الضلال، ولم يهلكوهم.
((قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)) (1). والحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله. وله الشكر أبداً سرمدًا.
وبذلك كله يظهر أن جمهور السنة لا يستغنون بما عندهم من الأحاديث عن أهل البيت (صلوات الله عليهم) وعن الرجوع للشيعة لمعرفة مذهبهم (عليهم السلام) من أجل التعرف على السنة الصحيحة منهم (صلوات الله عليهم)، وأن الأحاديث التي عند الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تغنيهم في دينهم مع ما سبق من المحن التي تعرضت لها السنة الشريفة والواقع الذي هم فيه؟!.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام الآية: 149.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المهدي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 303
العمر : 40
الموقع : الشرق الأوسط
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: رد: في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم   الأربعاء أغسطس 22, 2012 12:25 am

-[ 146 ]-

عدم قول جمهور السنة بعصمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يُبرِّر الإعراض
المبرر الثاني: الذي تذكره لاستغناء جمهور السنة عن كتب الشيعة هو عدم قول الجمهور بعصمة الأئمة (صلوات الله عليهم).
ونقول في جواب ذلك..

ما سَبَق شاهِدٌ بعصمة أهل البيت (عليهم السلام)
أولاً: كيف لا يكونون معصومين بعد ما ورد في حقهم من أنهم مع الحق والقرآن، والحق والقرآن معهم. وبعد جعلهم مرجعاً للمسلمين يهدونهم للحق، ويعصمونهم من الضلال، ويرفعون الخلاف بينهم، وينفون عن الدين الشوائب والتحريف... إلى غير ذلك مما سبق ونحوه؟!
إذ لا أقلّ مِن كوْنهم (صلوات الله عليهم) حينئذٍ معصومين في التبليغ بالدين، فلا يقولون بغير الحق منه. بل مقتضى آية التطهير وغيرها كونهم معصومين عن المعصية حتى في غير التبليغ. وإصرار الجمهور مع ذلك على عدم عصمتهم ردٌّ لتلك الأدلة وما جرى مجراها من دون مبرر.
وثانياً: أن ما ورد عن الأئمة (صلوات الله عليهم) أمور ثلاثة..

أحاديث الأئمة (عليهم السلام) المُسْنَدَة لا تَقْصُر عن مسانيد غيرهم
الأول: أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرويها الإمام عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ومن الظاهر أنه لا يشترط العصمة في الراوي بإجماع المسلمين. وعلى ذلك فعدم قول جمهور السنة بعصمة الأئمة (صلوات الله عليهم) لا يمنع من أخذهم برواياتهم، والتدين بها، كما أخذوا بروايات غيرهم من غير المعصومين.
بل أهل البيت (صلوات الله عليهم) أولى من غيرهم، لما هو المعلوم
-[ 147 ]-
من كونهم (عليهم السلام) القمة في الفقه والمعرفة والتقوى والورع والصدق، فالسند الذي يقتصر فيه عليهم (عليهم السلام) أجلّ الأسانيد وأثبتها.

مَن صرَّح بأنّ أسنادهم (عليهم السلام) لو قُرِئ على مجنونٍ لبَرِئ
وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال عن إسناد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه (صلوات الله عليهم): "لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ مِن جنّته" (1).
وقال علي بن مهرويه: "قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي: قال أبو الصلت عبدالسلام بن صالـح الهروي: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق" (2).
وعن محمد بن عبد الله بن طاهر قال: "كنتُ واقفاً على رأس أبي، وعنده أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الصلت الهروي، فقال أبي: ليحدث كل رجل منكم بحديث. فقال أبو الصلت: حدثني علي بن موسى الرضا - وكان والله رضا كما سمّي - عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي (عليه السلام)، قال: قال رسول الله: الإيمان قول وعمل. فقال بعضهم: ما هذا الإسناد؟!
فقال له أبي: هذا سعوط المجانين، إذا سعط به المجنون برئ" (3).
وكذلك نقله أبو نعيم عن بعض السلف من المحدثين (4).
وذكر الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الصواعق المحرقة 2: 595.
(2) التدوين في أخبار قزوين 3: 482.
(3) طبقات الشافعية الكبرى 1: 119 ـ 120، واللفظ له. عيون أخبار الرضا 2: 205.
(4) حلية الأولياء 3: 192 في ترجمة محمد بن علي الباقر.
-[ 148 ]-
بابويه (قدس سره) حديث الإمام الرضا (عليه السلام) بسنده عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالأركان".
ثم قال: "قال حمزة بن محمد العلوي (رضي الله عنه): وسمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: وسمعت أبي يقول وقد روى هذا الحديث عن أبي الصلت الهروي عبدالسلام بن صالـح، عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بإسناده مثله، قال أبو حاتم: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرئ" (1).
وعن عبد الرحمن بن أبي حاتم هذا، قال: "كنتُ مع أبي بالشام، فرأيتُ رجلاً مصروعًا، فذكرت هذا الإسناد، فقلتُ: أجرّب بهذا، فقرأتُ عليه هذا الإسناد، فقام الرجل، فنفض ثيابه، ومرّ" (2).

مَرَاسِيل الأئمة (عليهم السلام) بِحُكْمِ مَسَانِيدِهم
الثاني: أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يُصَرِّح الإمام (عليه السلام) بسنده فيها، وهي في بَدْوِ النظر مُرْسَلَة، لكنها في الحقيقة تَرْجِع للمسانيد، لِمَا هو المعلوم مِن حالهم مِن أنّ كلَّ إمامٍ إنما يأخذ عن أبيه، وإنما حُذِف السند للاختصار، وقد ورد منهم (عليهم السلام) التصريح بذلك،ففي حديث جابر: "قلت لأبي جعفر (عليهم السلام): إذا حدثتني بحديث فأَسْنِدْه لي. فقال: حدثني أبي عن جدي عن رسول الله (صلوات الله عليهم) عن جبرئيل (عليه السلام) عن الله عزوجل. وكلُّ ما أُحدّثك بهذا الإسناد" (3).
وفي حديث هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيرهما، قالوا: "سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا 2: 205.
(2) التدوين في أخبار قزوين 3: 482.
(3) بحار الأنوار 2: 178.
-[ 149 ]-
وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الله عز وجل..." (1).
ومن الطريف ما عن سالم بن أبي حفصة قال: "لما هلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) قلت لأصحابي: انتظروني حتى أدخل على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهم السلام)، فأعزيه به. فدخلت عليه فعزيته. ثم قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب والله مَن كان يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يُسْأَل عمّن بينه وبين رسول الله. لا والله لا يُرَى مثله أبدًا.
قال: فسكت أبو عبد الله (عليه السلام) ساعة، ثم قال:
قال الله تعالى: إنّ مِن عبادي مَن يتصدق بشق تمرة فأربِّيها له كما يربّي أحدُهم فلوه، حتى أجعلها له مثل جبل أحد.
فخرجتُ إلى أصحابي، فقلت:
ما رأيتُ أعجب مِن هذا، كنا نستعظم قول أبي جعفر: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا واسطة، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام) قال الله تعالى، بلا واسطة" (2).

فتاوى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تُقَدَّم على فتاوى غيرهم
الثالث: فتاوى منهم (عليهم السلام) غيْرُ مُسْنَدَةٍ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فمَن يقول بعصمتهم (عليهم السلام) يجب عليه الأخذ بها، وترك غيرها، لعلْمِه بكونها مِن الدِّين الذي يجب العمل به، وببطلان ما خالفه.
ومَن لم يَقُل بعصمتهم (عليهم السلام) فهم في حقِّه كسائر المفتين، وليست العصمة شرْطاً في المفتي بإجماع المسلمين أيضًا. ولذا عمل جمهور السنة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1: 53. بحار الأنوار 2: 179.
(2) بحار الأنوار 47: 337.
-[ 150 ]-
بفتاوى أئمة المذاهب، من دون أن يقولوا بعصمتهم.
بل يترجح أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حينئذٍ على غيرهم لأمور..
الأول: ما استفاض عنهم (عليهم السلام) مِن أنهم (عليهم السلام) لا يُفْتُون برأيهم، بل بما وَرِثُوه مِن العلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففي حديث الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) : "قال:
لو أنّا حدَّثنا برأينا ضللنا، كما ضلّ مَن كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيِّنةٍ مِن ربنا، بيّنها لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) فبَيَّنَها لنا" (1).
وفي حديث جابر: "قال أبو جعفر (عليه السلام) :
لو كنّا نفتي الناسَ برأينا وهوانا لكنّا مِن الهالكين، ولكنا نفتيهم بآثار مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُصُولِ عِلْمٍ عندنا نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبَهم وفضتَهم" (2).
وفي حديث أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
"إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليّاً في المرض الذي توفي فيه، فقال: يا عليّ ادْنُ منّي، حتى أسرّ إليك ما أسرّ الله إلي، واءتمنك على ما اءتمنني الله عليه. ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعليّ (عليه السلام). وفعَلَه عليٌّ (عليه السلام) بالحسن (عليه السلام)، وفعله الحسن (عليه السلام) بالحسين (عليه السلام)، وفعله الحسين (عليه السلام) بأبي (عليه السلام)، وفعله أبي (عليه السلام) بي (صلوات الله عليهم أجمعين") (3).
وفي حديث عنبسة، قال: "سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسألة، فأجابه فيها.
فقال الرجل: إنْ كان كذا وكذا ما كان القول فيه؟
فقال له: مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). لسنا نقول برأينا مِن شيء" (4).
والنصوص في ذلك كثيرة جدّاً على اختلاف ألسنتها بنحو تزيد على التواتر الإجمالي (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2)، (3) بحار الأنوار 2: 172، 174.
(4)بحار الأنوار 2: 173.
(5) الكافي 1: 221 ـ 223 باب: فرض طاعة الأئمة، والباب الذي بعده، والباب الذي بعده، وباب أن الأئمة ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً العلم، والباب الذي بعده، والباب الذي بعده. وغيره. وبحار الأنوار 2: 172 ـ 179.
-[ 151 ]-
الثاني: احتمال عصمتهم (عليهم السلام) - كما تقول الشيعة - لعدم الدليل النافي لها، وغاية ما يدعى عدم وضوح الدليل عليها عند الجمهور، بخلاف غيرهم، حيث لا قائل بعصمتهم، بل من المعلوم - بالإجماع والضرورة - عدم عصمتهم.
الثالث: الأدلة التي تقدم الاستدلال بها لعصمتهم (عليهم السلام). فإنه لو فرض - جَدَلاً - عدم دلالتها على عصمتهم، فلا أقلّ مِن أنها تدل على لزوم الرجوع لهم، وترجيح أحاديثهم وفتاواهم على أحاديث وفتاوى غيرهم، فهم أولى من غيرهم بعلم الدين، وبالإمامة في المسلمين..
يقول ابن حجر الهيتمي تعقيباً على حديث الثقلين: "وفي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(لا تقدموهم، فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم، فتهلكوا، ولا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم) دليلٌ على أنّ مَن تَأَهَّلَ منهم للمراتب العليّة، والوظائف الدينية، كان مُقَدَّماً على غيره..." (1).
وهو المناسب لِمَا روي عنهم (صلوات الله عليهم)، ففي خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) :
"أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُسْتَعطَى الهدى، ويستجلى العمى. إنّ الأئمة من قريش، غُرِسُوا في هذا البطن مِن هاشم لا تصلـح على سواهم، ولا تصلـح الولاة مِن غيرهم" (2).
وفي حديث زرارة، قال: "كنتُ عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال له رجل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الصواعق المحرقة 2: 654 تتمة: باب وصية النبي.
(2) نهج البلاغة 2: 27.
-[ 152 ]-
مِن أهل الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنين (عليه السلام) :
(سلوني عما شئتم فلا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به).
قال: إنه ليس أحدٌ عنده علم شيء إلا خرج مِن عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فليذهب الناس حيث شاؤوا، فوالله ليس الأمر إلا من ههنا. وأشار بيده إلى بيته" (1).
وفي حديث أبي بصير: "سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ فقال: لا.
قلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز.
فقال: اللهم لا تغفر ذنبه، ما قال الله للحكم: ((إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ))، فليذهب الحكم يميناً وشمالاً فو الله لا يؤخذ العلم إلا مِن أهل بيتٍ نزل عليهم جبرئيل (عليه السلام)" (2).
وفي حديث أبي مريم: "قال أبو جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت" (3).
وبالجملة: عدم القول بعصمتهم (عليهم السلام) لا يقتضي الإعراض عنهم لغيرهم، بعد عدم القول بعصمة غيرهم أيضًا، بل غاية ما يقتضي التخيير بينهم (عليهم السلام) وبين غيرهم، أو ترجيحهم على غيرهم، لما سبق.
ولا يُفَسَّر إعراض جمهور السنة عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) - مع ذلك - إلا بتفاعل الجمهور مع النواصب، وشعورهم بمباينة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لهم في الفقه والعقائد، بنحوٍ يقتضي مجافاتهم لهم، كما سبق ذكر الشواهد لذلك في غير موضع مما تقدم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2)، (3) الكافي 1: 399، 400.
-[ 153 ]-
هذا ما تسنى لنا في الجواب عن سؤالك. ونرجو أن يكون وافياً بالمطلوب، وبإيضاح الحقيقة التي تريد التعرف عليها.
ونسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أن يمدنا بالتوفيق والتسديد، ويعصمنا من الخطل والزلل، في القول والعمل. إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، ((وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) (1). وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود الآية: 88.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
في رحاب العقيدة.أبْعاد كثيرة عن الحديث الشريف.كُتُب الحديث وأصحابها.مَرْجِعِيَّة أهل البيت صلوات الله عليهم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شيعة تبسة :: قسم الواحة الاسلامية السمحة :: منتدى الحوار العقائدي-
انتقل الى: